مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله

عبدالله علي هاشم الذارحي
لم تكن علاقة السعودية باليمن خلال العقود الماضية علاقة جوار عادي، ولا مجرد علاقات دبلوماسية بين دولتين؛ فقد تعاملت الرياض مع اليمن باعتباره ملفًا أمنيًا وسياسيًا استراتيجيًا، ومن هنا برزت واحدة من أكثر أدوات النفوذ السعودي غموضًا: اللجنة الخاصة السعودية لشؤون اليمن.

فاللجنة ظهرت رسميًا عام 1962م، في أعقاب ثورة 26 سبتمبر، عندما وجدت السعودية نفسها أمام تحوّل سياسي كبير في اليمن، مدعوم مصريًا، فاعتبرته الرياض تهديدًا مباشرًا لأطماعها التوسعية ونفوذها.

وأصبحت إدارة تابعة لمجلس الوزراء السعودي، وتولى الأمير سلطان بن عبد العزيز رئاستها لسنوات طويلة.

 وتكمن أهمية هذه اللجنة في الدور الذي لعبته في إدارة النفوذ السعودي داخل اليمن، من خلال تحولها إلى قناة للتعامل مع شخصيات قبلية وسياسية وعسكرية، مستخدمةً تقديم المساعدات والبدلات المالية لبعض مراكز النفوذ اليمنية، وسيلة يضمن لها البقاء والحضور في صناعة القرار اليمني.

وكانت تقدم دعمًا لشيوخ قبائل وشخصيات يمنية، وكانت واشنطن ترى في ذلك وسيلة للحفاظ على إطار من النفوذ السعودي في شمال اليمن.

وهنا تتضح فلسفة اللجنة، فبدلاً من أن تحكم السعودية اليمن من صنعاء، سعت إلى التأثير في اليمن عبر شبكة من الحلفاء داخلها عبر استقطاب وجهاء القبيلة والقيادات في الجيش والسياسة.

 ولهذا ارتبط اسم اللجنة، في الأدبيات السياسية اليمنية، بما يشبه "حكومة اليمن الخفية"، التي تتحكم في القرار وصناعته، ومؤسسة تدير جزءًا مهمًا من العلاقة السعودية باليمن من خارج المؤسسات اليمنية الرسمية وأن ظهرت في الواجهة أمام شعبها.

 احتفظت اللجنة بملفات عن الشخصيات القبلية والسياسية والعسكرية، واستخدمت المخصصات المالية كإحدى أدوات بناء النفوذ.

ولعل أخطر ما في هذه التجربة أن المال تحول إلى أداة سياسية، وبدل من أن يكون الدعم السعودي لليمن دعمًا للدولة اليمنية ومؤسساتها، أصبح في حالات عديدة دعمًا لشخصيات ومراكز قوى بعينها، وهكذا نشأت معادلة " كلما كان الشخص أكثر تأثيرًا في الداخل اليمني، كان أكثر أهمية بالنسبة إلى شبكة النفوذ السعودية.

ومنذ ستينيات القرن الماضي، مرورًا بمرحلة السبعينيات والثمانينيات، ثم أحداث 1990 والوحدة اليمنية وحرب 1994، وصولًا إلى مرحلة الرئيس علي عفاش، ظلت السعودية تبحث عن صيغة تضمن ألا يتحول اليمن إلى دولة قوية ومستقلة القرار بصورة تتعارض مع حساباتها.

 ومن هنا يمكن فهم اللجنة الخاصة باعتبارها أداة لإدارة النفوذ لا لإدارة اليمن مباشرة، فهي لا تحتاج إلى أن تكون حكومة بديلة بالمعنى القانوني؛ ويكفي أن تكون قادرة على التأثير في مراكز القوة التي تستطيع تعطيل قرار أو تمرير قرار أو تغيير موازين داخلية.

واللافت أن وثائق اللجنة التي ظهرت حديثًا تتضمن سجلات لبدلات شهرية وسنوية لشخصيات يمنية، وتمويلًا لشيوخ وشخصيات من شمال اليمن وجنوبه، إضافة إلى تمويلات مرتبطة بمجالات إعلامية وسياسية.

وهذه الوثائق، التي نُشرت ضمن ما عُرف بـ«برقيات اللجنة الخاصة السعودية»، أعادت فتح ملف حجم النفوذ السعودي في اليمن خلال العقود الماضية.

 فالسعودية التي كانت تدير نفوذها قديمًا عبر المال والقبيلة والشخصيات السياسية، أصبحت تمتلك اليوم أدوات أكثر اتساعًا: الدبلوماسية، والمساعدات، والقنوات السياسية، والنفوذ الاقتصادي والإعلامي، إلى جانب الأدوات الأمنية والعسكرية.

وبالتالي فإن قصة اللجنة الخاصة واضحة ولا غموض في دورها الخبيث، وتكشف كيف تعاملت الرياض مع اليمن باعتباره عمقًا أمنيًا يجب التأثير في قراره السياسي.

 وخلال أكثر من ستة عقود من محاولة صناعة يمنٍ قابل للاحتواء لم تُنتج، في نهاية المطاف، يمنًا مستقرًا، وهذا ما تريده الرؤية السعودية، لكن المفارقة التاريخية والتحولات التي شهدها اليمن منذ 2011، ثم انتصار أنصار الله، والحرب التي بدأت عام 2015، أظهرت أن شبكات النفوذ التقليدية لم تعد قادرة على ضمان النتائج التي تريدها الرياض، وسيكون اليمن بعد اليوم قبرا لكل متآمر وجحيما لكل غاصب.

ويمكن القول إن اللجنة الخاصة تمثل فصلًا مهمًا من تاريخ الصراع على القرار اليمني؛ فصلٌ بدأ في ستينيات القرن الماضي عندما خشيت السعودية من قيام جمهورية يمنية ذات توجه مستقل، واستمر لعقود عبر بناء شبكة واسعة من النفوذ، حتى وصلت العلاقة السعودية اليمنية إلى مرحلة العدوان، والحصار، وتثبيت اليمن مؤخرًا لمعادلتي الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد.

والدرس الأبرز من كل ذلك أن اليمن اليوم قادرًا على أن يبني دولته ويمتلك القرار اليمني، ولن ترى الدنيا على أرضي وصيًا.


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر