مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله
ترامب الرجل المجنون أم أمريكا المأزومة؟

مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير – 18 ذو القعدة 1447هـ
تقرير | أنس القاضي
تفترض نظرية "الرجل المجنون" أن القائد يتعمد الظهور بمظهر غير عقلاني لإرباك الخصوم وإضعاف قدراتهم على التنبؤ بسلوكه، بقصد إضعاف الإرادة السياسية والوضوح لدى الخصم، وإجباره على  تقديم التنازلات تحت هذا الضغط النفسي والمعرفي. هذه النظرية تفسر السلوك السياسي للشخصيات لكنها لا تكفي لفهم أعمق لسوك ترامب الذي يتبني هذه النظرية، فإلى جانب البُعد الذاتي لسوك ترامب المغرق في الحماقة، هناك ظروف موضوعية تمر بها الولايات المتحدة تجعل ترامب ناجحاً في تقمص شخصية الرجل المجنون، ما يعني -بتعبير آخر- أن الدولة الأمريكية، ذاتها الدولة المأزومة، هي من تقوم باستحضار نظرية الرجل المجنون لسياستها الخارجية، أو تستدعي  رجلاً مجنوناً فعلاً ليصبح رئيساً للجمهورية، وقد فقدت هذه الدولة الإمبريالية اتزانها السابق.

يتقاطع خطاب ترامب مع عناصر هذه النظرية من خلال التهديدات القصوى، واللغة غير المنضبطة بعرف أو قانون أو دبلوماسية، والتقلب بين العدوان والتفاوض. تندرج هذه العناصر ضمن سياق أوسع يتصل بتحولات بنية النظام الدولي، والأزمة الاجتماعية الاقتصادية داخل الولايات المتحدة، وتغير علاقة الرأسمالية بالحرب. في هذا الإطار، تتحول "اللاعقلانية" من أداة نفسية إلى تعبير عن سياسة إدارة الحرب وإدارة الأزمة.

  • التحول في النظام الدولي وإنتاج "اللا يقين"

شهد النظام الدولي خلال العقدين الأخيرين انتقالاً تدريجياً من هيمنة أمريكية شبه مطلقة إلى وضع أكثر تعددية، مع صعود قوى منافسة على رأسها الصين، وتزايد قدرة فاعلين إقليميين على التأثير في موازين القوة، من بينها إيران وقوى محور المقاومة في المنطقة العربية. هذا التحول لم يؤدِ إلى إسقاط الهيمنة الأمريكية، لكنه قيّد قدرتها على فرض إرادتها بشكل مباشر، ورفع من كلفة المواجهة الشاملة مع أي من خصومها.

في هذا السياق، يصبح استخدام "اللا يقين" أداة لتعويض التراجع النسبي في القدرة على إسقاط الخصم، فبدلاً من الاعتماد على التفوق العسكري والاقتصادي وحده، يجري توظيف الخطاب التصعيدي والتهديدات غير المتوقعة لخلق حالة ردع نفسي لدى الخصوم. هنا لا يعود "الرجل المجنون" خياراً شخصيا، بل خيار الدولة الأمريكية ذاتها، أي أن هذا الخيار يأتي استجابة عميقة لبيئة دولية تتسم بتقارب نسبي في موازين القوة، لم تعد فيها الولايات المتحدة مهيمنة أو ضابطة للنظام العالمي بخطاب عقلاني واضح يقوم بوظيفة الردع دون الحاجة إلى التهديدات الجنونية.

يتجلى هذا النمط في سلوك ترامب من خلال الانتقال السريع بين التهديد بالحرب الشاملة والدعوة إلى التفاوض، ما يخلق حالة من الغموض الاستراتيجي. غير أن هذا الغموض ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لإبقاء الخصم في حالة ترقب دائم، ومنع الخصم من بناء استراتيجيات مستقرة للمواجهة، وبهذا المعنى، فبدلاً أن يؤدي السلوك السياسي الأمريكي إلى فرض نتائج على الخصم، يؤدي إلى إدخال الخصم في حالة من عدم التوقع.

غير أن هذا الاستخدام للا يقين يحمل في داخله تناقضاً جوهرياً، إذ إن فعاليته تعتمد على بقاء السلوك غير قابل للتنبؤ، بينما يؤدي تكراره إلى تحوله إلى نمط متوقع، وبالتالي، فإن الإفراط في استخدام هذا الأسلوب قد يؤدي إلى تآكل أثره، ويحوّل الفوضى إلى قاعدة، ما يضعف قدرة هذه السياسة على تحقيق غاية ردع الخصم.

  • الأزمة الداخلية الأمريكية تنتج السلوك  الجنوني 

لا يمكن فهم سلوك ترامب بمعزل عن التحولات الاجتماعية والاقتصادية داخل الولايات المتحدة، والتي أدت إلى صعود التيارات الشعبوية؛ فقد شهدت العقود الأخيرة تآكلاً في الطبقة الوسطى، واتساعاً في الفوارق الاجتماعية، وتراجعاً في الثقة بالمؤسسات السياسية، ما خلق بيئة مواتية لظهور قيادات تعتمد خطاباً مباشراً وصدامياً خارج المألوف، خطاباً  ينزل إلى مستوى الشارع ليلامس الأزمة الاجتماعية ومشاعر السخط والاحباط، وخطاب كهذا يؤلف الجماهير الانتخابية.

في هذا السياق، لا يُنظر إلى خطاب ترامب بوصفه مجرد أداة في السياسة الخارجية، بل أيضاً كوسيلة لإعادة تشكيل العلاقة بين القيادة والجمهور في الداخل الأمريكي ذاته، إذ يعكس هذا الخطاب حالة من الغضب الاجتماعي، ويعيد توجيهها نحو الخارج من خلال بناء صورة "عدو" يجب مواجهته، وهنا يتقاطع البعد الداخلي مع الخارجي، بحيث يصبح التصعيد جزءاً من إدارة التوازنات السياسية الداخلية.

يُنتج هذا التداخل نمطاً من السلوك لا يمكن تفسيره بالكامل عبر نظرية "الرجل المجنون"؛ فـ"اللا عقلانية" في الخطاب ليست مصطنعة بالكامل، بل تعكس جزئياً طبيعة القاعدة الاجتماعية التي يستند إليها ترامب، بمعنى أن القائد لا يتظاهر فقط بعدم التوقع، بل يتحرك أيضاً ضمن بيئة سياسية تتطلب هذا النوع من الخطاب للحفاظ على الدعم الشعبي.

هذا البعد يطرح إشكالية إضافية، إذ يجعل من الصعب الفصل بين "الاستراتيجية" و"التعبير"، فهل يستخدم ترامب هذا الأسلوب لتحقيق أهداف خارجية، أم أنه يعكس من خلاله تحولات داخلية أعمق؟ في الواقع، يبدو أن الإجابة تكمن في التفاعل بين الاثنين، حيث يُستخدم الخطاب ذاته لتحقيق وظائف متعددة في آن واحد.

  • التحول في علاقة الرأسمالية بالحرب

شهدت الرأسمالية المعاصرة تحولاً في علاقتها بالحرب، حيث لم يعد الربح مرتبطاً بالاحتلال المباشر أو الوجود الطويل في مناطق الحرب كغزو العراق وغزو افغانستان لاحقاً، بل بإدارة العمليات العسكرية العدوانية، وتطوير التكنولوجيا، وتقديم الخدمات المرتبطة بالحرب، أدى هذا التحول إلى تقليل الحاجة إلى الحروب الشاملة.

في هذا السياق، يصبح التصعيد الخطابي أداة لإدارة الصراع دون الانزلاق إلى مواجهات مكلفة اقتصاديا وعسكرياً وغير مضمونة النتائج، فتهديدات الحرب الشاملة يمكن أن تُستخدم لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية، مثل فرض العقوبات، أو إعادة توزيع النفوذ، أو تحفيز قطاعات صناعية معينة، دون الحاجة إلى تنفيذ هذه التهديدات فعلياً.

يتقاطع هذا التحول مع سلوك ترامب، الذي يعتمد على رفع سقف التهديد ثم التراجع أو إعادة التفاوض. لا يؤدي هذا النمط إلى حسم الصراع، بل إلى إعادة إنتاجه ضمن مستويات يمكن التحكم بها. وهنا، لا يُستخدم "الجنون" كوسيلة لحسم الصراعات وإخضاع الخصوم، بل كأداة لإدارة الصراعات وتحقيق النتائج عبر المفاوضات والصفقات.

يطرح هذا التحليل إمكانية قراءة "نظرية الرجل المجنون" بوصفها غطاءً خطابياً لسياسات لها منطق مادي واضح. فالتهديدات غير المتوقعة تخلق بيئة تسمح باتخاذ إجراءات معينة دون مقاومة كبيرة، وتبرر استمرار حالة التوتر التي تستفيد منها قطاعات متعددة داخل الاقتصاد السياسي للحرب.

