بشير ربيع الصانع
في لحظة تأمل تاريخية، نقف اليوم أمام مشهد غير مسبوق في تاريخنا الحديث.
مشهد يتجاوز فيه الشعب حدود كونه رعية أَو متفرجًا، ليصبح جزءًا من المعادلة العسكرية بكل تفاصيلها.
هذا التحول الكبير، الذي تجلى بوضوح في قوات التعبئة العامة، جاء نتاج رؤية استراتيجية أدركت أن مواجهة التحديات الكبرى تتطلب تعبئة شاملة للمجتمع بأسره، وليس الاكتفاء بالجيش النظامي فقط.
في ذكرى الهجرة.. دعوة للجهوزية والتحرير
في بيانه بمناسبة العام الهجري الجديد، طرح سيدنا وقائدنا السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي رؤية واضحة: أن على الشعب اليمني أن يكون في حالة جهوزية دائمة، حالة المشاركة الفاعلة في الدفاع عن وطنه ومقدساته.
دعوةٌ وجدت صدى واسعًا في الشارع اليمني، وتجسدت في استجابة سريعة من قوات التعبئة العامة التي أعلنت عن جهوزيتها الكاملة لتنفيذ توجيهات القيادة.
وبعد أَيَّـام، جاءت كلمة السيد القائد في ذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام لتؤكّـد أن مسارنا في نصرة المستضعفين هو مسار "مُستمرّ وثابت وتصاعدي"، مستلهمًا روح عاشوراء في الثبات على الحق ومواجهة الباطل.
بيان قوات التعبئة العامة: الاستجابة الكاملة
وفي 22 يونيو 2026، أصدرت قوات التعبئة العامة بيانها التاريخي، معلنة الاستجابة الكاملة لدعوة قائد الثورة، والجهوزية الكاملة والفورية "لإسناد ورفد الجيش بالمقاتلين في أي زمان ومكان توجّـه به القيادة لمواجهة قوى العدوان وانتزاع حقوق الشعب اليمني العظيم وطرد المحتلّين وإنهاء الحصار على بلدنا العزيز".
هذا البيان حمل أرقامًا دقيقة تعكس حجم الإنجاز: "إن القوة المدربة والمسلحة والمشكلة في قوات التعبئة بقيادتها بلغت مئات الآلاف ومئات الألوية العسكرية التعبوية الشعبيّة من أبناء شعبنا العظيم".
وهذا الرقم يعكس تحولًا نوعيًّا في مفهوم القوة العسكرية.
فالجيش أصبح الشعب بأكمله جزءًا من المعادلة الدفاعية، وقادرًا على رفد الجبهات متى دعت الحاجة.
ما قوات التعبئة العامة؟
ليست قوات التعبئة العامة هي شبكة تعبئة شعبيّة شبه عسكرية، أنشئت عبر الأحياء والقرى والمدارس والجامعات والقبائل؛ بهَدفِ تحويل المجتمع إلى احتياطي بشري قابل للاستدعاء في أية لحظة.
وقد أخذت شكلًا أكثر تنظيمًا بعد أحداث السابع من أُكتوبر 2023، تحت شعارات "طوفان الأقصى" و"معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس".
ما يميز هذه القوات تشمل فئات مختلفة من المجتمع، حَيثُ تم تنظيم دورات "طوفان الأقصى" عبر عقال الحارات والمشايخ والملتقيات الطلابية في الجامعات الحكومية والخَاصَّة.
هذا النهج جعل من التعبئة العامة ظاهرة اجتماعية شاملة، وليس مُجَـرّد إجراء عسكري.
أهداف التعبئة: تحرير الأرض واستعادة الحقوق
بيان قوات التعبئة العامة حمل رؤية استراتيجية شاملة، حدّدت أهدافًا واضحة: "طرد المحتلّين، وانتزاع الحقوق، وإنهاء الحصار".
وهذه الأهداف الثلاثة تمثل جوهر قضيتنا منذ اندلاع العدوان عام 2015:
طرد المحتلّين: تحرير كامل الأراضي اليمنية من قبضة قوى العدوان.
انتزاع الحقوق: استعادةُ حقوق شعبنا المسلوبة، وعلى رأسها عائدات النفط والغاز.
إنهاء الحصار: فك الحصار الجائر الذي طال أمده على شعبنا.
وفي هذا السياق، حمل بيان التعبئة رسائلَ مزدوجةً، موجَّهةً للخارج والداخل على حَــدٍّ سواء.
فعلى المستوى الإقليمي، نواصل تحميل السعوديّة مسؤولية توقف صرف الرواتب في مناطق سيطرتنا، ونطالبها بدفع المرتبات من عائدات النفط والغاز اليمني ورفع القيود عن الموانئ ومطار صنعاء.
