عبد القوي السباعي
أهلاً بكم في العرض الإقليمي المموّل، حيث قُرعت الطبول وصُدحت الأبواق لتعلن عن مولودٍ جديد في عالم التحالفات، "اتفاقية مكة للدفاع المشترك"؛ تحالفٌ ثلاثي يجمع المال والسحر السعودي، مع العضلات والصناعة التركية، مُطعمًّا بالترسانة النووية والجيش الباكستاني؛ مشهدٌ سينمائي فاخر يُشبه أفلام "المنتقمون" في "هوليود" الأمريكية، لكن مع تفصيلٍ صغير وغريب جدًا.. من هو العدوّ بالضبط؟
يبدو أن هذا التحالف المذهل شُيّد على قاعدة المثل اليمني القائل: "ما بدا.. بدينا عليه"؛ إلا إذا كان مجرد "خطة ب" مذعورة لمرحلةٍ ما بعد حزم أمريكا لحقائبها ورحيلها من المنطقة، بعد استبدال تواجدها بهذا الحلف، وغلفته ببروازٍ مذهبي طائفي، وكتبت خلف المنتج مضبوط على الطريقة الوهابية الإخونجية.
لنقول: هذا ربما للمواجهة مع إيران بدلاً عن الأمريكي والصهيوني؟ وهذا حديث العاقل بما لا يُعقل؛ فتركيا وباكستان اللتان امتنعتا عن دخول الحرب العدوانية، حتى عندما كانت أمريكا بقضها وقضيضها تقود المشهد، لن تخاطرا بظفرهما من أجل السعودية وأمريكا، ولا حتى السعودية التي تحاشى مكرها الخوض المباشر في أتون محرقة التأديب الإيرانية أصلاً.
هاتان الدولتان تمارسان الآن دور مهندس "حمائم السلام"، والوسيط بين واشنطن وطهران، وبين طهران ودول الخليج، وتعرفان جيدًا أن المساس بإيران يعني اشتعال أمنهما من الداخل، وسيترتب عليه تداعيات كارثية على مستقبلهما.
إذن.. مع اليمن؟ أيضًا هذه نكتة أخرى؛ فباكستان التي رفعت شعار "الحياد أجمل" عام 2015م، ورفضت المشاركة في التحالف السعودي، لن تأتي بعد 12 عامًا لتجرب المجرب بعد أن ثبت للجميع أن استعراض القوة العسكرية في مقابل اليمن، لم يجلب سوى الخسران والهزيمة.
وبما أن هذا التحالف أبصر النور وسط مطر مسيّرات وصواريخ القوات المسلحة اليمنية، على أعشاش الدبابير السعودية في مأرب وحضرموت وجنوب المملكة والحصار البحري؛ فالسؤال الحقيقي هُنا: هل ستشمّر تركيا وباكستان عن ساعديهما للقتال بدلاً عن السعودية، أم أنهما ستحملان حقائب الدبلوماسية لفتح باب التفاوض حول مطالب إنها العدوان ورفع الحصار؟
واللافت وسط هذه المعمعة يظهر العدو الإسرائيلي، الغائب الأكبر، يسرح ويمرح في غزة والضفة ولبنان وسوريا، وهذا ما يريده هو والأمريكي، ويجلس في قلب المجال الاستراتيجي لهذا التحالف العتيد؛ فلو ملك هذا الحلف ذرة شجاعة لقام بردعه وأنتصر لمظلومية غزة، وكنّا ألبسناه عباءة البطولة وشاطر إيران ومحور الجهاد والمقاومة فخر مواجهة العدو الحقيقي للأمة، ولحسب الجميع له ألف حساب.
لكن الواقع يقول غير ذلك؛ فإذا استمر هذا الحلف في تجاهل وجود العدو الإسرائيلي؛ فلن يكون أكثر من حبوب مهدئة ومسكنة ومجرد استعداد ذليل لزمن الانكفاء الأمريكي، بلا عقيدة ولا منطق، مجرد مسرح للعرائس والدُّمى الإقليمية، تنظر إلى باب المندب ومضيق هرمز، في مزاد الانتظار، والمسودة الإيرانية-العُمانية جاهزة، لكن المضيق مغلق بالترباس، وما يزال المفتاح في حوزة طهران، وفي انتظار نزول العم سام من الشجرة.
تحالف واجتماعات ولقاءات، ومسرحية بلا نص ولا ثمر، انتهت كما هي العادة بلا بيان واضح، بلا أفق، وبلا رؤية، والمضحك أن كل وسائل الإعلام التابعة لهم تصف هذا التحالف بـ"المثمر تقنيّاً"، غير أنها لم تستطع تسمية ثمرة واحدة، لأن الرد الحقيقي جاء طازجًا من الميدان، وعلى البريد السريع "من طلب الجن ركضوه"، والحليم تكفيه الإشارة.

.jpg)





