مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله

فهد شاكر أبوراس
ما جرى في الرياض من اجتماع لرؤساء أركان السعودية وباكستان، يحمل في جوهره اعترافاً ضمنياً بأن معادلات القوة في المنطقة لم تعد كما كانت قبل أن تفرض صنعاء سيادتها المستحقة في البحر الأحمر وباب المندب.

فحين يجتمع رؤساء الأركان لبحث تفعيل "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" في وقت تتسع فيه تأمينات اليمن للملاحة الدولية، ومساهمتها الفاعلة في تكريس الواقع الأمني في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، فهذا يخيف أعداء اليمن، الذين يدركون مدى أهمية الممر المائي اليمني، وتفعيل الرد العقابي على من يعتدي على السيادة اليمنية.

وهنا يكون السؤال الذي يفرض نفسه ليس ماذا قرروا، بل لماذا تأخروا، ولماذا يتحدثون عن الانتشار العسكري ثم ينفون أن يكون جزءاً من جدول الأعمال! هذا التناقض تعبير عن مأزق حقيقي؛ فباكستان التي تمتلك ثقلاً عسكرياً ونووياً لا تريد أن تُجر إلى حرب السعودية ضد الشعب اليمني وأثبتت أنها ليست حرباً سهلة ولا قصيرة، وتركيا التي راهنت على نفوذ إقليمي متوازن لا ترغب في حرق أوراقها في جبهة هزمت فيها إمبراطوريتها القديمة، والسعودية التي تقود التحالف وتتحمل كلفته الأمنية والاقتصادية تدرك أكثر من أي وقت مضى أن التحالفات مهما تعددت أطرافها لا تصنع شرعية ولا تعوض غياب القدرة على الحسم.

وتظهر عبقرية الموقف اليمني الذي وضع الرد قبل أن تتضح ملامح النتائج، لأن صنعاء تعرف أن لغة التحذير الجاد هي وحدها ما يفهمه من راهن على الحصار والتصعيد؛ فوزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان تحدثا بلهجة عسكرية واضحة، وأعلنا أن التحالفات لن تحمي من يتخندق مع الأعداء، وأن الأسلحة الرادعة ستصل إلى أهدافها مهما حاول الآخرون اعتراضها، وهذا ليس تهديداً بقدر ما هو توصيف لمعادلة قائمة.

فمن يملك القدرة على ضرب العمق السعودي بالصواريخ والطائرات المسيرة، ويملك السيطرة الميدانية على باب المندب والجزر المحيطة به، يمكنه المخاطبة بلغة الأمر الواقع، حيث كانت المعادلة البحرية اليمنية رادعة من قبل تحرير جبهة الساحل الغربي والجزر اليمنية ومضيق باب المندب، وكان العالم يدرك ذلك.

وبعد تثبيت السيادة اليمنية في البحر، بات من يتحكم في باب المندب يتحكم في إيقاع العبور والتحالف والتطبيع، وقد أثبتت صنعاء أنها قادرة على إدارة هذا الملف بدقة، فهي لم تغلق المضيق، وتريد أن تثبت للعالم أن لديها أبعاداً سياسية يمكن الاطمئنان إليها، لكنها فرضت حظراً فعلياً على الملاحة السعودية، مقابل الحصار السعودي على الشعب اليمني المستمر منذ اثني عشر عاماً.

وأثبتت التحالفات البحرية المعادية لليمن في الفترة الماضية فشلها أمام نجاح العمليات اليمنية الدقيقة في استهداف ملاحة كيان العدو الإسرائيلي أثناء مساندة غزة، فكانت ورقة البحر الأحمر وباب المندب بيد صنعاء منذ سنوات، فكيف ستكون قبضتها اليوم وهي من تدير وتحصي وتعد السفن المارة على مرمى حجر من قواتها المنتشرة في الجزر اليمنية الحاكمة؟

وهذا كله يجعل من البحر ورقة ضغط ذات أثر أهم من القدرات الصاروخية والمسيرة، وربما تسبقها في التأثير لأنها تضرب في العمق الاقتصادي قبل العسكري، وهذا ما يجعل التحالفات التي يجري الحديث عنها اليوم عاجزة عن امتلاك أي حيل أو مؤامرات أو خطط سحرية لهذه المعادلة.

لماذا؟ لأن القواعد العسكرية لا تستطيع حماية سفينة تجارية في عرض البحر إذا كانت صنعاء قررت استهدافها، والمنظومات الدفاعية لا تستطيع تغطية كل نقطة في بحر يبلغ عرضه مئات الأميال، والانتشار البحري الدولي المستكبر نفسه أثبت فشله أمام القوات المسلحة اليمنية؛ لأنه لا يستطيع البقاء إلى الأبد ولا تحمل كلفة مواجهة مفتوحة مع قوة يمنية تقاتل على أرضها، وفي مياهها، وعلى سيادتها. وهنا تكمن المفارقة، وهي "أن الرياض وحلفاءها يحاولون بناء تحالف هجومي لتشديد الحصار على اليمن، ومنعه من تثبيت معادلة الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد".

ويعكس هذا التحالف في حقيقته حالة ضعف لا قوة، لأنه يأتي بعد سنوات من الحرب والحصار دون تحقيق أهداف، ويأتي في وقت تتقدم فيه صنعاء من موقع الدفاع إلى موقع الردع، ومن ردع محدود إلى ردع واسع يهدد المطامع الاستعمارية في المنطقة.

والرسالة اليمنية التي تقول إن التحالفات لن تحمي من يتخندق مع الأعداء، هي رسالة موجهة إلى الداخل اليمني أولاً لتثبيت الجبهة الداخلية، وإلى الإقليم ثانياً لتوضيح أن زمن المراهنة على تغيير المعادلة بالقوة انتهى، وإلى العالم ثالثاً لتذكيره بأن أمن البحر الأحمر مستمر لكل من لا يعتدي على الشعب اليمني.

ومن هنا فإن أي حديث عن سلام أو تسوية يجب أن يبدأ من الاعتراف بهذه المعادلة الجديدة، لا من محاولة كسرها، لأن من يملك الأرض والبحر والصاروخ والإرادة والقضية العادلة لا يمكن أن يُهزم بالتحالفات المعتدية الباغية.

وإذا لم يتوقف العدو السعودي عن رهانه على خيارات عسكرية ثبت فشلها، وما لم يدرك أن باب المندب يمني وتحت السيادة اليمنية، وأن مفتاح المرور منه بيد صنعاء، فإنه سيجد نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما سلام مشروط باحترام السيادة اليمنية ورفع الحصار ودفع التعويضات والخروج من الأراضي اليمنية المحتلة، وإما تصعيد مفتوح ستكون كلفته أكبر من أي مكسب وهمي. وفي الحالتين تبقى صنعاء هي من يكتب فصول المعادلة القادمة، لا من يقرأها على عجل في بيانات الاجتماعات.


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر