مـوقع دائرة الثقافة القرآنية – تقارير – 13 ربيع الآخر 1448هـ
تقرير / وديع العبسي
يؤكد استمرار لجوء النظام السعودي إلى الفبركات الإعلامية والترويجات الدعائية ضد اليمن، القناعةَ الراسخة بأن الميدان -ورغم أنه قد أخذ كفايته من الزمن- قد جاء على غير ما رُسم له؛ وما كان محدداً من الأهداف الاستراتيجية للعدوان تحول بالكامل إلى عبء ثقيل لا يستطيع هذا النظام الفكاك منه أو التملص من تبعاته.
وحسب المراقبين ومراكز الرصد ومعاهد البحث، وما تواتر عنها من قراءات مستفيضة لمعطيات الميدان، بالربط مع خلفية إمكانات طرفي المواجهة، فإن معركة اثني عشر عاماً قد جعلت النظام السعودي يقف صاغراً أمام جملة من الحقائق؛ أدناها أنه لم يكن أهلاً لدخول معركة ضد الشعب اليمني الذي تمرّس على القتال والصبر على الجوع والمعاناة، وأعلاها صدمته بانكشاف حقيقة بيئة المجاملين والمداهنين والمنافقين التي ظلت تحيطه بكلمات الود والطاعة، وعند اشتداد الرحى نأت بنفسها عن التورط في صدام تدرك أنه قد يجلب لها الويلات.
وفي محاولة لتجاوز تأثير هذه الحقيقة، يتحرك النظام السعودي لمواصلة معركة انتحارية عبثية تنهش في أركانه قليلاً قليلاً دون أن يعي. وفي يوميات عدوانه على الشعب اليمني، لم يتوانَ عن اللجوء إلى كل الوسائل المتاحة، بما فيها الحملات الإعلامية الممنهجة، في مسعى خائب لتشويه السلوك اليمني في المعركة من جهة، ومحاولة لكسب تأييد المجتمع الدولي ودفعه للمشاركة المباشرة في العمل العسكري ضد اليمن من جهة أخرى. غير أن القراءات الدقيقة لعمليات العدوان، وما قابلها من ردود دفاعية يمنية، قد رسخت لدى العالم سمة السلوك الأخلاقي العالي للقوات المسلحة اليمنية؛ سلوك ملتزم بقواعد الاشتباك وفق ما تؤكده تعاليم دين الإسلام الحنيف أولاً، ثم ما حددته الاجتهادات الأممية. ولأجل ذلك، غالباً ما كانت مخططات المطابخ الإعلامية والاستخباراتية في الشق السعودي تتفكك وتتهاوى مع أول ظهور للحقائق.
-
منظومة إيمانية وأخلاقية تحكم الخيارات
في التصعيد القائم الذي ابتدأه النظام السعودي بكل غرور وصلف، عبر قصفه مطار صنعاء الدولي لمنع اليمنيين العالقين في الهواء من أن يحطوا على أرض وطنهم، حاولت الرياض عزل اليمن وإظهاره كمتمرد على ثوابت العالم الإسلامي والغرب على حد سواء. فحين أثارت غباراً اصطناعياً بإشاعة نوايا القوات اليمنية استهداف مكة المكرمة، أحبط الله عملها وقُوبلت تلك الادعاءات بسخرية عالمية عارمة كونها لا تستقيم مطلقاً مع مواقف وقناعات اليمن المعلنة ورصيده الإيماني. وبانضمام هذه المحاولة إلى سجل الفشل الذريع، ذهبت السعودية -ولا تغيب أمريكا و"إسرائيل" أبداً عن الكواليس- إلى تصدير رواية مكررة تتهم اليمن بـ"استهداف المدنيين والتجمعات السكنية" أثناء تنفيذ الضربات الصاروخية وهجمات الطيران المسير في العمق السعودي. لتكشف هذه الاستماتة في التشويه عن الوضعية النفسية المتأزمة التي تعيشها الرياض المتعطشة لأي فعل يمكن أن يكسر الإرادة اليمنية، لعلها تستعيد بذلك حالة من الاتزان المفقود.
وفي إطار هذه الحملة التي تزعم "استهداف الأعيان المدنية" حاول الإعلام السعودي الارتكاز صورياً على مبادئ القانون الدولي، وادعاء الحرص على قواعد الاشتباك ومعايير القانون الدولي الإنساني. إلا أنه -في مقابل هذه الادعاءات التي تفتقر دائماً إلى الوثائق- يقف الواقع الميداني والسلوكي ليثبت -بتجردٍ- أن اليمن إنما ينطلق في كل خياراته العسكرية والدفاعية من منظومة إيمانية وأخلاقية وقيمية أصيلة، تجعل من تجنب الأبرياء وغير المقاتلين مبدأً ثابتاً لا يخضع للمناورة أو المزايدة أو التوظيف الإعلامي الساذج.
والقول الشافي تضمنته جميع بيانات القوات المسلحة، وشواهد العمليات الميدانية التي ترصدها الأقمار الاصطناعية، وأكدتها مقاطع ناشطي وسائل التواصل، والتي تصب جميعها في مصب واحد: "إن بنك الأهداف اليمنية يتحدد بدقة فائقة وعبر وسائل استطلاع واستخبارات متطورة، وينحصر دائماً وبشكل صارم في الأهداف العسكرية المشروعة"؛ كـقاعدة الملك خالد الجوية، ومقرات القيادة والسيطرة، ومراكز الرادارات، والمنشآت الحيوية التي تغذي المجهود الحربي للعدوان لا غير.
-
محاولة لإبعاد التهمة عن الإخفاقات الدفاعية
وفي الوقت الذي تسعى فيه الترسانة الإعلامية التابعة للعدو السعودي إلى تضخيم أي حادثة يُدَّعى فيها وقوع أضرار في مناطق سكنية أو مدنية داخل أراضيها، تكشف المعطيات الفنية والتحليلات الميدانية أن الإصابات والأضرار المادية المحدودة التي يُعلن عنها إنما تقع جراء شظايا الصواريخ الاعتراضية الناتجة عن إطلاق منظومات الدفاع الجوي السعودية فوق المدن. هذا السلوك الدفاعي العشوائي باعتراض الصواريخ فوق التجمعات السكانية هو المتسبب الحقيقي والمباشر في تعريض الأعيان والمدنيين للخطر البالغ، وسقوط الشظايا الثقيلة على المنازل والشوارع. وإنما تخوض السلطات في الرياض سباقا مع الزمن لاستغلال وتوظيف مثل هذه الحوادث سياسياً وإعلامياً في محاولة لإبعاد التهمة عن إخفاقات منظوماتها الدفاعية، ولتغطية خسائرها الميدانية، بغية تشتيت انتباه الرأي العام عن دقة ونتائج الضربات اليمنية.
تؤكد القوات المسلحة اليمنية مراراً: "إن ما تروج له وسائل إعلام العدو السعودي من دعايات كاذبة ومضللة بأننا نستهدف المدنيين لا أساس له من الصحة على الإطلاق، وإن عملياتنا تنحصر وتستهدف بدقة متناهية أهدافاً وقواعد عسكرية وبنية تحتية تُستخدم للجهد الحربي". وتضيف أن "ما يروج له الإعلام السعودي من وقوع أضرار في أعيان مدنية إنما هو ناتج بالضرورة عن عمليات الاعتراض الفاشلة والعشوائية التي تقوم بها منظومات الدفاع الجوي التابعة للعدو السعودي فوق المدن والأحياء السكنية". فيما توضح وزارة الخارجية اليمنية للرأي العام الدولي والإقليمي أن "الإصابات والأضرار المدنية التي تتحدث عنها السلطات السعودية جراء الضربات الأخيرة إنما هي نتيجة مباشرة لشظايا ومتساقطات الاعتراضات الدفاعية لمنظومات الباتريوت التابعة للتحالف، والتي تُطلق فوق المناطق السكانية المأهولة". وهو ما يجرد الرواية السعودية من مصداقيتها، ويكشف هشاشتها أمام الحقيقة الميدانية الناصعة للموقف الدفاعي اليمني.
-
نهج إنساني سامٍ يحكم القرار والسلوك
المنطلق الإيماني الذي يضع أمام القوات المسلحة اليمنية جملة من القواعد الأخلاقية والميدانية في دفاعها عن السيادة الوطنية، هو ما يترجمه سلوكها سواء في الهجمات أو في الالتزام الديني والأخلاقي عندما يكون في الأمر مدنيون أو مقاتلون تابعون للعدو تحت السيطرة. هذا الحرص يمتد إلى طريقة التعامل مع وضع ما بعد اجتياز جبهات المواجهة، سواء لجهة الأسرى أو إدارة المناطق التي يتم استعادتها وتأمينها، إذ رصدت وكالات الأنباء الدولية نهجاً إنسانياً سامياً يحكم القرار والسلوك الميداني اليمني.
وعلى هذا فإن الطرف الذي يرعى حق الأسير ويكرمه ويحفظ كرامته الآدمية، والطرف الذي يحمي المواطن والخصم المهزوم فور السيطرة دون أن تتضمن أدبياته وسلوكه أي مساحة للانتقام أو التصفيات، يستحيل -عقلاً ومنطقاً وواقعاً وأخلاقاً- أن يذهب بصواريخه وطائراته المسيرة لتعمد قصف المدنيين والأبرياء في ديارهم ومنازلهم.
في ملف الأسرى، أثبتت التجارب الموثقة على مدى سنوات المواجهة، والشهادات الشفهية والمرئية الصريحة للعشرات بل المئات من أسرى الطرف الآخر المفرج عنهم عقب عمليات تبادل سابقة "أن صنعاء تتعامل مع كافة المحتجزين لديها انطلاقاً من التكاليف الإيمانية والقرآنية الصارمة التي تجعل من إكرام الأسير وحظر إهانته أو تعذيبه واجباً دينياً وأخلاقياً لا يملك أحد التخلي عنه". أكد ذلك ظهور العديد من الأسرى في مقابلات وتصريحات صحفية وإعلامية علنية ومباشرة عقب الإفراج عنهم، معبّرين عن ذهولهم وتفاجئهم بمستوى الرعاية الصحية والإنسانية التي حظوا بها طوال فترة احتجازهم في اليمن. وأكد هؤلاء بكل صراحة أنهم لم يتعرضوا لأي شكل من أشكال التعذيب النفسي أو الجسدي أو المعاملة الحاطة بالكرامة، بل عوملوا بأسلوب راقٍ يترجم أخلاق المقاتل اليمني الأصيل، ونخوته وشهامته.
-
المعادلة المنطقية والعقلية والحقوقية
أما في ملف إدارة المناطق والمدن والتجمعات السكنية التي يتم طرد العدو منها، كما حدث في الساحل الغربي وغيره، فإن التتبع الميداني الدقيق أظهر غياباً كاملاً ومطلقاً لثقافة الانتقام، أو التصفيات الجسدية، أو الممارسات القمعية والعقاب الجماعي التي عادةً ما ترافق الحروب والنزاعات المسلحة عبر التاريخ.
وقد تابع العالم سلوك المجاهدين في مديريات الساحل الغربي؛ ففي وقت مبكر -عقب طرد مجاميع العدو السعودي- صدر إعلان العفو العام الشامل، وتأمين كافة المواطنين والسكان على أرواحهم، وممتلكاتهم، ومنازلهم، ومؤسساتهم، حتى بالنسبة لأولئك الذين كانوا يمسكون السلاح ويقاتلون في الصف المقابل قبل ساعات فقط من لحظة السيطرة، بمجرد إلقائهم للسلاح وتركهم لميدان المواجهة.
لقد قدم الميدان اليمني شواهد حية وواقعية لكيفية تقديم الحماية الأهلية، والمساندة الإغاثية، والرعاية الطبية العاجلة لأفراد وعائلات المخدوعين المقاتلين مع السعودية، انطلاقاً من إدراك يمني عميق ووعي أصيل بأن المعركة تتجه حصراً ضد قوى العدوان الخارجية ومن يصرّ على القتال في صفها. وقد شهدت المناطق التي أمكن للقوات المسلحة السيطرة عليها في مختلف الجبهات على النبل والشهامة والتعامل الأخلاقي الراقي الذي لقيه السكان بمجرد تثبيت الأمن، حيث يسود الأمان الفوري، وتصان الممتلكات الخاصة والعامة، وتُعاد الطمأنينة للمواطنين دون أي تمييز أو ملاحقة.
-
الطرف الذي اتخذ من المدنيين هدفاً
إن أخلاق الفارس اليمني المتمسك بهويته الإيمانية وأعرافه القبلية تجعل من التعمد في المساس بغير المقاتلين خطاً أحمر عقائدياً لا يمكن عبوره أو التغاضي عنه تحت أي ظرف من الظروف العسكرية أو الضغوط الميدانية، مهما بلغت درجة التصعيد أو طبيعة المواجهة.
في المقابل، يقف المجتمع الدولي والضمير الإنساني أمام سجل مأساوي، ودامٍ، وموثق بدقة متناهية بالأرقام والتواريخ والتقارير الحقوقية الدامغة للغارات الجوية السعودية واستهدافها المباشر والمنهجي للمدنيين، والبنى التحتية والأعيان المدنية في المحافظات اليمنية. وتعكس التقارير الصادرة عن المراكز الحقوقية الحجم المهول والمفزع للمأساة الإنسانية التي تسبب بها القصف السعودي الأمريكي، حيث خلفت الغارات استشهاد وإصابة أكثر من 60 ألف شخص من المدنيين، منهم 8262 طفلاً، و6686 إمرأة، فضلاً عن التشريد والتجويع ومحاصرة المرضى ومنعهم من السفر للعلاج. وقد عزز التحالف السعودي الأمريكي منهجه العدواني في استهداف المنازل والأعيان المدنية؛ فقصف أكثر من 620,000 منزل مواطن، وأكثر من 460 مستشفى ومرفقاً صحياً، و1,451 مدرسة ومرفقاً تعليمياً، و1,965 مسجداً، إضافة إلى آلاف المزارع والمنشآت الخدمية والتجارية التي تم تدميرها بشكل مباشر.
إن هذه الحقائق الرقمية والأدلة الموثوقة التي تملأ أرشيف المنظمات الحقوقية تضع ادعاءات الرياض في حجمها الحقيقي الهزيل، وتبين -بجلاء واضح- من هو الطرف الذي اتخذ من استهداف المدنيين، وقتل الأطفال، والضغط على الأبرياء، وحصار الشعب وسيلة وركيزة أساسية في حربه وعدوانه. كما توضح في الوقت ذاته الفرق المبدئي والأخلاقي والإيماني الشاسع بين من يرتكب المجازر المباشرة ويدمر المقومات الحياتية لشعب بأكمله ويقصف حتى السجون التي تضم أسراه ممن قاتلوا معه، وبين من يخوض معركة دفاعية مقدسة وشريفة، ملتزمة بأحكام الشريعة وبالإنسانية السمحة، ومبرهنة -في كل خطوة ميدانية وعملياتية- على حرصها التام المطلق على صون دماء غير المقاتلين، وحفظ كرامة الإنسان ورعاية حقوقه، محارباً كان أو أسيراً أو مواطناً عادياً.
ويذهب المراقبون إلى أن الاتهامات السعودية بأننا نستهدف المدنيين لم تكن سوى غطاء سياسي ومناورة إعلامية مفضوحة، وسيظل التاريخ والشواهد الميدانية الحية الحاكمَ الفاصل بين الروايات المضلِّلة والواقع المشهود.

.jpg)




