حسين بن محمد المهدي
{إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً ولكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}
العدل حياة للأفراد، وأمن للمجتمعات، وقوة للدول، وسبب لبقاء النعم، والظلم وإن بدأ في أوله كأنه قوة للظالم، فإن عاقبته هلاك وفساد، فهو مؤذن بخراب العمران وزوال الدول -كما قرر ذلك العلامة ابن خلدون وأجمع عليه علماء الاجتماع وفلسفة التاريخ-؛ لأن الظلم في جوهره امتهان لكرامة الإنسان التي كفلها الخالق سبحانه وتعالى، وتعدٍّ على حقوقه الأساسية في نفسه أو ماله أو عرضه، فهو موجب للهلاك الجماعي وسقوط الحضارات.
فباستقراء القرآن الكريم لسائر أحوال الأمم السابقة، يتضح أن سبب استئصالها وهلاكها ينتهي دوماً إلى الظلم، كما قال تعالى: {وتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً}، وقال سبحانه: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا}؛ ذلك أن الظالم يعتدي على حقٍّ جعله الله محترماً.
فحين يظلم الإنسان غيره، فإنه يتجاوز الحدود التي أقامها الله بين الناس؛ فالدم له حرمة، والمال له حرمة، والعرض له حرمة، والكرامة والحقوق كلها لها حرمة.
فالأصل أن يعيش الناس في ظل العدل، لا أن يجعل القوي قوته معياراً للحق فيظلم الناس ويسلبهم حقوقهم.
فالظلم والفساد يحولان النعمة إلى نقمة، والأمن إلى خوف، والرخاء إلى ضيق، وعندئذ يصبح الظلم سبباً رئيساً في سقوط المجتمعات، وأفول الحضارات، وزوال أسباب قوتها.
ولقد نبه القرآن الكريم إلى ذلك فقال سبحانه: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَ أَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَ جَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ}، وقال عز وجل: {فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَ مِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَ مِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَ مِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَ ما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}.
وجاء في الحديث القدسي: "يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا".
فتحريم الله للظلم على نفسه وجعله محرماً بين عباده هو القاعدة الصلبة التي يستقيم بها أمر الدنيا والدين؛ فبالعدل تصان الدماء والأموال والأعراض، وبغيابه يحل الهلاك.
والظلم في التصور الإسلامي، هو اختلال في ميزان العدل الذي به تستقيم حياة الإنسان والمجتمع والدولة.
ولذلك جاءت النصوص الشرعية محذرة منه، فقرن الله بين الظلم وبين العذاب والهلاك، فقال سبحانه: {وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً}.
وتمر بنا في هذه الأيام الذكرى الأليمة والمجيدة لاستشهاد شهيد الإسلام والإنسانية، المجاهد الكبير السيد حسن نصر الله _رضوان الله عليه_، لتذكرنا بجسامة التضحيات في مواجهة التوحش الصهيوني وحلفائه.
وأن ما يرتكبه الكيان الصهيوني بحق الشعب العربي المسلم_ في غزة والضفة الغربية والقدس الشريف وجنوب لبنان واليمن، واغتيال القادة والرموز، وقتل عشرات الآلاف من الأطفال والنساء والأبرياء، هو خرق فاضح لنظام العدل الذي قامت به السماوات والأرض.
لقد أعمى الظلم بصيرة قادة الصهاينة وداعميهم، وتحول إلى ظلمات حقيقية تحيط بهم، وصدق الله العظيم إذ يقول: {إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.
فالظلم الفردي مؤلم، لكن الأخطر أن يتحول الظلم إلى منهج ونظام استكباري كما هو حال المخطط الصهيوني-الأمريكي الذي يستهدف الأمة بكاملها؛ عبر فرض الحصار الجائر على الجمهورية الإسلامية في إيران ومحاولة خنق شعبها العزيز، وتدمير مقدرات الشعوب في لبنان وسوريا والعراق، واستمرار العدوان والحصار الظالم على اليمن وأهله منذ أكثر من 12 عاماً.
وفي مقابل هذا الاستكبار، تجلت حكمة العدل وموقف الحق في الموقف التاريخي المشرف الذي يقوده أنصار الله في اليمن، بقيادة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي_ يحفظه الله_ ، والذي أثبت أن الشعب اليمني -رغم الحصار والعدوان والاعتداءات المستمرة من حلفاء الصهيونية- لم يتخلَّ عن واجبه الديني والأخلاقي في نصرة المستضعفين في فلسطين ولبنان، فسطر الموقف الأشد شجاعة وإنسانية في الدفاع عن الحق ودفع الظلم عن الأمة، في الرد على المعتدين بقوة وحزم.
وإن تعجيل عقوبة الظلم في الدنيا آتٍ لا محالة قبل الآخرة؛ فللظالم موعد لا يخلفه، وإن أُمهل فإن الله لا يهمل، كما جاء في الحديث النبوي: "إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ".
وإذا أصبح الاعتداء وسلب الحقوق واستخدام السلاح بديلاً عن الحق والعدل، فإن الفساد لا يبقى محصوراً في الظالم والمظلوم، بل يمتد أثره للمجتمع الإنساني بأكمله؛ ولهذا يقول الحق سبحانه وتعالى: {واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً واعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ}.
وإن من الأمور التي ينبغي أن يفهمها سلاطين الصهاينة وداعموهم أن تأخير العقوبة عنهم لا يعني سقوطها، ولهذا نبه القرآن العظيم فقال: {ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ}.
إن القرآن الكريم حين يعرض قصص هلاك الأمم الظالمة يربطه بأسباب أخلاقية واجتماعية واضحة: {وما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وأَهْلُها ظالِمُونَ}. ومن هنا، فإن المسلمين جميعاً وأحرار العالم في كل أصقاع الأرض مدعوون للوقوف في وجه الهجمة الصهيونية الاستكبارية، ورفض الحصار والعدوان الواقع على فلسطين ولبنان وإيران واليمن، والعمل على إيقاف هذا التغول الصهيوني والانسحاب كاملاً من الأراضي المحتلة؛ وإلا فإن الأمن الإقليمي والدولي سيدفع ثمناً باهظاً جراء سكوته وتواطؤه مع هذه الانتهاكات.
ويبقى الحفاظ على حقوق الإنسان وإقامة العدل أمر إلهي ولازم: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والْإِحْسانِ}، {وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}، {ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}. صدق الله العظيم.





.jpg)

.jpg)