إننا في هذه المناسبة المباركة، نذكِّر أنفسنا وأمَّتنا بعظيم نعمة الله علينا، برسوله ورسالته وكتابه، ودينه الحق: الإسلام العظيم، النعمة التي أنقذنا بها من ظلمات الجاهلية، ورجسها، ومفاسدها، وضلالها، والنعمة التي جعلت من الأميين البدائيين، الضائعين في المتاهات، أمةً عظيمة، تتحرك برسالة الله تعالى، وتحمل أقدس هدف، وأعظم راية، بقيادة خاتم الأنبياء والمرسلين: محمد "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم"، ونقلتهم من حالة الجهل والبدائية، إلى معارف القرآن الكريم: كتاب الله المجيد، ونوره وهديه العظيم، وإلى التَّزكِّي بمكارم الأخلاق، والارتقاء الإيماني، كما قال الله "تَبَارك وَتَعَالَى": {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}[الجمعة:2-4].
ما قبل بعثة الرسول الخاتم محمد "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم"، كانت ظلمات الجاهلية قد أطبقت على المجتمعات البشرية؛ نتيجةً لانحراف الناس عن رسالة الله تعالى، وتحريفهم لتعاليمها ومعارفها، ففي الفترة الممتدة ما بعد نبي الله عيسى بن مريم "عَلَيْهِ السَّلَام"، إلى ما قبل مولد خاتم الأنبياء محمد "صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ"، كان أهل الكتاب (اليهود والنصارى)، قد تعاظم مع الزمن انحرافهم عن رسالة الله تعالى، ومخالفتهم لتعاليم الله، وتحريفهم لكتب الله، وتحوَّلوا إلى ضالين مضلِّين، ومفسدين ظالمين، واندمجوا مع الطاغوت، وكانت النماذج المستقيمة حالةً نادرةً فيهم، ومنعزلةً عن موقع التأثير، وكان غيرهم من المجتمعات الوثنية في ضلالٍ مبين، كما هي حالة العرب آنذاك.
وفي تلك الوضعية، تفاقم الشر، وعظم الطغيان، وانتشر الفساد، وعمَّ الظلم، وتناقص الخير، وتضاءلت القيم الفطرية، وأصبح الواقع البشري مأساويًا وكارثيًا، وكان المجتمع البشري أحوج ما يكون إلى منقذٍ ربَّاني، يعيد للإنسانية اعتبارها، ويضيء للبشرية دربها بنور الله تعالى، ويهديها إلى الصراط المستقيم.
وكان من أعظم الإرهاصات لمولد رسول الله محمد "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ"، الحادثة العجيبة: هلاك أصحاب الفيل، الجيش الموالي للروم، والذي كان يريد غزو مكَّة، وهدم الكعبة المشرَّفة، والحيلولة دون قدوم الخلاص، حينما كانت العلامات والمؤشرات والبشارات تدل على اقتراب موعد الرسول الخاتم، واقتراب موعد الفرج والخلاص للبشرية، اتَّجه جيش أبرهة بقوَّته وإمكاناته، التي أخافت العرب وأرهبتهم، فلم يجرؤوا على التصدي له، بالرغم من مكانة الكعبة المشرَّفة في أنفسهم، وحينما اقترب من مكَّة، أرسل الله الطير الأبابيل عليهم، كما قال تعالى: {تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ}[الفيل:4-5].
في ذلك العام، المعروف بـ (عام الفيل)، في شهر ربيعٍ الأول منه، وُلِدَ خاتم النبيين، وسيِّد المرسلين، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، من نسل نبي الله إسماعيل بن إبراهيم "صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمَا".
وتحققت دعوة نبي الله إبراهيم "عَلَيْهِ السَّلَام"، وابنه إسماعيل، التي تضمَّنت البشارة بقدوم هذا المولود المبارك، في حقبةٍ من الزمان المتأخر، كما في قول الله "تَبَارك وَتَعَالَى"، وهو يذكر دعاءهما وهما يبنيان الكعبة المشرَّفة: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}[البقرة:129].
كما تحققت بشارة نبي الله موسى، ونبيه عيسى "عَلَيْهِمَا السَّلَام" به، وقد كان من البشارات العظيمة، التي وردت في كتاب الله (التوراة)، وبشَّر بها نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَام"، تلك البشارة، التي تضمَّنت المواصفات المهمة، البارزة، للنبي محمدٍ "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ"، ولأتباعه الحقيقيين الصادقين، كما أخبر الله عن ذلك في القرآن الكريم، قال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ}[الفتح:29].
إنَّ هذه البشارة، التي ذكرها الله في التوراة، وبشَّر بها نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَام"، تبيِّن المنهج الحقيقي لامتداد المسيرة الرسالية الإلهية، وتقدِّم المعالم الواضحة، والمواصفات الدقيقة، التي تشخِّص الاتِّجاه الصحيح، والامتداد الأصيل لرسالة الله ورسله وأنبيائه.
الله أكبر/ الموت لأمريكا / الموت لإسرائيل/ اللعنة على اليهود / النصر للإسلام]
من نص كلمة السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف 1448هـ