أما داخليًّا، فتضمن الخطاب دعوة للحفاظ على وحدة الصف وتحصين الجبهة الداخلية، والنفير العام.
التعبئة العامة.. دورات مفتوحة
ما يميز هذه التعبئة أنها شملت مختلف فئات المجتمع، من خلال دورات "طوفان الأقصى" المفتوحة، التي أصبحت واجبًا دينيًّا ووطنيًّا.
وجاء في بيان قوات التعبئة العامة دعوة صريحة لأبناء شعبنا إلى "الحفاظ على وحدة الصف، وتحصين الجبهة الداخلية، والنفير العام، والجهوزية الكاملة، والالتحاق الواسع بدورات التعبئة العسكرية المفتوحة 'طوفان الأقصى'".
فلسطين بُوصلة المعركة
أكّـد السيد القائد موقفنا الثابت والمبدئي في نصرة الشعب الفلسطيني، وأن القضية الفلسطينية "تظل البوصلة لجميع القوى الحرة وفي مقدمتها محور الجهاد والمقاومة".
كما أشادت بالانتصارات التي حقّقتها الجمهورية الإسلامية في إيران، مؤكّـدة على معادلة "وحدة الساحات" وأن "شعبنا العزيز وقوات التعبئة جزءٌ من هذه المعادلة وجاهزون للإسناد بتوجيهاته المباركة".
هذا الربط بين ساحتنا والساحات الإقليمية الأُخرى يعكس تحولًا مهمًا في خطابنا السياسي والعسكري، يتمثل في الانتقال من التضامن إلى الاندماج الاستراتيجي في إطار محور الجهاد والمقاومة.
ما يجعل هذا الجيش الشعبي مختلفًا عن أي جيش تقليدي، هو أنه جيش عقائدي، يتحَرّك بدافع إيماني، ويقاتل مِن أجلِ قضية عادلة.
وقد أكّـد بيانُ قوات التعبئة العامة أن أبناء شعبنا ومنتسبي التعبئة العامة "كانوا وسيظلون في طليعة المجاهدين والمقاتلين والمدافعين عن الوطن وسيادته واستقلاله".
كما أكّـد البيانُ أن قواتِ التعبئة العامة "رهن إشارة قائد الثورة للتحَرّك في أية لحظة، أوفياء لدماء الشهداء، ثابتون على نهج الحرية والكرامة، حتى يتحقّق لشعبنا اليمني العظيم النصر الكامل، وتتحرّر الأرض، وتستعاد الثروات، ويعيش الوطن آمنًا حرًا عزيزًا مستقلًا".
آثار التدريب الشعبي: بناء جيل لا يُقهَر
إن تعميمَ الثقافة العسكرية والتوعوية على جميع أبناء الشعب سيترك آثارًا إيجابيةً كبيرة تمتدُّ لأجيال قادمة:
تعزيز الهُوية الإيمانية والوطنية والانتماء، حَيثُ سينشأ جيل واعٍ بأهميّة الدفاع عن دينه ومقدساته، ومدرِك لحجم المؤامرات التي تحاك ضده.
ترسيخ ثقافة الاعتماد على الذات، وعدم الانتظار لنجدةٍ من أحد، وهذا ما يجعلنا أقوياءَ وقادرين على مواجهة أية تحديات مستقبلية.
بناء مجتمع متماسك وقوي، قادر على تحويل أي عدوان إلى هزيمة، وأي حصار إلى فرصة.
نقل هذه التجربة إلى الأجيال القادمة، لتصبح جزءًا من ثقافتنا، وقيمة لا تتجزأ من هُويتنا اليمنية.
ما يجري في يمننا اليوم يحمل دلالات عميقة تتجاوز حدود التعبئة العسكرية.
إنه تحول في مفهوم دولتنا ومجتمعنا، حَيثُ يصبح الشعب جزءًا من المنظومة الدفاعية بأكملها.
قوات التعبئة العامة، بكل ما تحمله من أبعاد تنظيمية وعقائدية، تمثل تجسيدًا لفكرة أن صمودنا في وجه العدوان يتطلب تعبئة شاملة لمجتمعنا بأسره.
هذه التجربة، هي التي جعلتنا صامدين أقوياء، وقادرين على مواجهة أعتى قوى الطغيان.
فنحن شعب يتدرب ويستعد، ويؤمن بقضيته، ولا يمكن هزيمته.
وهذا هو السرُّ الذي لن يفهمَه أعداؤنا: أن ثورتَنا مشروعٌ نهضوي يهدفُ إلى بناء إنسان قوي، واعٍ، ومؤمن، لا يقبل الذل، ولا يخشى الشهادة في سبيل الله.






.png)
