مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله

غفور كريمي
صحفي وناشط إعلامي من إيران
في ظلّ الأجواء المتوترة التي تشهدها الحرب على اليمن، تعكس التصريحات الأخيرة للقوات المسلحة اليمنية بشأن احتمال الانتقال إلى المرحلة الثانية من المواجهة مع المملكة العربية السعودية، محاولةً لإعادة تعريف قواعد الحرب الجديدة.

واستنادًا إلى دراسة ظروف الحرب، قامت المرحلة الأولى من العمليات على مزيج من الضغط البحري، والهجمات الصاروخية والمسيّرة، واستهداف المواقع العسكرية والبنى التحتية التابعة للسعودية.

 وتكمن أهمية هذه الخطوة، قبل كل شيء، في رسالتها السياسية والأمنية؛ إذ يسعى اليمن بقيادة "أنصار الله" إلى إظهار أن أدوات الرد على الهجمات والقيود المفروضة على اليمن لا تقتصر على الدفاع داخل حدود هذا البلد، ويمكن أن تمتدّ لتشمل المجالات الحيوية في الاقتصاد والأمن السعوديين.

ويقوم المحور الأول من هذا التوجه، الذي تسميه القوات المسلحة اليمنية معادلة «الحصار بالحصار» و «التصعيد بالتصعيد» على الربط بين أوضاع الموانئ والمطارات اليمنية وأمن حركة الملاحة البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب،  فقد واجه اليمن لسنوات قيودًا شديدة نتيجة الحصار على دخول السلع والوقود والأدوية والمعدات الحيوية، وأيّ اضطراب في الطرق البحرية يخلّف، قبل أن يكون مجرد مسألة عسكرية، آثارًا إنسانية واسعة على حياة المواطنين.

ومن هذا المنظور، يمكن تقييم تأكيد صنعاء على تهديد الملاحة المرتبطة بالسعودية باعتباره محاولة لتحويل الضغوط الاقتصادية والإنسانية المفروضة على اليمن إلى ورقة ضغط تدفع الطرف المقابل إلى التفاوض والتراجع عن بعض سياساته.

في المقابل، قد يؤدي هذا المسار، في حال اتساعه، إلى تعريض حركة التجارة في أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم للخطر؛ وهو ممر لا تقتصر أهميته على الدول المطلة على البحر الأحمر، وإنما  تمتدّ إلى التجارة العالمية، ونقل الطاقة، وسلاسل إمداد السلع.

إن استهداف ناقلات النفط السعودية أو منعها من الحركة، وهو أمر وقع على نطاق واسع وقابل للتوثيق، ستكون له تداعيات تتجاوز ساحة اليمن، فسوق الطاقة العالمية يتأثر بشدة بحالات انعدام الأمن في الممرات البحرية، وحتى التهديدات المحدودة يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع تكاليف تأمين السفن، وأجور النقل، والمدة اللازمة لشحن الحمولة ونقلها، فضلًا عن زيادة المخاوف بشأن استقرار إمدادات النفط.

وتحتل المملكة العربية السعودية موقعًا محوريًا في اقتصاد الطاقة الإقليمي والعالمي، ولذلك فإن أي تهديد يطال منشآت إنتاج النفط أو تكريره أو تخزينه أو نقله يتحول عادةً، وبسرعة، إلى قضية ذات أبعاد إقليمية ودولية.

أما المستوى الثاني، فتتمثل فيه تحركات اليمن بقيادة "أنصار الله" ضد مراكز تجمع القوات السعودية والمواقع التابعة للتحالف في مناطق مختلفة من اليمن. ويشير ذلك إلى أن ساحة الحرب لم تعد تقتصر على جبهة ثابتة، فقد شهد اليمن خلال أكثر من عقد من العدوان على اليمن نشوء جبهات متعددة ومتغيرة؛ امتدت من المناطق الحدودية الشمالية إلى السواحل الغربية، ومن المحافظات الجنوبية إلى طرق المواصلات الداخلية. ويمكن لأي تحرك جديد على هذه الجبهات أن يخلّ بالتوازن الهش بين الفاعلين المحليين، والقوى الإقليمية، والجماعات المسلحة.

ويكتسب تعطّل نشاط قاعدة بحرية على ساحل المخا، إلى جانب استهداف القطع البحرية العسكرية، أهمية خاصة؛ فالسواحل الغربية لليمن تقع بالقرب من مضيق باب المندب، وأي اشتباك في هذه المنطقة يمكن أن يزيد المخاوف بشأن أمن السفن التجارية والمدنية.

أما القسم الثالث من الاستراتيجية التي أعلنها اليمن، والمتمثل في الردع والرد المباشر على الهجمات التي تستهدف المجال الجوي والبنى التحتية اليمنية، فيتصل بالطبقة الأكثر حساسية من هذا التوتر، وقد نفّذت القوات المسلحة اليمنية هجمات جوية وصاروخية استهدفت مناطق مثل ينبع ونجران وجيزان وأبها، إضافة إلى أجزاء من البنية التحتية لنقل النفط في السعودية، ردًا على الهجمات التي طالت مطار صنعاء وميناء الحديدة.

 وتستند هذه الإجراءات إلى منطق واضح، هو محاولة فرض كلفة مقابلة بهدف الحد من هجمات الطرف الآخر، غير أن تجارب الحروب الإقليمية أظهرت أن دائرة الرد والرد المضاد تؤدي، في كثير من الحالات، إلى اتساع نطاق الصراع بدلًا من إنتاج ردع مستدام.

وفي الوقت نفسه، يبيّن طرح مطالب جديدة من جانب صنعاء أن الميدان العسكري وطاولة المفاوضات في اليمن ليسا منفصلين عن بعضهما البعض، فالدعوة إلى الوقف الكامل للهجمات، وانسحاب القوات الأجنبية، وإنهاء الدعم المالي والعسكري للجماعات المتحالفة مع السعودية، وإعادة موارد اليمن إلى سيطرة الشعب اليمني، هي مطالب سياسية طُرحت في سياق من الضغط العسكري، وقد كانت قضايا مثل دفع رواتب موظفي الدولة وفق الكشوفات السابقة، وفتح الطرق البرية، ورفع القيود عن الموانئ والمطارات، ومعالجة أوضاع الأسرى والمعتقلين، وتخفيف القيود الاقتصادية، في صلب الحوارات اليمنية من قبل.

هذه المسائل ليست ملفات إدارية أو فنية فحسب، فهي ترتبط مباشرة بمعيشة ملايين اليمنيين، ووصول المرضى إلى العلاج، وحرية التنقل، وتأمين المواد الغذائية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي.

إن التهديد بنقل المواجهة إلى الشريط الحدودي الجنوبي للسعودية، واحتمال بدء عمليات برية، إذا ما تحوّل إلى واقع، قد يفتح أمام المملكة مرحلة شديدة الكلفة والخطورة، فالانتقال إلى مثل هذه المرحلة يمكن أن يستدرج أطرافًا أكثر إلى ساحة الصراع ويقلّص فرص السيطرة على الأزمة؛ ولهذا، فإن التحذيرات العسكرية، وإن طُرحت في إطار الردع، ولا سيما أن اليمن أثبت امتلاكه قدرًا من الاستعداد للقتال البري والمركّب، ينبغي أن تترافق في الوقت نفسه مع جهود جدية للحفاظ على المسارات الدبلوماسية وتفعيلها.

إن ما يشهده اليمن اليوم هو انعكاس لحرب طويلة تشابكت فيها قضايا الأمن والاقتصاد والسيادة الوطنية والتنافس الإقليمي والأزمة الإنسانية، وعلى النظام السعودي أن يدرك أن أي حل مستدام لن يتحقق عبر المزيد من الهجمات، أو الحصار الشامل، أو الضغط على حياة المدنيين.

إن خفض التوتر في البحر الأحمر وعلى حدود اليمن والسعودية، وضمان أمن الملاحة، ورفع القيود عن تدفق السلع والخدمات الإنسانية، وحماية البنى التحتية المدنية، والعودة الجادة إلى الحوارات السياسية، يمكن أن تهيئ جميعها أرضية للخروج التدريجي من الحلقة الاستنزافية للحرب.

 أما استمرار منطق التصعيد، وتحميل السعودية كلفة الحرب، وعدم وقف الحصار والحرب المفروضة على الشعب اليمني، فسيدفع بالحرب إلى ما يتجاوز الميادين العسكرية، لتطال أمن المنطقة والبنى التحتية للطاقة والاقتصاد العالمي.


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر