مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله
بنت جبيل: مرآة الانهيار وعقدة العدو المستعصية

مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 28 شوال 1447هـ
تخوض المقاومة الإسلامية معارك شرسة في منطقة بنت جبيل ذات الرمزية التي لا يمكن اختزالها في كونها مدينة حدودية أو ساحة اشتباك عسكري، بل هي ساحة تختزن معنى التحول في طبيعة الصراع نفسه، هذه المدينة تحولت إلى ما يشبه “المرآة” التي تنعكس عليها حقيقة ميزان القوة، بعيدًا عن الصورة التي يحاول العدو الإسرائيلي ترسيخها عن نفسه، فمنذ اللحظة التي أُطلق فيها شهيد الإسلام والإنسانية سماحة السيد حسن نصر الله "رضوان الله عليه" معادلة “أوهن من بيت العنكبوت” من أرضها، أصبحت بنت جبيل تعبيرًا رمزيًا عن هشاشة القوة حين تُختبر في الميدان الحقيقي.

تكمن رمزية المدينة في أنها المكان الذي سقطت فيه الفجوة بين القوة النظرية والقوة الفعلية، فهنا تحديدًا، لم تنفع كثافة النيران ولا التفوق التكنولوجي في حسم المواجهة، بل على العكس، تحولت هذه العوامل إلى عبء حين وُضعت في بيئة لا تتناسب مع طبيعتها، لذلك، أصبحت بنت جبيل عنوانًا لقدرة الإرادة الإيمانية والتنظيم القتالي المرن على كسر التفوق العسكري التقليدي، بينما تحولت في المقابل إلى عقدة نفسية لدى العدو، الذي يرى فيها نقطة تكرار للفشل كلما حاول إعادة إنتاج صورة النصر.

ومن زاوية أعمق، تمثل المدينة نموذجًا للتداخل الرمزي مع العملياتي، فهي “منصة معنى” تُعاد فيها صياغة الرسائل التي ثبتها الشهيد القائد السيد حسن نصر الله فكل مواجهة فيها لا تُقاس فقط بمساحة الأرض أو عدد الأمتار المتقدمة، بل بما تتركه من أثر في الوعي العام، سواء داخل بيئة المقاومة أو داخل العدو، ولهذا السبب، يسعى العدو إلى تحقيق أي صورة إنجاز فيها، حتى لو كانت محدودة، لأنه يدرك أن السيطرة على الرمزية لا تقل أهمية عن السيطرة على الأرض.

كما أن بنت جبيل تجسد فكرة أن بعض الجغرافيا تتحول إلى “عُقد استراتيجية” لا يمكن تجاوزها بسهولة، فهي ليست مجرد نقطة على الخريطة، بل عقدة تتراكم فيها الخبرات القتالية، والذاكرة الجماعية، والاستعداد النفسي للمواجهة، وهذا ما يجعل أي محاولة لاحتلالها أو تثبيت السيطرة فيها مكلفة أكثر من غيرها، لأن المعركة لا تكون فقط مع مقاتلين، بل مع بيئة كاملة مشبعة بفكرة الصمود.

وفي السياق ذاته، فإن رمزية المدينة ترتبط بكونها ساحة تتكرر فيها المواجهة مع العدو الإسرائيلي ، ما يمنحها طابع “الاختبار الدوري” لقدرات العدو، فكل جولة قتال فيها تعيد طرح السؤال ذاته: هل استطاع العدو تجاوز حدود قوته السابقة، أم أنه ما زال يصطدم بالعوائق نفسها؟ وحتى الآن، تشير الوقائع إلى أن الإجابة تميل إلى الخيار الثاني، حيث تتكرر أنماط التعثر رغم اختلاف الظروف.

في المحصلة، يمكن القول إن بنت جبيل تمثل أكثر من مدينة؛ إنها رمز لمعادلة صراع كاملة، هي المكان الذي تتحول فيه الجغرافيا إلى معنى، والمعركة إلى رسالة، والتصدي إلى فعل يؤسس لوعي طويل الأمد، ولذلك، فإن أهميتها لا تنبع فقط من موقعها أو دورها الميداني، بل من كونها نقطة ارتكاز في تشكيل فهم أوسع لطبيعة المواجهة، حيث لا يكون الانتصار مجرد سيطرة على الأرض، بل قدرة على فرض رواية مغايرة لما يريد العدو تثبيته.

  • تكتيكات المقاومة: الاستدراج والاستنزاف وإعادة توزيع الجهد القتالي

في هذا السياق، تبرز أهمية التصدي الذي تبديه المقاومة، ليس فقط من حيث نتائجه المباشرة، بل من حيث طبيعته وأساليبه، فالمقاومة لا تدير المعركة بعقلية الدفاع التقليدي القائم على التمركز والثبات، بل تعتمد نمطًا مركبًا من القتال يقوم على الاستدراج والاستنزاف وإعادة توزيع الجهد القتالي، وهذا النمط يتجلى بوضوح في تكتيك “الجيب القاتل”، حيث يُسمح للقوات المعادية بالتقدم ضمن مسارات محسوبة، قبل أن تتعرض لضربات مركزة تستهدف نقاط ضعفها، سواء على مستوى المشاة أو الآليات، وبهذا، تتحول كل محاولة تقدم إلى عبء على العدو بدل أن تكون إنجازًا له، إذ يدخل في بيئة قتالية لا يستطيع التحكم بإيقاعها.

