فما الذي يصرف الإنسان، والله “سبحانه وتعالى” من كرمه يدعونا، حتى عندما يعرض علينا هذه النعم، حتى عندما يذكر لنا تفاصيل منها، هو يرغِّبنا، هذه وسيلة من وسائل سعيه “سبحانه وتعالى” أن يوصلنا إلى هذه النعم: أنه يعرض علينا نماذج منها، أنه يدعونا إليها، أنه يرغِّبنا فيها، أنه يشرح لنا عنها، ويبين لنا عنها، ويدعونا إليها، كما قال “جلَّ شأنه”: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ}[يونس: من الآية25]، يدعونا، ينادينا، كم في القرآن الكريم وهو يعرض علينا ما يوصلنا إلى هذه النعم العظيمة، إلى المستقر الأبدي؟
{وَاللَّهُ يَدْعُو}، ينادي، ينادينا، كم في القرآن: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ}، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}؟ ينادينا نداءً، ويدعونا، ويتلطَّف بنا في دعوته لنا، فيأتي بكل العبارات التي هي مليئةٌ بالرحمة والحنان، ويكرر بأساليب كثيرة، ونداءات كثيرة، وطرق كثيرة، في خطابه لنا، وهو يرغِّبنا ويحاول فينا أن نتجه إلى هذه النعم، {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ}، إلى مستقر السلام، الذي هو سلامٌ من كل الشرور، من كل العذاب، من كل الشقاء، من كل الهوان، من كل الخزي، تلك الدار التي يتحقق لك فيها السَّلام الشامل، والاطمئنان التام، والاستقرار الحقيقي، فليس فيها أي شيءٍ يشكِّل خطورةً عليك، أو ضرراً بك، أو أذىً لك، أو إزعاجاً لك، ليس فيها أي شرٍ، أي شقاءٍ، أي عناءٍ، أي تعبٍ، أي نصبٍ، أي همٍّ، أي غمٍّ، سلامٌ من كل الشرور، سلامٌ من كل الآلام، سلامٌ من كل العذاب، من كل الشقاء، من كل الهوان، سلامٌ تامٌ، الله يدعوك إلى ذلك، فلماذا أنت لا تقبل؟
لماذا تقبل دعوة عدوك الشيطان؟ والشيطان إلى أين يدعوك؟ إلى أين يسعى للوصول بك؟ هو كما قال الله عنه: {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ}[فاطر: من الآية6]، الشيطان حتى وهو يستغل فيك جانب الشهوات، والرغبات، والأهواء، ولكنه يدعوك لماذا؟ لتكون من أصحاب السعير، ليصل بك إلى قعر جهنم، ليصل بك إلى الشقاء الأبدي، ليجعلك تخسر في هذه الدنيا وفي الآخرة.
أمَّا الله الكريم، الرحيم، العظيم، فيدعوك إلى دار السَّلام، {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}[يونس: الآية25]، (يَدْعُو)، (وَيَهْدِي)، فهو يبين هذه الطريق، ومع البيان أيضاً هو يعينك، من هدايته أنه يعينك أيضاً، أنه يشرح صدرك؛ لتواصل مشوارك في هذه الطريق، ويعطيك العون على المستوى النفسي والعملي، وأنه أيضاً مع شرحه لصدرك، يزين لك الإيمان، يحببه إليك، يرغِّبك، ويوفر لك أسباب الهداية، يتلافاك بألطافه وتوفيقاته، يعمل لك الأشياء الكثيرة؛ من أجل أن يصل بك إلى جنته، إلى دار السَّلام.
{وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ}[البقرة: من الآية221]، هكذا يقول “سبحانه وتعالى”: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ}، دعوة الله لنا في كل ما أمرنا أن نعمل، وفي كل ما نهانا عنه، هو ليوصلنا إلى الجنة، ليوصلنا إلى المغفرة، مع ما يتحقق لنا في عاجل هذه الدنيا من فضله، من عونه، من رحمته، من نصره، من بركاته، من نعمه الواسعة المعنوية والمادية، فهو يدعونا، ويهدينا، ويعيننا، وييسر لنا طريق الوصول إلى هذه النعم العظيمة.
وكلنا نعلم أنَّ الانتقال من هذه الحياة انتقالٌ حتمي، الموت في كل يوم يأتي إلى البشر، في كل يوم وهناك من يغادر هذه الحياة، لا يمر يومٌ واحد إلَّا وهناك قوافل وأعداد كبيرة من البشر ترحل من هذه الحياة بشكلٍ يومي، وكلنا نعلم أنَّ هذه الحياة ليست مستقراً، وأن لنا آجالاً محدودة، والأجل ينتهي، مرحلة العمر تطوى، والكثير من الناس يتفاجأ عند موعد الرحيل من هذه الحياة، يأتيه الموت بشكلٍ مفاجئ، في الوقت غير المتوقع، وقد يتفاجأ الكثير من الناس أنَّ فلاناً رحل، وفلاناً لم نكن نتوقع أنه سيموت وهو لا يزال في هذا المستوى من العمر، فمرحلة العمر تطوى، والإنسان لا يعلم كم سيستقر أصلاً في هذه الحياة.
ولذلك إذا لم تأخذ بعين الاعتبار هذا المستقبل الأبدي الدائم؛ فأنت ستخسر، وخسارتك رهيبةٌ جدًّا، رهيبةٌ جدًّا، لكن عندما تأخذ بعين الاعتبار أنَّ هناك حياتين: الحياة الأولى أسبغ الله فيها عليك النعم، وفي نفس الوقت إذا شكرت نعمه عليك، وإذا اتجهت وفق ما هداك إليه، واستجبت له، فيما يصلح حياتك هنا، وتنال به الحياة الطيبة هنا، تبقى متطلِّعاً إلى هذه الحياة المستقبلية الأبدية.
[الله أكبر / الموت لأمريكا / الموت لإسرائيل / اللعنة على اليهود / النصر للإسلام]
دروس من هدي القرآن الكريم
ألقاها السيد/ عبدالملك بدر الدين الحوثي
سلسلة المحاضرات الرمضانية المحاضرة العاشرة 1442هـ