صدام حسين عمير
تُمثل الحرب السعودية على اليمن تجسيدًا صارخًا لأوهام هيمنة تاريخية سعت لإخضاع بلد عريق ومستقل ليكون بلدًا مستعمرًا، غير أن المفارقة التاريخية الكبرى تكمن في أن العدو السعودي، وهو يسعى جاهدًا للعب دور المحتل والمستعمر لليمن، لم يكن سوى أداة خاضعة وتابعة بالكامل للهيمنة والقرار الأمريكي، ينفذ توجيهاتها ويدور في فلكها.
غير أن سنوات الصمود الأسطوري والمواجهة الباسلة أسقطت تلك الأوهام تباعًا، لتقلب المعادلة العسكرية والسياسية رأسًا على عقب، وتحول العدو السعودي من موقع الطامح المستبد إلى موقع المستجدي للحماية والأمان.
ولقد تجلت الخطيئة الكبرى للعدو السعودي منذ البداية في قراءته المشوهة والخاطئة للتاريخ والواقع اليمني؛ إذ لم يستند في تقديراته إلى قراءة موضوعية لطبيعة الشعب اليمني، بل قرأ اليمن من نافذة ضيقة ومزيفة اسمها "مرتزقة اللجنة الخاصة"، واعتمدت الدوائر الاستخباراتية والسياسية في الرياض لسنوات طوال على تقارير كشوفات الراتب وولاءات المنتفعين وأولئك الذين باعوا أنفسهم وأوطانهم، متخذةً إياهم مرآةً كاذبة يرى فيها النظام السعودي الواقع اليمني.
وقد غاب عن حسابات المعتدي أن الخائن والتابع لا يرى سوى مصالحه الضيقة، وأن طبيعة العمالة تقتضي تجميل صورة الاستسلام للغريب وإقناعه بأن الأوطان والشعوب مجرد سلع قابلة للشراء.
وعلى هذا الأساس الوهمي، انساقت القيادة السعودية وراء رهانات خاسرة، متصورة أن فارق الإمكانات والتفوق التسليحي كفيل بحسم المعركة في أسابيع معدودة، وتحويل اليمن إلى تابع يدور في فلك القرار السعودي، وغاب عن حساب المعتدي أن الجغرافيا اليمنية والتاريخ الجهادي والوطني لرجالها شكلا على الدوام مقبرة لكل الغزاة والطامعين، وأن إرادة الشعوب الحرة لا تقهرها أحدث طائرات الغرب ولا مليارات النفط.
وعلى الأرض، تحطمت أحلام الرياض على صخرة الثبات اليمني الحقيقي؛ فقد أثبت استبسال أبطال القوات المسلحة وأبناء الشعب اليمني الأحرار، الذين لا توجد أسماؤهم في كشوفات العمالة، إلى جانب التطور المتصاعد للقدرات العسكرية والردعية، أن معادلات الصراع قد تغيرت جذريًّا.
ولم تقتصر المفاجآت على التصدي للعدوان فحسب، وإنما امتدت لتطال العمق الحيوي والاقتصادي للمعتدي عبر الضربات الموجعة التي كشفت هشاشة المنظومات الدفاعية السعودية، وأمام هذا الواقع الميداني، أدرك العدو السعودي أن مغامرته تحولت تدريجيًا إلى استنزافٍ مميت وتهديد وجودي حقيقي لأمنه الداخلي واستقراره.
واليوم، يتجسد المشهد بانقلاب تام في الأدوار والمواقف؛ فالنظام الذي دخل الحرب متغطرسًا ومستندًا إلى سيده الأمريكي، يهرول اليوم خلف الوسطاء باحثاً عن مخرج يحفظ له ما تبقى من ماء الوجه، بل وتطور الأمر ليصل إلى حد استجداء الحماية الإقليمية والدولية لوقف نزيف الخسائر والعجز المتواصل عن حماية مطاراته وبقية منشآته الحيوية، إنها المفارقة المذلة؛ حيث تحول الطامح بالهيمنة والوصاية، المُغتر بقوته وماله وخضوعه المطلق لسيده الأمريكي، إلى مستجدٍ يبحث عن مظلة أمان تحميه من سوء أفعاله.
لقد أثبتت سنوات الصمود بما لا يدع مجالاً للشك أن الأوطان لا تُشترى بالمال، وأن الشعوب الحرة لا تنكسر بطائرات العدوان، وقد سقطت المملكة في فخ أوهامها لأنها نظرت إلى اليمن عبر مرتزقة اللجنة الخاصة، لتصحو اليوم على حقيقة مرعبة مفادها أن صخرة الصمود اليمني أصلب من أن تُخترق، وأن معادلات الردع الجديد لا ترحم العابثين.
وها هو المعتدي بالأمس، الذي ظن أنه قادر على ابتلاع الأرض اليمنية وتدنيس سيادتها، يجر أذيال الخيبة مستنجدًا للأمن والحماية، ومقتنعًا أن اليمن كان وسيظل مقبرة للطامعين، وحصنًا منيعًا لا يلين، وعصيًّا على كل قوى الاستعمار والعمالة والارتزاق.

.png)




.png)
