مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله

متابعات../ 
 وديع العبسي
مع تصاعد وتيرة عمليات القوات المسلحة ضد المعتدي السعودي وتأثيرها المباشر على بنيته التحتية الحيوية، بدأت تحذيرات دول الغرب لرعاياها تأخذ طابعاً جاداً وحاسماً. عدد من الدول سارعت إلى فرض مسارات حركةٍ ضيّقة ومحددة لرعاياها داخل الأراضي السعودية، ووضعت خطوطاً صارمةً لكيفية تنقلهم وسفرهم. غير أنه، ومع تتابع العمليات وارتفاع درجة تأثيرها لجهة الضغط بصورة أقوى على المعتدي السعودي للاعتراف بحق الشعب اليمني بأن يحيا مستقلا على أرضه دون أي تدخل خارجي، ارتفع سقف التحذير الدبلوماسي الغربي وتجاوز مرحلة التقييد ليصل إلى حثّ الرعايا -صراحةً- على حزم أمتعتهم ومغادرة السعودية بلا إبطاء، فكان الأكثر إثارة وما يُثير الدهشة وينطوي على دلالاتٍ عميقة، أن يأتي هذا التوجيه الصارم عالي المستوى من قلب واشنطن تحديداً؛ الدولة التي طالما قدّمت نفسها كحارسٍ افتراضيّ ومظلة أمانٍ للنظام السعودي بموجب ترسانة المعاهدات والاتفاقات التاريخية بينهما.

  • الفرار إلى الدول المجاورة

مع بدء عمليات معادلة "الحصار بالحصار" دعت البعثة الأمريكية رعاياها إلى تفادي استخدام مطار الملك خالد بالرياض أو الاقتراب من محيطه، كخطوة احترازية أولى تستهدف تقليل المخاطر المرتبطة بأمن حركة الملاحة، ما عكس -لحظتها- إقراراً واقعياً بتأثير العمليات اليمنية  على خطوط النقل الجوي الحساسة. ومع استمرار التوتر وصعوبة استقرار الأوضاع الجوية، تجاوزت الإرشادات الأمريكية الرسمية حدود التحذير لتشمل تأمين مسارات بديلة جادة لمغادرة الرعايا البلاد، وتوجيههم للاعتماد على المسارات البرية كبديل اضطراري عن الرحلات الجوية. وهو تحوّلٌ يجسّد استجابةً ميدانية سريعة لحساسية التصعيد اليمني، ويدفع الأجانب -بوضوح- للبحث عن منافذ عبور آمنة نحو دول خليجية مجاورة، لتكون بمثابة ملاذٍ محايد ومحطات إجلاء أكثر استقراراً في ظلّ هذه الظروف العاصفة.

وتتويجاً لهذا التدرج التصاعدي في تقييم المخاطر المستمرة، انتهت التحذيرات إلى مرحلة حاسمة تمثلت في الأمر المباشر لكافة الرعايا بضرورة حزم امتعتهم ومغادرة الأراضي السعودية طالما أن خيارات السفر التجارية والبرية لا تزال متاحة، ليؤكد هذا التصعيد المتسارع في الخطاب والقرارات الدبلوماسية الأمريكية وجود قناعة راسخة في أروقة واشنطن بحتمية التعاطي مع ما تشهده السعودية باعتباره واقعاً أمنياً معقداً، ومأزقاً استراتيجياً يستدعي فرض إجراءات طوارئ قصوى لحماية الأرواح ومواجهة التداعيات المفتوحة لهذا التصعيد الميداني الواسع.

  • "أمر" مغادرة إجباري وليس اختيارياً

يمثل القرار الأخير الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية بإجلاء الموظفين الحكوميين غير الأساسيين وعائلاتهم من السفارة والقنصليات الأمريكية في السعودية خطوة مفصلية تتجاوز نطاق التدابير الاحترازية الروتينية، فصدور هذا الأمر بصيغته الرسمية الملزمة (Ordered Departure) وليس كترخيص اختياري، يعكس بلوغ التقييم الأمني الاستخباري لدى واشنطن أعلى درجات الإنذار بالخطر للرعايا الأجانب والدبلوماسيين، ارتباطاً بتصاعد العمليات اليمنية وشلل السعودية الدفاعي. وتتأكد خطورة هذا الإجراء بالنظر إلى كونه يعكس أعلى سقف إجلاء إجباري تعلنه دولة أجنبية لحماية مواطنيها في ظل استمرار استهداف المرافق الحيوية السعودية بالصواريخ والطائرات المسيرة، ما يضفي على المشهد بعداً استثنائياً يتجاوز التحذيرات التقليدية.

