عبدالحليم حافظ سلامه
في ألفين وستة، وأنا ما زلت طفلًا في الخامسة من عمري، كنت جالسًا بجانب أبي نطالع الشاشة الصغيرة. الشوارع تهتف، والتلفزيون يزف خبر انتصار لبنان.
فجأة ظهر رجل بلحية بيضاء وابتسامة تملأ الوجن هيبة وفرحة، يرفع يده بثبات كأنه يصافح الغيم. لويت طرف ثوب أبي وسألته بفضول الأطفال: «يا أبه، منو هذا اللي بيضحك والناس كلهم بيحيوه؟». ضمّني أبي ونظر إلى الشاشة بعيون تبرق فخرًا وقال: «هذا السيد حسن يا بني.. هذا الصادق الذي علّم الدنيا كيف يدحر الخوف، ورجال المقاومة اللي كسروا عين أعتى قوة».
من تلك اللحظة، كبرت عيني على الشاشة، أتتبع كلماته ونبرة صوته التي تنزل على قلوبنا سكينة، وعلى الأعداء رعبًا، حتى جاء اليوم الذي اهتزت له الأرض.. يوم إعلان استشهاده.
كنا نطالع الشاشة أنا وأبي، والدموع تغرق عيوننا، والحزن يعصر القلوب. نظر إليّ أبي ودمعته تسيل على لحيته، لكن صوته كان مليئًا بالشموخ، وقال: «يا بني، السيد ترك لنا وصية الخلود يوم قال: نحن إذا انتصرنا ننتصر، وإذا استشهدنا ننتصر».
وقال: «من أعظم نكبات الأمة أن تفقد عظماءها، لكن الشجرة المثمرة لا تموت.. والنصر الأكبر ينبت دائمًا من دم القائد».
أكد لي أبي أن هذه المسيرة لن تتوقف، وبعد أيام معدودة، أُعلن استشهاد القائد صفي الدين، فلم يهن أبي ولم يضعف، بل رفع رأسه وقال بثقة مؤمن: «الحمد لله الذي جعلنا نتولى قادةً في مقدمة الصفوف، يستشهدون وهم مقبلون غير مدبرين. هذه الدماء الزكية، دماء السيد ودماء الغماري وكل شهداء حكومتنا ومقاومتنا، لن تذهب سدى.. ستتحول إلى تسونامي هادر يجرف الكيان الصهيوني من جذوره».
هذه الدماء هي الماء الطاهر الذي يروي شجرة الحرية، والهدف الأكبر ليس مجرد رد الصاع، بل فتح الأقصى وتطهير المقدسات.
رحل السيد بجسده، لكنه ترك في نفوسنا عقيدة لا تتزلزل، وأيقنا أن طريق فلسطين معمد بالشهداء، وأن صلاة النصر في الأقصى باتت أقرب من أي وقت مضى.





.jpg)