الأهمية الحقيقية لهذا الأسلوب تكمن في أنه يُفرغ التفوق التكنولوجي للعدو من مضمونه، فالتفوق الجوي، الذي يُفترض أن يشكل عامل الحسم الأساسي، يجد نفسه عاجزًا عن التأثير الحاسم في بيئة حضرية معقدة، حيث تنتقل المعركة إلى داخل الأزقة وبين المباني، وتُفرض مسافات اشتباك قريبة تُلغي أفضلية النيران البعيدة والدقيقة، وفي هذه البيئة، فإن المسيّرات الانقضاضية والأسلحة الموجهة المضادة للدروع التابعة لحزب الله تصبح أدوات فعالة جدًا، ليس فقط في إيقاع الخسائر، بل في خلق حالة دائمة من القلق وعدم اليقين لدى القوات المتقدمة، وهذا بحد ذاته عامل استنزاف نفسي لا يقل أهمية عن الاستنزاف المادي.

ومن خلال قراءة حركة العدو، يظهر بوضوح أنه يعاني من إشكالية بنيوية في إدارة المعركة،  فعلى الرغم من زج العدو الإسرائيلي وحدات نخبوية وألوية مدرعة، إلا أن نمط الانتشار الذي اعتمده، والقائم على توزيع القوات على عدة نقاط اشتباك بدل تركيزها، يعكس حالة من الحذر المفرط والخشية من الضربات المركزة، وهذا التوزيع، وإن كان يهدف نظريًا إلى تقليل الخسائر، إلا أنه عمليًا يؤدي إلى إضعاف القدرة على تحقيق اختراق حاسم، ويحوّل القوات إلى أهداف متناثرة يسهل التعامل معها تدريجيًا، كما أن التقدم المحدود، الذي لا يتجاوز في بعض الحالات عشرات الأمتار، يشير إلى أن العدو غير قادر على فرض سيطرة فعلية، بل يكتفي بمحاولات جس نبض تتكرر دون نتيجة.

  • خسائر مادية ومعنية يتكبدها العدو الإسرائيلي

إن التكتيكات التي يتبعها المجاهدون في حزب الله أثبتت جدوائيتها في الميدان. وكالة " unews" كشفت اليوم الأربعاء، عن تعرض موكب "رئيس الأركان" في جيش العدو الإسرائيلي، إيال زامير، لهجوم صاروخي خلال تفقده "الفرقة 162 " التي تواجه صعوبات منذ أيام في محاولة احتلال المدينة .  وأوضحت مصادر ميدانية أن استهداف "زامير" وقع أثناء محاولته الوقوف على أسباب الإخفاق العملياتي في اقتحام بنت جبيل. وأن الهجوم الصاروخي أدى إلى حالة من الإرباك الشديد في محيط الموكب، ما استدعى استنفارًا جويًا واسعًا وتغطية نارية كثيفة لتأمين إخلاء الموقع.

على صعيد الإخفاق الميداني أفاد موقع والا" العبري أن "جيش" العدو فتح تحقيقاً في ملابسات الحادثة التي أُصيب فيها قائد كتيبة من "لواء المدرعات" - المقدم أ - بالأمس في جنوب لبنان . ويوم أمس أعلنت إذاعة "جيش" العدو الإسرائيلي وتحت بند سُمح بالنشر: إصابة  10 جنود صهاينة من "الكتيبة 101" التابعة للمظليين خلال الليل في قتال مباشر (وجهاً لوجه) مع حزب الله في جنوب لبنان، مضيفة أن الاشتباك وقع داخل منطقة بلدة بنت جبيل، مشيرة إلى أن قوة المظليين اشتبكت مع المسلحين من مسافة قريبة، واندلع تبادل لإطلاق النار بين الطرفين.

صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية أوضحت أن القتال الشرس الذي يخوضه مقاتلو حزب الله يفرض ثمنًا على جنود "الجيش" الإسرائيلي في بنت جبيل، ورغم أنهم يتقدمون تحت غطاء ناري كثيف من البر والجو في محاولة لتجنّب الخسائر، إلا أن الحديث يدور عن منطقة مبنية بكثافة، تمامًا كما هو الحال في قطاع غزة، ولذلك لا يمكن تجنّب الاشتباكات من مسافات قريبة بشكل كامل. أما موقع "والاه" العبري فذكر أنه تم تعيين المقدم (د) قائمًا بأعمال قائد "الكتيبة 52 " بدلًا من قائد الكتيبة الذي أُصيب مساء أمس في جنوب لبنان بجروح خطيرة.

