صالح سعد الشاوش
لم تعد صنعاء اليوم كما كانت بالأمس، فسنوات الحرب والحصار والمواجهة مع السعودية والقوى الموالية لها لم تنجح في إخضاع اليمن، فقد أسهمت في صناعة واقع جديد فرض نفسه على المشهد الإقليمي.
فصنعاء اليوم تقف وهي تمتلك قدرات سياسية وعسكرية متراكمة، ومنظومة ردع تطورت بصورة كبيرة خلال سنوات المواجهة، وفي مقدمتها الصواريخ والطائرات المسيّرة، بما جعلها طرفًا حاضرًا بقوة في معادلات المنطقة، وليس طرفًا يمكن تجاوزه أو التعامل معه بمنطق السنوات الأولى للحرب.
لقد راهنت السعودية طوال سنوات على الحصار والضغط العسكري، وعلى تحشيد مرتزقتها وأذنابها لإعادة فرض معادلاتها في اليمن، لكن صنعاء تؤكد اليوم أن زمن فرض الشروط من طرف واحد قد انتهى، وأن استمرار الحصار على الشعب اليمني لن يعني بقاء اليمن متفرجًا على معاناته.
ومن هنا برزت معادلة الحصار بالحصار، والتصعيد بالتصعيد؛ وهي معادلة تقول إن استمرار الضغط على اليمن ستكون له تبعات، وإن أي محاولة لفتح جبهة جديدة أو إعادة تحشيد القوات الموالية للسعودية ستدخل ضمن حسابات الرد والردع.
أما الضربات الأخيرة التي استهدفت معسكرات وتجمعات وتحشيدات الضباط السعوديين ومرتزقتهم في مارب وحضرموت وآخرها كان ولن يكون الأخير في المخاء، فقد حملت دلالات تتجاوز طبيعة الأهداف نفسها؛ إذ إن الوصول إلى مواقع التحشيد والاستعداد قبل اكتمالها يكشف عن مستوى عالٍ من الرصد والمتابعة واليقظة، ويؤكد أن المعركة اليوم ووسائلها ليست كما كانت بالأمس.
فصنعاء لم تعد تنتظر وصول الخطر إلى مراحله المتقدمة حتى تتحرك، وإنما أصبحت تعتمد على منظومة متطورة من الرصد والاستطلاع وجمع المعلومات، بما يسمح لها بالتعامل مع التحركات العسكرية في وقت مبكر، وهو ما يجعل أي محاولة لإعادة إنتاج سيناريوهات الحرب السابقة أكثر تعقيدًا وكلفة.
وما قد لا تدركه السعودية والعالم حتى الآن هو أن سنوات المواجهة لم تكن بالنسبة للقوات المسلحة اليمنية مجرد سنوات حرب، فقد كانت أيضًا سنوات إعداد وتطوير وتراكم للخبرات والقدرات.
ولذلك فإن أي مواجهة قادمة قد تكشف عن قدرات ووسائل جرى إعدادها وتطويرها على مدى سنوات، وقد تفرض واقعًا ميدانيًّا مختلفًا وتعيد رسم كثير من حسابات المعركة وموازينها.
فالمفاجأة، في أي مواجهة، لا تكون بما ظهر سابقًا فقط، وإنما بما ظل بعيدًا عن الأنظار حتى اللحظة المناسبة.
وفي ظل الحديث عن الاتفاقات والتفاهمات التي تعمل السعودية على بنائها مع أطراف إقليمية، فإن صنعاء، وفق خطابها المعلن، لا تنظر إلى هذه الاتفاقات باعتبارها قادرة وحدها على تغيير معادلة الصراع؛ فالميدان له حساباته، وأي طرف يقرر الانخراط في مواجهة مباشرة ضد اليمن سيكون أمام واقع مختلف وسوف يتورط ورطة كبيرة مع صنعاء، وما كان ضرب أرامكو بجيزان فجر اليوم إلا رسالة واضحة للسعودية ومن معها في الدفاع المشترك النحيل.
وكما أن توسيع دائرة التحالفات العسكرية لا يعني بالضرورة حسم المعركة، فقد يؤدي إلى توسيع دائرة المواجهة ورفع كلفتها على جميع الأطراف.
وصنعاء التي أمضت سنوات في الاستعداد لمختلف الاحتمالات تقول إنها تمتلك أوراق قوة متعددة، وأنها لن تتعامل مع أي تصعيد باعتباره جزءًا من معادلة أشمل.
لقد تغير اليمن كثيرًا خلال سنوات الحرب، واليمن الذي دخل المواجهة بإمكانات محدودة ليس هو اليمن الذي يقف اليوم أمام الإقليم، كما أن صنعاء التي راهنت أطراف عديدة على عزلها وإضعافها أصبحت تمتلك قدرات تجعل تجاهلها أو محاولة إخضاعها بالقوة أمرًا بالغ التعقيد.
إن الرسالة التي تفرض نفسها اليوم هي أن استمرار الحصار والحرب لن يعيد المنطقة إلى ما قبل سنوات المواجهة، وأن أية محاولة لإعادة فرض المعادلات القديمة ستصطدم بواقع جديد صنعته سنوات الحرب نفسها.
لقد تغيرت المعادلة، وصنعاء اليوم ليست صنعاء الأمس؛ ومن يراهن على عودة اليمن إلى مربع الضعف السابق، فعليه أن يعيد حساباته جيدًا.
والعاقبة للمتقين.






.jpg)
