أحمد المتوكل
بعيدًا عن النفاق السياسي والمجاملات والمصالح الضيقة، وبعيدًا عن الأوهام والكذب والخداع والتضليل، أقولها وأفجرّها للعلن بكل صراحة وشفافية ووضوح، وليعلم القاصي والداني، ومن به صَمَمٌ، ومَن أعمت الأموال عيونَه فأصبح مرتزِقًا ومرتهنًا للخارج، أن
السعوديّة هي العدوّ التاريخي للشعب اليمني، ولن تحيد عن دورها العدائي لليمن.
جاءت الوساطة العُمانية بعد أن قامت القوات المسلحة اليمنية بضرب المنشآت النفطية السعوديّة في بقيق وخريص، ردًا على المجازر التي ارتكبها تحالف العدوان السعوديّ الإماراتي الأمريكي، وعلى قصف البُنى التحتية واستمرار حصارهم للشعب اليمني، مما تسبب في زلزال هزَّ اقتصاد العالم، ووصل صداه إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها.
قبلت صنعاء الوساطة نظرًا لحسن الجوار بينهما، واستجابة لقوله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ}، خُصُوصًا مع ادِّعاء السعوديّة بأنها تريد السلام، وتريد أن تخرج من هذا المأزق الذي هو نتاج ضغوط أمريكية، وأنه ليس من مصلحتها الاستمرار في العدوان، وقامت بالتوقيع على خارطة الطريق.
لم تبحث السعوديّة عن السلام وتدّعيه وتخضعُ للوساطة العُمانية بعد المجزرة التي ارتكبتها في بني حوات في العاصمة صنعاء، والتي راح ضحيتها أكثر من ثلاثين شهيدًا، جلُّهم نساء وأطفال، ولا بعد ارتكابها مجزرة بحق العزاء الذي كان في الصالة الكبرى في العاصمة صنعاء، والتي راح ضحيتها أكثر من 500 بين شهيد وجريح، ولا بعد قصفها لباص أطفال ضحيان في صعدة، ولا بعد قصفها لمحطات الكهرباء وخزانات وآبار المياه والمصانع والمدارس والمساجد والمستشفيات والمراكز الصحية والمؤسّسات الحكومية والطرقات والجسور... إلخ!
لم تخضع السعوديّةُ للسلام بعد أكثر من 274 ألف غارة على اليمن، ولم تكن تسمع صرخات النساء والأطفال الجرحى، ولم تكن تسمع معاناة الشعب اليمني، يوم كنا لا نملك سلاح الردع، وكان الشعب يصرخ وهو ينتشل أشلاء الأطفال من تحت الأنقاض: "يا عالم، يا مسلمين! ما ذنب هؤلاء الأطفال؟!".
كانت الأُمهات يصرخن ويبكين بدل الدموع دمًا على أطفالهن الذين قُتلوا بصواريخ طائرات السعوديّة والإمارات.
كنا نُقصف ليلًا ونهارًا، ونصرخ، ولا أحد يسمعنا أَو يقف معنا، إلا شخصٌ واحد وقف وخرج وقال كلمة الحق، وكان ذلك الموقف سببًا في دفع السعوديّة المليارات لأمريكا وكيان الاحتلال لاغتياله.
نعم، ومن غيره، إنه شهيد الأُمَّــة، الشهيد القائد السيد حسن نصر الله -رضوان الله عليه وقدس الله سره-، وقف مع الشعب اليمني بكل ما يستطيع، ولم نرَ من بقية الحكومات العربية إلا الخذلان، بل والوقوف مع المعتدي المجرم مرتكب المجازر.
خضوع السعوديّة للسلام جاء بعد توجعها، وبعد أن أصبحنا -بفضل الله- نمتلك أسلحة الردع.
لكن ما الذي تحقّق بعد ذلك الخضوع الكاذب والمراوغ للسلام من قِبَل العدوّ السعوديّ، غير استمرار العدوان والحصار بأشكال مختلفة، وتحقيقه لأهداف لم يستطع تحقيقها في الحرب؟!
استمر في الحصار والتحريض والتشويه والحشد، وترتيب صفوف مرتزِقته، وتجنيد الجواسيس والعملاء والخونة، وربطهم بغرفة عمليات واحدة داخل الأراضي السعوديّة يديرها الأمريكي والإسرائيلي والسعوديّ، وكانت النتيجة استشهاد رئيس حكومة التغيير والبناء، وعددٍ من الوزراء، ورئيس هيئة الأركان العامة، وأكثر من ثلاثين إعلاميًّا، والكثير من خيرة رجال البلد، بقصفٍ من الطائرات الإسرائيلية، بناءً على المعلومات التي مدَّهم بها الجواسيس الذين جندوا من قِبَل السعوديّة!
وكأن السعوديّة لم تستسلم، ولم تخضع، ولم تُسارِعْ للبحث عن السلام ليسلم لها نفطَها، لكن عندما يأتي الرد اليمني، ويخرج عن صمته، ويبدأ في كسر الحصار، وتحرير كُـلّ شبر من أراضي البلد، ويسترد جميع حقوقه، سوف تعيد المراوغة مرة أُخرى، والتظاهر بالسلام لاستهدافنا مرة أُخرى، كالطلقاء الذين أسلموا خوفًا من السيف، ثم عادوا لمحاربة الإسلام.
ما حصل مع الجمهورية الإسلامية في إيران هو الأمر ذاته؛ فلم تأتِ الوساطة الباكستانية والقطرية بعد أن اغتالَ كيانُ الاحتلال الإمامَ القائد علي الحسيني الخامنئي -رضوان الله عليه-، ولا بعد اغتيال قادتها، ولا بعد مجزرة مدرسة الأطفال، ولا بعد قصف البنية التحتية الإيرانية، فقد جاءت الوساطة بعد الموجة الصاروخية الإيرانية المئة، وبعد أن أمطرت العدوّ الإسرائيلي والقواعد الأمريكية بالصواريخ، وبعد أن استهدفت جميع منظوماتهم الدفاعية التسع، وأصبحوا مكشوفين أمام الصواريخ الإيرانية.
وعندما أصبحت الهزيمة المدوية لأمريكا وكيان الاحتلال قاب قوسين أَو أدنى، أوعزت أمريكا وكيان الاحتلال لباكستان بالتدخل والوساطة؛ لكي يكسبا الوقت بعد فشلهما في الحرب، ويعيدا تموضعهما، وإصلاح منظوماتهما الدفاعية، وترتيب صفوفهما، وتجنيد الجواسيس، وتجهيز وإنتاج الأسلحة الكافية للانقضاض على إيران مرة أُخرى.
قال تعالى: (وَلَا یَزَالُونَ یُقَـٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ یَرُدُّوكُمۡ عَن دِینِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَـٰعُوا۟).

.png)