مجريات الأحداث في بنت جبيل كان قد شخّصها الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم في كلمته الأخيرة ،الاثنين، والتي قال فيها: "لقد أعدت المقاومة نفسها بصمت وغموض، ويقاتل المجاهدون بالكر والفر، وليس بالثبات في الجغرافيا. نستخدم كل وسائل المقاومة المتنوعة، ومتى تسمح الفرصة سنأسر من جنود العدو، عندما يتجولون في قلب القرى، أو يكونون قريبين من أماكن معينة، أي ساعة يصح لنا إن شاء الله سنأسر من العدو. سنقاتل هذا العدو من خلفه، وعلى يمينه، وعلى شماله، لن يعرف من أين سيخرج له المقاوم. على كل حال، الميدان هكذا، لن ندعه يستقر، وسيعيش الرعب. المقاومة بإمكاناتها وأساليبها ليست التحاماً صفرياً فقط، ولا قتالاً على الحدود فقط، هي صاروخ، وطائرة، ومحلقة، وكل الوسائل المتاحة، وقبل كل شيء المقاومة إيمان وإرادة وقدرة، والحمد لله متوفرين بقوة وعزيمة. لا معيار للزمن عندنا، ولا لحجم التضحيات، معيارنا أن نصمد، وأن تبقى رؤوسنا مرفوعة، وأن نوقف العدوان، ونحرر الأرض".

  • الإخفاق العملياتي للعدو

الخسائر التي تكبدها العدو الإسرائيلي في وقت قصير نسبيًا تعكس حجم الإخفاق العملياتي، فحين تتعرض وحدات مدرعة ومشاة مدعومة بغطاء جوي كثيف لخسائر ملحوظة دون تحقيق أهداف ملموسة، فإن ذلك لا يمكن تفسيره إلا بوجود خلل في التقدير أو التنفيذ أو كليهما، وهذا الخلل يتفاقم عندما يترافق مع ضغط زمني، كما هو الحال في سعي العدو لتحقيق إنجاز قبل أي مسار تفاوضي، ما يدفعه إلى تسريع العمليات على حساب الدقة والتخطيط، وبالتالي الوقوع في مزيد من الأخطاء.

في المقابل، يظهر أن المقاومة تدير عامل الزمن بذكاء لافت، فهي لا تسعى إلى حسم سريع، بل إلى إطالة أمد المواجهة ضمن سقف محسوب، بما يؤدي إلى تعقيد المشهد أمام العدو ومنعه من تحويل أي تقدم ميداني إلى إنجاز سياسي، فكل يوم إضافي دون حسم يعني مزيدًا من الضغط على "الجبهة الداخلية" للعدو، ومزيدًا من التآكل في صورة جيشه، التي تقوم أساسًا على فكرة الحسم السريع والتفوق المطلق، ومع استمرار هذا النمط، تتحول المعركة من محاولة احتلال موضعي إلى أزمة ثقة داخل المؤسسة العسكرية والسياسية للعدو.

ولا يمكن إغفال البعد النفسي في هذه المواجهة، حيث تلعب بنت جبيل دورًا يتجاوز الجغرافيا، فالعدو لا يقاتل فقط للسيطرة على أرض، بل لمحاولة محو أثر رمزي متجذر في وعيه منذ عام 2000م ، هذا العامل يجعله أكثر اندفاعًا وأقل توازنًا، ويدفعه أحيانًا إلى اتخاذ قرارات ذات طابع دعائي أكثر منه عسكري، مثل استهداف مواقع ذات رمزية بهدف الادعاء بتحقيق إنجاز كاستهداف الملعب الذي ألقى فيه الشهيد القائد السيد حسن نصرالله خطاب "بيت العنكبوت" غير أن هذا السلوك يعكس في جوهره عجزًا عن تحقيق إنجاز فعلي على الأرض، فيتم التعويض عنه بخطوات ذات طابع نفسي وإعلامي.

ختاما
في المحصلة، تكشف معركة بنت جبيل عن حقيقة مركزية مفادها أن ميزان القوة في الحروب الحديثة لم يعد يُقاس بحجم الترسانة أو مستوى التكنولوجيا، بل بقدرة الطرف على إدارة المعركة بمرونة واستثمار نقاط ضعف خصمه، وما يظهر في هذه المواجهة هو أن التصدي الذي تبديه المقاومة لا يقتصر على منع التقدم، بل يتعداه إلى تفكيك بنية الهجوم نفسه، وتحويله إلى عملية مكلفة وغير قابلة للاستمرار، وفي المقابل، يتجلى إخفاق العدو في عجزه عن ترجمة تفوقه النظري إلى إنجاز عملي، وفي انكشاف محدودية قدرته على القتال في بيئات معقدة، حيث تتحول القوة إلى عبء.

وعليه، فإن استمرار هذا النمط من المواجهة يعني أن العدو يواجه معضلة حقيقية فالتراجع يُفقده هيبته، والاستمرار يراكم خسائره دون ضمان تحقيق أهدافه، وبين هذين الخيارين، تتكرس بنت جبيل مرة أخرى كميدان يكشف الفجوة بين الصورة التي يسعى العدو إلى ترسيخها، والواقع الذي يفرض نفسه بقوة الميدان.


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر