علي عبدالمغني
الحقيقة أن الجهلَ والتخلفَ والضَّعف والفُرقة والذلة والمسكنة التي تعاني منها اليوم الأُمَّــة الإسلامية، سببُها الأولُ هو تصوُّرُ الأُمَّــة القاصر والخاطئ لمفهوم العبودية لله عز وجل.
هذا التصورُ القاصِرُ والخاطئ لمفهوم العبادة فصل الدين عن الواقع، وعن الكون، وعن الحياة.
فخلال أكثر من ألف عام، والمسلمون يدرسون آيات الأحكام: أحكام الطهارة والنجاسة والحيض والنفاس وغيرها، أما بقية القرآن فهو تاريخ وقصص الأنبياء والأمم الماضية.
هذه النظرة القاصرة للقرآن والدين والعبادة جعلت بعض المسلمين يقتنعون أن الإسلام سببُ تخلفهم وضعفهم وهوانهم، والحقيقة أن القرآن كان بالشكل الذي يمكن الأُمَّــة من بناء حضارة من أرقى الحضارات، وأن تسبق الغرب في كافة المجالات، لكنها للأسف ابتعدت عنه منذ فترة طويلة، وتعلقت بالأحاديث والروايات الباطلة التي تدجن شعوبها للطغاة والظلمة.
وكان يكفي الأُمَّــة آية واحدة من كتاب الله وقف عليها الشهيد القائد حسين بدرالدين الحوثي -رضوان الله عليه- لتكتشف الخطأ الذي وقعت فيه من البداية، وهي قول الله تبارك وتعالى:
{وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني أعلم ما لا تعلمون}.
في هذه القصة بيّن الشهيد القائد، في الدرس الثالث من دروس رمضان، الحقائق الآتية:
الحقيقة الأولى:
أن عبادة آدم وذريته لله سبحانه وتعالى تختلف عن عبادة الملائكة، فعبادة الملائكة تتجلى من خلال الذكر والتسبيح والركوع والسجود لله سبحانه وتعالى، وهم يقومون بهذه العبادة على أرقى مستوى:
{يسبحون الليل والنهار لا يفترون}.
وأن سبب قولهم: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك}
هو أنهم تصوروا أن العبادةَ المطلوبة من آدم هي نفس عبادتهم؛ صلاة وصيام وذكر وتسبيح لله عز وجل، ورأوا أن اللهَ سبحانَه وتعالى في غنى عن هذه العبادة من هذا المخلوق طالما أنهم يقومون بها على أكمل وجه، ولأن هذا المخلوق لن يستطيعَ القيام بذلك، وإن تمكّن من ذلك فذريته سوف تفسد في الأرض وتسفك الدماء.
فبيّن الله سبحانه وتعالى لهم أن نظرتهم إلى هذا المخلوق قاصرة وخاطئة: {قال إني أعلم ما لا تعلمون}،
وفهّمهم أن عبادته تختلف عن عبادتهم: {وعلّم آدم الأسماءَ كلها}.
فعبادتُه عملية، تتجلى من خلال تعامله مع مظاهر الحياة، وعِمارة الأرض وفقًا لتوجيهات وتشريعات الله عز وجل، وهي مهمةٌ كبيرةٌ وعظيمة، لذلك سخَّرَ اللهُ له ما في السماواتِ والأرض، وعلَّمه أسماءَ الأشياء كلها التي سيتعامَلُ معها في الأرض، وفرض عليه الذكرَ والتسبيحَ في الصلاة والصيام والحج وغيرها، ليظِلَّ على اتصال دائم بالله حتى لا يَضِلَّ ويشقى في هذه الحياة الدنيا.
فالصلاةُ بالنسبة للإنسان ليست مهمته الأَسَاسية، وإنما هي وسيلةٌ تُعينُه على مهمته الأَسَاسية وهي عمارة الأرض:
{واستعينوا بالصبر والصلاة}.
ولو كانت الصلاةُ والصيامُ والذكر والتسبيح هي مهمته الأَسَاسية، لما سخر له ما في السماوات والأرض، ولا علمه الأسماء كلها، أَو لسخر ذلك للملائكة وعلمهم ما هو أكثر من ذلك، لأنهم يؤدون هذه العبادة على أرقى مستوى.
هذا من ناحية، ومن ناحية أُخرى ذكر القرآن الكريم أن الله سبحانه وتعالى كان قد سخر للبشرية، في عصور مختلفة، علومًا مهمة تؤسس لحضارة كبيرة تخدم البشرية في كافة المجالات.
من هذه العلوم: العلوم التي كانت تنزل على الملكَين ببابل، والعلوم التي كانت لدى ذي القرنين:
{وآتيناه من كُـلّ شيء سببًا}.
والعلوم التي كانت في عهد سليمان عليه السلام:
{قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين، قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك، وقال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك}.
هذه العلوم المهمة التي كانت قد وصلت إليها البشرية، ومكنتها من نقل عرش بلقيس في غمضة عين، فقدتها في مرحلةٍ معينةٍ نتيجة بُعدها عن هدى الله، واستخدمتها في أشياءَ تافهة تضر البشرية:
{فيتعلمون منهما ما يفرّقون به بين المرء وزوجه}.
هذه الإشارات القرآنية إلى هذه العلوم المهمة كانت تفرض على الأُمَّــة الإسلامية أن تبحثَ عنها في أسرار هذا الكون، لا أن تدرُسَ الحيض والنفاس خلال ألف عام.
ومن ناحية ثالثة، القرآن الكريم نفسُه، في آيات كثيرة، يربطُ الدينَ بالحياة، ومنها قوله تعالى:
{ولقد أرسلنا رُسُلَنا بالبينات وأنزلنا معهم الكِتابَ والميزان ليقومَ الناسُ بالقسط، وأنزلنا الحديدَ فيه بأسٌ شديد ومنافعُ للناس}.
لقد ساوى اللهُ سبحانَه وتعالى في هذه الآية بين إنزال الكتب وإنزال الحديد، للدلالة على الترابط الوثيق بينهما، وأن إقامة الدين تحتاج إلى القوة التي يشكل الحديد أهم عنصر فيها، إلا أن الأُمَّــة للأسف أضاعت الكتب وفرطت بالحديد، فكانت النتيجة الذلة والمسكنة والضعف والتبعية والفقر والمجاعة التي تعيشها اليوم.
تحدث الشهيد القائد، في الدرس الخامس من دروس رمضان، عن الألياف الضوئية والأقمار الصناعية والموجات الكهربائية وغيرها،
وأنها كلها عبارة عن أشياءَ سخّرها اللهُ للإنسان في الطبيعة، ولم يأت بها الغربُ من كوكب آخر، ولم يسخّرها لهم إلهٌ آخر،
وكان المسلمون أولى من غيرهم بالوصول إلى هذه العلوم المهمة، حتى يتمكّنوا من بناء حضارة تخدمُ البشرية.
فالمشروع القرآني الذي أسّسه الشهيد القائد -رضوان الله عليه- مشروعٌ حضاري، يقوم على أَسَاسِ معرفة الله عز وجل، ويسعى إلى بناء حضارة تنقذ البشرية من خطورة الحضارة الغربية، وتقدم شاهدًا على عظمة الله من خلال عمارة الأرض وفقًا لهدي الله، وهذه هي العبادة التي فرضها اللهُ على آدم، والحكمة من استخلافه في الأرض.
* أمين عام مجلس الشورى