  • الخطاب والممارسة

يتأسس نمط السلوك على الجمع بين تصعيد لفظي مرتفع وسلوك عملي أكثر حذراً، حيث تُستخدم التهديدات القصوى لرفع سقف التفاوض، ثم يجري التراجع أو إعادة التموضع عند اقتراب كلفة المواجهة من مستوى غير قابل للتحمل، وينتج عن هذا التداخل حالة من الغموض الاستراتيجي تُبقي الخصوم في حالة ترقب، لكنها لا تقود إلى حسم الصراع، بل إلى إدارته ضمن مستويات يمكن السيطرة عليها.

يتحول "عدم التوقع" إلى أداة ضغط قصيرة المدى عندما يُستخدم بشكل انتقائي، لكنه يفقد فاعليته عند تحوله إلى نمط متكرر يمكن التنبؤ به. يؤدي تكرار التهديدات دون تنفيذها إلى تآكل المصداقية، ويُضعف قدرة الردع على المدى الطويل، إذ تتكيف الأطراف المقابلة مع هذا السلوك وتعيد حساباتها بناءً على احتمالات أن يتراجع ترامب عن هذه التصريحات، وهو ما فهمته إيران جيداً.

تتحدد فاعلية هذا الأسلوب أيضاً بطبيعة الخصم، حيث تختلف الاستجابة باختلاف البنية السياسية والعسكرية للطرف المقابل؛ تستجيب بعض الدول لرفع سقف التهديد عبر فتح قنوات تفاوض، بينما تتجه أخرى إلى تعزيز قدراتها الدفاعية أو اعتماد استراتيجيات مضادة تقوم على امتصاص الصدمة وتقليل أثرها، فهذه السياسة غير مضمونة النتائج في مختلف الدول والسياقات، فسبق أن تجاهلت اليمن  تهديدات ترامب وفهمت مغزاها، ما دفعه في نهاية المطاف إلى الاعتراف الضمني بالهزيمة وإبرام اتفاق مع اليمن لوقف إطلاق النار في البحر الأحمر، حين فشلت لغة التهديد وسياسة الجنون.

  • إعادة تأطير السلوك

يكشف الربط بين التحول في النظام الدولي، والأزمة الداخلية الأمريكية، والتغير في علاقة الرأسمالية بالحرب أن السلوك لا يُختزل في قرار فردي، بل يتشكل ضمن بنية عامة تدفع نحو استخدام التصعيد الخطابي كأداة لإدارة الصراع. في هذا السياق، يظهر "الرجل المجنون" كصيغة خطابية تعكس تحولات أعمق في كيفية ممارسة الهيمنة.

يُستخدم التصعيد اللفظي لتبرير سياسات ضغط اقتصادي وعسكري منخفض الكلفة نسبياً، مثل العقوبات، وإعادة الانتشار العسكري، في محاولة تحقيق التوازن ضمن شروط جديدة تسمح باستمرار النفوذ دون تحمل كلفة المواجهة الشاملة.

يتقاطع هذا النمط مع تحول في طبيعة الصراع، حيث تُدار الأزمات عبر أدوات متعددة تشمل الاقتصاد، والتكنولوجيا، والإعلام، إلى جانب القوة العسكرية. وضمن هذا الإطار، يصبح "اللا يقين" جزءاً من منظومة أوسع لإدارة التنافس الدولي، وليس مجرد سلوك فردي يمكن عزله عن سياقه.

  •  إلى أن يعود العقل الأمريكي

الولايات المتحدة اليوم -مع أزمتها الداخلية والخارجية- بحاجة إلى رجل مجنون يخاطب العالم بهذه الصورة، إذ لم تعد العقلانية قادرة على ردع الخصوم والمحافظة على مكانة  أمريكا عالمياً، لكن هذه السياسة لا تنجح مع الجميع، وتتآكل مع الأيام بحكم التجربة والخبرة العالمية، وستضطر أمريكا في نهاية المطاف إلى استخدام العقل لتخرج بماء الوجه من الحرب العدوانية الراهنة على إيران، وبعدها لن يُجدي  تكرار هذا الخطاب مع شعب آخر، وستأتي إدارة أمريكية جديدة من الحزب الديمقراطي لمحاولة تنظيم الفوضى التي أثارها ترامب في العالم، وتدير أزمة الولايات المتحدة بمنطق عقلاني، يجعلها تفضل خيار التراجع والانسحاب، على الهزيمة والانهيار.


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر