شايف دحدح
في لحظات التحول التاريخي الكبرى، لا تُقاس المعارك بحجم التحشيدات ولا بنوع السلاح المجلوب من وراء الحدود، بل بحجم القيم التي تثبت في الميدان أو تتهاوى تحت أقدام المتصارعين.
وإن الحرب لها شرف، وللميدان رجال يعرفون معنى الحرب ومعنى الرجولة، فإذا سقط شرف الحرب سقطت كل الرايات، وإذا انعدمت الرجولة في المقاتل تحول السلاح إلى أداة عار لا أداة قتال.
وإن اللحظة التي نعيشها اليوم ليست مجرد حدث عابر في سجل الحروب والصراعات، بل هي لحظة انكشاف كبرى سقطت فيها كل الأقنعة وتهاوت فيها الادعاءات الإنسانية والأنظمة الأخلاقية التي طالما سترت عورة الفكر المعتدي، لتبدو الحقيقة العارية جليّة أمام أبناء الشعب اليمني والأمة العربية والإسلامية قاطبة.
لقد كشفت تحشيدات العدو السعودي عن وجهها القبيح حين أقدمت في ساحة الميدان—وتحديداً في جبهات محافظة تعز الصامدة—على فعل إجرامي يندى له جبين الإنسانية ويهتز له عرش الرحمن، متمثلاً في التمثيل بجثة أحد الشهداء الطاهرة وتجريدها من ثيابها وكشف عوراتها وسلب متعلقاتها؛.
وهو سلوك متطرف لم تبلغه حتى وحوش الفلاة، ولا يصدر إلا عن قلبٍ مسخ وعقلٍ طُمس ونفس تجردت بالكامل من معاني الدين والفطرة الإنسانية السليمة.
إن هذا المسلك الإجرامي الذي شهدته أرض تعز ليس تصرفاً فردياً طائشاً كما يروج إعلام العدو في محاولة لتبرير البشاعة، بل هو انعكاس وثمرة طبيعية لعقيدة راسخة ومنهج مدروس تربت عليه هذه المجاميع في مدارس التكفير الوهابي، ذلك الفكر الدخيل الذي غرس في معتقداتهم أن المخالف كافر ودَمَه حلال وعرضَه مستباح وجثمانه غنيمة. فمن أين يأتي هذا الحقد الأسود على الجسد الميت إلا من فكر مأزوم يرى أن كل من خالف مذهبه الشاذ خارج عن الملة حتى وهو مسجى بدمائه؟
أي جريمة أقدموا عليها متناسين قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ ما يسقط كل فتاوى التكفير والقتل والتنكيل التي أباحت المحرمات.
ولعل وضع هذه الجريمة في سياقها التاريخي يوضح جوهر النهج الذي يعيد إنتاج نفسه؛ فما حدث اليوم بجثامين الشهداء في جبهات تعز هو امتداد مباشر لما شهدته الأمة في محطاتها التاريخية المظلمة، حين استبيحت الحرمات وقُطعت الرؤوس ودُست الصدور في فاجعة كربلاء، حيث جُرد الشرفاء من ثيابهم وتُركت أجسادهم عارية تحت هجير الصحراء.
إنها المدرسة ذاتها والمنهج ذاته وإن اختلفت الأزمنة والمسميات، منهج لا يراعي لرسول الله حرمة ولا للإنسانية العارضة وزناً.
وإن هذه التحشيدات المحملة بالسلاح والدعم الخارجي لا تحمل مشروع أمن ولا استقرار، بل هي مشروع يستهدف الكرامة اليمنية والعربية، مستبدلاً القيم الأخلاقية وقواعد الحروب الشريفة بسلوكيات هابطة تأنف منها الجيوش وتستهجنها الأعراف الإنسانية السليمة التي تحترم حرمة الموتى وتصون جثامينهم.
إن الوعي بطبيعة هذه المعركة هو السلاح الأكبر في مواجهة هذا الخطر الذي لا يقتصر أثره على جغرافيا محددة، بل يمتد ليهدد البنية الفكرية والأخلاقية للأمة بأسرها؛ فالذي يتجرأ على هتك حرمة الشهيد في ميدان تعز يمارس النهج ذاته أينما حل وأينما وطئت قدمه. وستبقى دماء الشهداء الطاهرة وعوراتهم التي حاول المعتدون النيل منها شاهداً حياً ولعنة تاريخية تلاحق هذا الفكر الدخيل وتكشف حقيقته أمام الشعوب، وستظل هذه الدماء الزكية وقوداً لثبات النفوس الأبية وصمودها، وداعياً للاستلهام والوعي حتى يتطهر يمننا وشعبنا من آثار هذا الفكر والتنكيل، ويستعيد شعبنا كرامته وقيمه الراسخة التي لا تقبل المساومة ولا تسقط بالتقادم.
أما نحن فما زادنا هذا المشهد إلا ثباتاً ويقينًا أننا على الحق وأن عدونا على الباطل، وأن معركتنا مقدسة، وأن النصر حليف من يصون حرمة الجثة قبل حرمة الحي، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾.

.png)

.png)
.png)


.jpg)