الجمهورية اليمنية
الهيئة العامة للأوقاف والإرشاد
قطاع الإرشاد
الإدارة العامة للخطباء والمرشدين
--------------------------------
خطبة الجمعة الثانية من شهرِ رمضانَ 1447هـ
🎙️🎙️🎙️🎙️🎙️🎙️🎙️🎙️🎙️
العنوان: (وأوسطه مغفرة)
التاريخ: 10/9/1447هـ 27/2/2026م
الرقم: (36)
➖➖➖➖➖➖➖
🔹أولاً: نقاط الجمعة
1️⃣-نحن في ختام أيام الرحمة ومقبلون على أيام المغفرة وستمر سريعا وهي من العمر فلنحرص على استغلال ماتبقى من حياتنا حتى لانكون من الخاسرين.
2️⃣-لكي نحصل على المغفرة فإننا بحاجة إلى التوبةالنصوح والإنفاق في السراءوالضراء وكظم الغيظ والعفوعن الناس ليعفوالله عنا والإحسان والتخلص من حقوق الآخرين وإرجاعها لأصحابها وعدم الظلم في الميراث وإخراج الزكاة وعدم التحيل فيها وعدم أكل مال الوقف والحرص على الجهادفي سبيل الله.
3️⃣-في هذه الليالي المباركة نعيش مع علم الهدى على ضوء قصةموسى(ع) وفرعون التي فيهاالكثير من الدروس والعبر التي من أهمها أن الله ينصرالمستضعفين الواعين الذين يعملون على تغيير واقعهم وليس الانهزاميين الذين لايلتجئون إلى الله أو المتبعين للطغاة والمستكبرين.
4️⃣-سمعنا تصريحات الأمريكيين المستفزة والتي كان من آخرها تأييدالصهاينة على التوسع في المنطقة وهذا يحتم علينا أن نستعدللجولة القادمة من الصراع بالاعتصام بالله والتحرك مع أعلام الهدى لأن السنة الإلهية في إنقاذ المستضعفين تقتضي أن يكون الإنقاذ على يد أوليائه.
➖➖➖➖➖➖➖
🔹ثانياً: خطبة الجمعة
الخطبة الأولى
بِـسْـــمِ اللهِ الرَّحْـمَـنِ الرَّحِـيْـمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رب العالمين، القائل في كتابه الكريم: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}، والحمد لله الذي منَّ علينا بشهر الصيام والقرآن، والرحمة والغفران، والعتق من النيران، شهرُ شفاء القلوب وتزكية النفوس وتطهير الوجدان، شهرُ التوبة والقربات، والتخلص من الذنوب والسيئات، ومحو الأوزار والخطيئات، شهرُ التزكية والزكوات، ومحاسبة النفس ومراجعة الذات، وتأمل الأحداث وتدبر الآيات، شهر الخيرات والبركات والتأييد والانتصارات.
ونشهدُ أن لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وحده لا شريك له، الذي خلقنا لمسؤولية مؤكدة، وجعل لنا أعماراً لتحقيقها محدودة، وأياماً معدودة، وجعل لنا في دينه محطات تعيننا على تنفيذ ما وجهنا، وتبليغ ما حملنا، وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صلوات الله عليه وعلى آله الأطهار ما تعاقب الليل والنهار، ورضي الله عن أصحابه المنتجبين الأخيار.
أما بعد/ أيها الأخوة المؤمنون:
أوصيكم ونفسي أولاً بتقوى الله عز وجل القائل سبحانه: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ الله}، والقائل جل شأنه: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ}.
أيها المؤمنون:
هذا هو اليوم العاشر من رمضان آخر أيام الرحمة، وستدخل أيام المغفرة من يوم الغد إن شاء الله، وها أنتم ترون كيف تمضي أيام رمضان سريعاً، وكما مضى الثلث الأول منه ستمضي الباقيات، فالسعيد من اغتنم موسم البركات، وأقبل على الله بالعبادة والطاعات والقربات، فكما تمضي أيام شهر رمضان سيمضي العمر؛ فشهر رمضان هو صورة مصغرة للعمر، وما يعمله الإنسان في رمضان هو صورة مصغرة عن حياته؛ فمن أضاع فرصة رمضان فهو لغيره أضيع، ومن فرط في هذا الشهر فهو في بقية عمره أكثر تفريطاً والله المستعان.
أيها الأكارم:
إنّ شهر رمضان فرصة للتوبة والاستغفار من الخطايا فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه) (ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه) ونحن مقبلون على أيام المغفرة؛ فمن الضروري أن نغتنمها وأن نتوب فيها، وأن نستغفر من ذنوبنا، والله سبحانه يغفر لعباده طوال العام وفي أي وقت متى تابوا وأنابوا إليه، إلا أنّ هذه الأيام فيها زيادة رحمة، وفيها فرصة مضاعفة لقبول التوبة وغفران الذنوب، ولكنّ الرحمة في أوله والمغفرة في أوسطه والعتق في آخره ليس كحالة الطقس مثل البرد والحر والمطر يعم الجميع: من يريده ومن لا يريده، ومن يستحقه ومن لا يستحقه، وإنما الرحمة في أوله لمن أخذ بأسباب الرحمة كما قال سبحانه: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ}، وكما قال سبحانه: {إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ}.
وكذلك: (أوسطه مغفرة) ليس لكل من صام، فهناك صائمون ليس لهم من صيامهم إلا الجوع، ولكن المغفرة لمن أخذ بأسبابها التي وضحها الله في كتابه كما قال سبحانه: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى}، وقال سبحانه: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَّحِيماً}.
عباد الله:
لقد بيّن الله سبحانه أنه يتوب على الذين يتوبون من قريب قال تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً . وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}؛ ولذلك أمرنا الله سبحانه بأن نسارع إلى المغفرة والجنة مسارعة، وأن نسابق مسابقة كما قال سبحانه: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ}، {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} فالطلب للمغفرة يجب أن يكون فورياً وسريعاً وعاجلاً وطارئاً وجاداً ونصوحاً وصادقاً كما قال سبحانه: {تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً}، وعند ما أمر الله بالمسابقة والمسارعة إلى المغفرة والجنة؛ فهو لأن الموت قد يهجم على الإنسان فتنقطع توبته وتنتهي مهلته وينقطع عمله الصالح، أو لأن الفرصة قد تضيع عليه ولا تتكرر مثل شهر رمضان.
والمغفرة تحتاج إلى سعي وإلى أخذ بأسبابها التي ذكرها الله في كتابه، وفي مقدمتها: التوبة كما قال سبحانه: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ}، وليس المقصود مجرد توبة شكلية وإنما: {لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى}؛ فالمغفرة تكون لمن حوّل وضعه السلبي إلى وضعية إيجابية، ومن تحوّل من التفريط إلى الاهتمام والأداء للواجب والمسؤولية، ومن أسباب المغفرة والجنة: ما ذكره الله سبحانه من مواصفات المتقين الذين يستحقون غفران الذنوب عندما وصفهم بقوله: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء}؛ فالصدقة تطفي غضب الرب و(من مكفرات الذنوب العظام إغاثة الملهوف)، و(من أوجب المغفرة إدخالك السرور على قلب أخيك المسلم)، وما أفضل الصدقات عندما تكون في شهر رمضان: شهر المواساة والتراحم: (اتقوا النار ولو بشق تمرة)،.
ومن أسباب المغفرة: ما وصف الله به المتقين بقوله: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}، وهذه الصفات تجعل صاحبها أهلاً لأن يعامله الله بأكرم تعامل؛ فيعفو عنه كما يعفو عن الآخرين كما قال سبحانه: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، والمحسنون هم الذين يهتمون بأمر الآخرين، ويهتمون بأمر الدين، وهؤلاء هم طبقة راقية في سلوكها واهتمامها؛ تعيش لغيرها، وتحمل هموم غيرها، وتسعى لإعلاء كلمة الله سبحانه، ومن أسباب المغفرة ومواصفات مستحقيها ما ذكره الله سبحانه بقوله: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} فمن يريد الغفران لذنوبه حتى وإن كانت فواحش أو كبائر أو ظلماً للنفس؛ فإنه يجب عليه أن يبادر بالاستغفار والتوبة، وأن يذكر أنّ الله لا يعجزه غفران ذنبه، وألا ييأس كما قال سبحانه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً}، ولكن بدون اصرار كما قال سبحانه: {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}.
أيها المؤمنون:
إذا أردنا أن يكون أوسطه مغفرة؛ فيجب أن نستغفر وأن نتوب وأن نتخلص من حقوق المخلوقين، وإلا فلن يكون أوسطه مغفرةً ولا آخره عتقًا من النار، بل سيكون مصير المصرّين النار والخسارة والعياذ بالله، ولذلك يجب أن نحاسب أنفسنا، وأن نرد الحقوق إلى أهلها، وهناك من يصوم رمضان ويقرأ القرآن ويقرأ سورة النساء التي ذكر الله فيها ميراث النساء، ومع ذلك لا تحصل الكثير من النساء على ميراثها بسبب ظلم إخوتهن، وإذا قسم الميراث فهناك حيلة عليهن، ولا تعطى النساء الميراث إلا في النادر، وإذا أعطيت فبعد سنوات من الاستغلال للتِركة، وإن أُعطيت حصتها تم ظلمها في غلول الثمار بعد القسمة، وكم هناك من نساء لا تحصل في الدنيا على مال إلا المهر في العرس والعسب في العيد، ومن يظلم أخته أو عمته فلا ينتظر المغفرة في رمضان ولا
غيره، بل عليه أن ينتظر العذاب كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من حرم وارثاً إرثه حرم الله عليه رائحة الجنة)، وإذا أردنا المغفرة لذنوبنا فعلينا أن نخرج زكاة أموالنا طيبة بها نفوسنا بدون أخذ ورد، وبدون إلحاح ومطالبة فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (مانع الزكاة وآكل الرباء حرباي في الدنيا والآخرة) فهل سيغفر الله لمن يحاربه، وقد جعل الله منع الزكاة من صفات المشركين كما قال سبحانه: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ . الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ}.
أما المؤمنون فهم حريصون على إقامة فريضة الزكاة التي هي ثالث ركن من أركان الإسلام، ولا سيما في هذه الظروف الصعبة التي يجب أن ينفق فيها الإنسان من رأس ماله وليس أن يخرج زكاة ماله فقط، والهيئة العامة للزكاة هي همزة الوصل بينكم وبين المساكين، وكذلك إذا أردنا المغفرة لذنوبنا: فيجب أن نرد حقوق المخلوقين وحقوق الله كحقوق الأوقاف التي يأكلها الكثير، ويتحيلون عليها، ويبخسون غلولها، ويماطلون في تسديد مستحقاتها حتى كأنّ الواحد سينتزع منهم أرواحهم وكأنها ليست حقوق الله وحقوق بيوته من المساجد، وكذلك إذا أردنا غفران ذنوبنا: فيجب أن نصل أرحامنا: (فمن وصل رحمه وصله الله ومن قطع رحمه قطعه الله)، {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ}، ومن المهم الاهتمام ببر الوالدين أحياء وميتين؛ فإن كانوا على قيد الحياة فهذه فرصة نغتنمها؛ فإنّ الوالدين نعمة وبركة، وسيعاملك أولادك مثل ما عاملت والديك: (بروا آباءكم يبركم أبناؤكم)، وإن كانوا قد ماتوا فبرّ الوالدين يكون بإبراء ذمتهم، وتنفيذ وصيتهم، وقراءة القرآن إلى أرواحهم، والدعاء والاستغفار لهم، والصلة لمن كانوا أصدقاء لهم.
ومن أعظم أسباب المغفرة: الجهاد في سبيل الله، قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}.
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}.
باركَ الله لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفعنا بما فيهِ من الآياتِ والذكرِ الحكيم، إنّه تعالى جوادٌ برٌ رؤوفٌ رحيم، أقولُ قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيم لي ولكم ولكافةِ المؤمنينَ والمؤمناتِ فاستغفروه إنه هو الغفورُ الرحيم.
الخطبة الثانية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله رب العالمين، ونشهدُ أن لا إله إلاّ الله وحدَه لا شريك له، ونشهد أنَّ سيدَنا محمداً عبدُه ورسولُه، صلى الله عليه وعلى آله الطاهرينَ، ورَضِيَ اللهُ عنْ أصحابهِ المنتجبين.
أما بعد/ أيها الأخوة المؤمنون:
هذه الليالي المباركة نعيشها مع علَم الهدى ومع قصة من أهم القصص القرآني التي تكررت للعظة والعبرة التي نحتاجها اليوم ونحن نعيش نفس الاستضعاف، ويعيش اليهود طغياناً وعلواً أكبر من علو فرعون الذي قال الله عنه: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْض}، وقال عن اليهود: {لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً}، وأمام هذا الاستضعاف وذلك الاستكبار هناك إرادة فعلية لله سبحانه في خلاص المستضعفين وإهلاك الطغاة المستكبرين في كل الأزمنة وفق سنة الله في تدبير شؤون عباده؛ لنعرف كيف هي سنة الله في الخلاص من الواقع المظلم؛ لأن البعض يظن ويعتقد أنّ التغيير والفرج سيأتي هكذا فجأة بدون مقدمات، أو بمجرد الدعاء بدون تضحيات وبدون تحرك وبدون أسباب، على الرغم من أننا نقرأ قوله سبحانه: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} فالله سبحانه عندما يريد أن يخلص عباده من حالة الظلم والاضطهاد؛ فإنه يصطفي لهم من أنبيائه وأوليائه من يهديهم ومن يقودهم ومن يتحرك بهم، فعندما اضطهد جالوت الناس أرسل الله طالوت ليقود الناس، وعندما طغى فرعون أرسل الله موسى عليه السلام بعد أن أعدّه إعداداً كما قال سبحانه: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي}، {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}، وهذا يجعلنا نفهم كيف هي سنة الله في إنقاذ عباده؛ لنتحرك مع المصلحين من عباده والقادة إلى سبيله وأعلام دينه الذين يتحركون بنا لإنقاذ الأمة من وضعيتها، والذين يحملون الأمل بنصرة الدين وتغيير الوضع المعقد بين الأمة اليائسة
المحبطة المستسلمة التي ترى الأفق أمامها مسدوداً والأبواب أمامها مغلقة، بينما القادة الربانيون يرون أنّ حالة الاستضعاف إذا تحرك المستضعفون فيها؛ فإنهم على موعد من الله بالنصر والتمكين كما قال سبحانه: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ}، وهذه الإرادة ليست لمرة واحدة في الحياة، ولكنها سنة إلهية ثابتة لكل المستضعفين الواعين، والخطورة هي في المستضعفين السلبيين الانهزاميين الذين حكى الله أنّ مصيرهم إلى جهنم كما قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً}، أو المستضعفين التابعين للمجرمين فمصيرهم أسوء: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ النَّارِ}، أما المستضعفون الموعودون بالنصر فهم الذين يستجيبون لله ويتحركون مع القادة الربانيين من أولياء الله لمواجهة أعداء الله ويثقون بوعود الله وبقوة الله وقدرته ونصره، وأنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}، {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً}.
عباد الله الأكارم:
نحن في هذا الزمن نواجه أكبر طاغوت على وجه الأرض وعلى مرّ التاريخ، وهم اليهود الصهاينة بأذرعهم الشيطانية: أمريكا وإسرائيل والغرب الكافر والذين ظهرت وحشيتهم وإجرامهم في غزة وفلسطين، ومن قبلها في العراق وليبيا وسوريا والسودان وأفغانستان واليمن وغيرها، وظهرت فضائحهم وسلوكهم الشاذ والشيطاني في ملفات جزيرة إبستين؛ وكلّ ذلك يؤكد أنّ الصراع اليوم هو صراع بين المشروع القرآني والمشروع الشيطاني، وقد تلاشت كل العناوين والمشاريع، ولم يعد في الساحة من يواجه تلك المخططات والمشاريع إلا مشروع الإسلام ومشروع القرآن، ولم نعد نسمع لا بالحركات القومية ولا بالاشتراكية ولا البعثية والناصرية وغيرها؛ فالبعض تلاشى والبعض ذاب في بوتقة العولمة ودار في فلك الأمركة، وهذه سنة الله؛ لأنه لن يقضي على باطل الكفر إلا حق الإيمان، ولن يزهق الباطل إلا بأس الحق: {وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً}.
أيها المؤمنون:
سمعنا تصريحات أحد المسؤولين الأمريكيين بأنه إذا خُيِّر بين المسلمين والكلاب فسيختار الكلاب، وسمعنا تصريحات السفير الأمريكي في الكيان المؤقت بأنّ من حق إسرائيل السيطرة على البلدان العربية، والتوسع لتحقيق أطماعهم التوسعية في إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات كما يزعمون وما يسمونه بالشرق الأوسط الجديد، وشاهدنا استقبال وزير خارجية السعودية ووزير خارجية الإمارات لحاخام صهيوني وهو مبعوث أمريكي من أجل مناقشة الإجراءات المتخذة لمنع معاداة السامية وتعزيز التسامح مع اليهود، في الوقت الذي يرتكبون أبشع الجرائم في غزة ولبنان، وبعد كل ما فعلوه فيها طيلة عامين ومنذ بدء الاحتلال، وما يفعلونه من اقتحامات للمسجد الأقصى وتقييد حرية الدخول للصلاة فيه، وكل هذه الوقائع تؤكد أنّ الصراع حتمي، وأنّ الجولة القادمة آتية لا محالة، وأنّ الأمة في أمسّ الحاجة لأن تهتدي بكتاب ربها وأعلام دينها لتخرج من وضعها كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (لقد تركت فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي إنّ اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليا الحوض) وكما تغيرت أحوال المستضعفين عندما نهضوا بواجباتهم ومسؤولياتهم وأصبحوا هم الوارثين؛ فإنّ بإمكان الأمة أن تغير وضعيتها إن عادت إلى كتاب ربها المهيمن الذي ستهيمن به على كل الدنيا كما سماه: {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ}، وهو كتاب الله المهيمن فعندما تثق الأمة به وتسير على هداه فسيجعلها تهيمن وتملأ الدنيا إسلاماً وسلاماً وهدىً وخيرًا، ولن يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وقد صلح أولها بالرسول والقرآن والجهاد، واليوم: القرآن موجود، ووريث الرسول من أعلام الهدى موجود، وراية الجهاد عالية خفاقة، وهذه نعمة من الله وحجة على كل المسلمين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}.
أيها الإخوة المؤمنون:
إنَّ من شكرِ النعمةِ استثمارَ أصغرِ عطاياها، وانظروا إلى (نواة التمر) التي نستهلكها بكثرة في شهر رمضان؛ قد يراها البعضُ شيئاً لا يُذكر، وهي في الحقيقة مشروعُ أمة، ونواةُ ثروة.
عباد الله:
لا تجعلوا هذه النوى تذهبُ هباءً في النفايات، بل اجعلوها بذوراً للنماء؛ خذوا هذه النوى واغرسوها في أوعيةٍ بسيطة من مخلفات البلاستيك في بيوتكم، تعهَّدوها بالسقيا، وعلِّموا أبناءكم فضلَ غرسها.
تأملوا يا عباد الله:
لو زرع كلُّ واحدٍ منا في هذا البلدِ المبارك ثلاثَ نوىً فقط في هذا الشهر الفضيل، لغرسنا عشراتِ الملايين من النخيل في عامٍ واحد، ولتحولنا بفضل الله من الاستيراد إلى الاكتفاء، ومن الحاجة إلى التصدير. إنها عبادةٌ نتقرب بها إلى الله، وعملٌ وطنيٌ جليل يحقق أمننا الغذائي، ويصنع مستقبلاً عزيزاً لأجيالنا، فمَن زرعَ نخلةً فقد غرسَ صدقةً جاريةً، ولبنةً في بناءِ عزةِ وطنه."
عباد الله:
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} اللهم فصلِ وسلم على سيدنا محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم، وعلى أخيه الإمام علي، وعلى فاطمة البتول الزهراء، وعلى ولديهما الحسن والحسين، وعلى جميع آل رسول الله، وارض اللهم برضاك عن صحابة نبينا الأخيار من المهاجرين والأنصار.
اَللَّهُمَّ إنك أذِنْتَ لنا في دُعائِكَ وَمَسْألَتِكَ فَاسْمَعْ يا سَميعُ مِدْحَتِنا، وَأَجِبْ يا رَحيمُ دَعْوَتنا، وَأَقِلْ يا غَفُورُ عَثْرَتنا، فَكمْ يا إِلَهنا مِنْ كُرْبَةٍ قَدْ فَرَّجْتَهَا، وَهُمُومٍ قَدْ كَشَفْتَها، وَعَثْرَةٍ قَد أَقلْتَها، وَرَحمةٍ قَدْ نَشَرْتَها، وَحَلْقَةِ بَلاءٍ قَدْ فَكَكْتَها.
{رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} وانصرنا على أمريكا وإسرائيل وآل سعود وعملائهم من المنافقين فإنهم لا يعجزونك، {رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} واجعلنا من عُتقائك وطُلقائك من النار في هذا الشهر الكريم، اللهم وامحق ذنوبنا مع امّحاق هلاله، واسلخ عنا تبعاتنا مع انسلاخ أيامه حتى ينقضي عنا وقد صفيتنا فيه من الخطيئات، وأخلصتنا فيه من السيئات، وأعنّا في نهار شهر رمضان على صيامه، وفي ليله على الصلاة والتضرع إليك والخشوع لك والذلة بين يديك حتى لا يشهد نهاره علينا بغفلة، ولا ليله بتفريط.
عباد الله:
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}.
➖➖➖➖➖➖➖
📝 صـادر عـن الإدارة العامــة للخطباء والمرشدين بديـوان عــام الهيئة.
--------