ولا ينفصل السياق المباشر للإجراء الأمريكي الصارم وتقييماته الاستخبارية المشددة عن تصاعد مؤشرات التهديد الناجمة عن العمليات الميدانية، وتعاظم احتمالات التعرض لضرباتٍ متلاحقة. كما يتشكل هذا القرار كحتميةٍ منطقية ونتيجةٍ طبيعية لرصدٍ استخباريّ دقيق لتكتيكات الهجمات المزدوجة والمكثفة التي تُربك أعتى منظومات الدفاع؛ ما يعكس وصول أجهزة الاستخبارات الأمريكية إلى قناعةٍ قاطعة بضرورة إخلاء الدبلوماسيين وعائلاتهم، ويُشير في الوقت ذاته إلى إقرارٍ ضمنيّ بعمق قدرة هذه العمليات على فرض معادلاتها وتأثيرها الميداني المباشر.

على أن هذه الخطوة تعكس تحولاً حاداً في عقيدة إدارة المخاطر لدى واشنطن، وتبدلاً في قراءتها للقدرة السعودية على الحماية الوقائية في ظل استمرار العمليات العسكرية. لذلك يأتي توجهها لتفريغ بعثاتها (إلا من الكوادر الأساسية المكلفة بإدارة الطوارئ) استعدادا ميدانيا لمرحلة ينعدم فيها الاستقرار المباشر، كما يعني توقّع اتساع رقعة المواجهة العسكرية بطريقة تجعل التنبؤ بنطاق الضربات أو اتجاهاتها أمراً معقداً، ما يضع أمن البعثات الدبلوماسية تحت خطر داهم.

  • عجز وانكشاف أمام الهجمات

تضع المعطيات الأمنية والعمليات اليمنية الأخيرة قدرات الدفاع الجوي السعودي في موقع الاختبار الميداني الأكثر حرجاً؛ إذ يتركز الرهان العسكري للرياض على كفاءة تغطية الشبكات الدفاعية الغربية متعددة الطبقات لمواجهة تهديدات الطائرات المسيرة والصواريخ اليمنية المستمرة. ولا يتوقف هذا التحدي العملياتي عند مجرد الاعتراض التقليدي، وإنما يمتد إلى كيفية التصدي لهذه الهجمات المتكررة، ما يعني البقاء دائما في أعلى درجات الجاهزية للحد من الأضرار الجانبية.

وبالنظر إلى أداء المعتدي السعودي فإنه ظَل طوال سنوات العدوان عاجزا عن إحداث أي تحول استراتيجي، بقدر ما ساهم في خروج قوة فتية استطاعت -خلال فترة وجيزة جدا بتوفيق من الله سبحانه وتعالى- أن تنسف المعادلات التقليدية وتؤسس لحقبة تنتصر فيها القدرات البسيطة على بهرجة التقنيات وضخامة الإنفاق التسليحي. هذا العجز السعودي الذي أخضعته الدراسات والأبحاث للتحليل، وبالتالي الانكشاف أمام الهجمات اليمنية، كسر تلك الأُطر التي ظلت القوى التقليدية تحيط بها نفسها لترسيخ صورة وهمية عن قدرات وإمكانات كافية لأن تكون رادعة لأي نوايا هجوم على أراضيها. وظهرت قوة البلاد عبارة عن منظومة تسليحية بلا فاعلية، واستعانة متكررة بقوى دولية تتصدرها أمريكا.

  • ازدواجية واشنطن مع أمن الحلفاء

على صعيد التنسيق العسكري، تثير هذه المستجدات أسئلة استراتيجية حول حدود الشراكة والتنسيق الاستخباري بين السعودية والقيادة المركزية الأمريكية. ففي الوقت الذي تعكس فيه القرارات السيادية لحماية الأفراد تقييماً حذراً لمستويات الخطر الناجمة عن العمليات المستمرة، فإن إدارة الميدان ومن غرف عمليات مشتركة يفترض أنها تتسم بالتناغم العالي في تبادل بيانات الرصد والمتابعة المبكرة وتنسيق قدرات الإنذار.

ويتعدى إجراء الإجلاء الأمريكي، المُلزِم والمرتبط باستمرار العمليات اليمنية، طبيعة الحماية الأمنية للرعايا، ليطرح علامات استفهام استراتيجية حول طبيعة الرسائل الدبلوماسية التي تبعث بها الإدارة الأمريكية تجاه المنطقة وحلفائها. فهذا الإقدام المكشوف على تقليص الوجود الدبلوماسي والموظفين غير الأساسيين في ظل استمرار هجمات المسيرات والصواريخ يخلق ازدواجية واضحة بين التزامات واشنطن المعلنة بحماية خطوط الملاحة والأمن الإقليمي، وبين ممارساتها العملية الداعية للتراجع والانكفاء الحذر عند اشتعال الأزمات. كما تظهر هذه الخطوة تبايناً بين خطابات الدعم السياسي والعسكري وبين سياسة تفادي الخسائر المباشرة أمام استمرار التهديدات الميدانية الفعلية.

وإلى ذلك يكشف القرار عن تحول عقلية صانعه في البيت الأبيض ووزارة الخارجية نحو إدارة الأزمات عن بُعد، للحد من التبعات البشرية لأي مواجهات محتملة في ظل استمرار الهجمات الميدانية. هذا النهج يقلل من المرونة الدبلوماسية، ويُضعف أطر التواصل المباشر مع البيئة المحلية والمؤسسات السيادية في الدولة المضيفة في وقت يتطلب وجود قنوات اتصال مكثفة ومستمرة لمواجهة تداعيات العمليات القائمة.

والاكتفاء بإدارة الملف عبر الحد الأدنى من الطواقم الدبلوماسية لا شك بأنه يعزز انطباعاً باستراتيجية الانكفاء التكتيكي أمام التهديدات العسكرية، ما يلزم الأطراف الإقليمية بإعادة النظر في التكتيكات الدبلوماسية المعتمدة وتطوير خياراتها السياسية المستقلة.

  •  السعودية نطاق خطر مرتفع

وفق ذلك يضع قرار المغادرة الإجباري (المرتبط بالتهديدات الميدانية والعمليات العسكرية المستمرة) المكانةَ الإقليمية والدولية السعودية أمام تحدٍّ استراتيجي يتعلق بالصورة الذهنية التي نجحت الرياض في ترسيخها، خلال سنوات سبقت الحضور اليمني، أنها مركز ثقل سياسي واقتصادي، وبوابة أمان واستقرار مجتمعي في الشرق الأوسط. بينما التصوير الأمريكي -بهذه الخطوة- للبيئة الداخلية للسعودية على أنها نطاق خطر مرتفع في ظل استمرار هجمات الصواريخ والمسيرات تُعدّ استهدافاً غير مباشر لمفهوم "الاستقرار السيادي" الذي تُبنى عليه المشاريع التحولية الكبرى ورؤية 2030.

على الصعيد الاقتصادي، يلقي هذا القرار، مع تداعيات العمليات الميدانية المستمرة، بظلاله على ثقة كبريات الشركات العالمية والشركات متعددة الجنسيات التي اتخذت من الرياض مقراً إقليمياً لها، حيث تُلقي إجراءات الإجلاء الأمريكية -عادة- بظلالها على تقييمات المخاطر لدى المؤسسات الدولية وشركات التأمين وصناديق الاستثمار. فيما تفرض هذه التطورات ضغوطاً تكتيكية على البيئة التنافسية الاستثمارية وتدفقات رؤوس الأموال الأجنبية المباشرة، فضلاً عن التأثير الوقائي على الحركة التجارية والملاحة الجوية والبحرية. يضاف إلى ذلك الانعكاس الفوري على أسواق الطاقة العالمية، حيث يتفاعل سوق النفط الخام بصورة متسارعة مع أي إشارات أو هجمات مستمرة تُوحي باحتمال تعرض المنشآت الحيوية للضرب، ما يرفع من علاوة المخاطر، ويعيد رسم أسعار الإمدادات العالمية.

  • خذلان رغم الدعم المادي السخيّ

لم يكن مستغربا من الدولة المارقة في طبيعتها (أمريكا) أن تلجأ لهذا الفعل مع حليف أسرف في دعمها المادي تحت عناوين استثمارية، إذ ظلت دائما ولا تزال تنظر إلى الآخرين في العالم بعين الاستعلاء والعظمة، إلا أن الموجع في الأمر أنه جاء كرد عملي في مقابل المساعي السعودية لإقناع واشنطن المشارَكة في تنفيذ هجمات عدوانية على اليمن.

ورغم إدراك واشنطن بأن مثل هذا الإجراء سيزيد من مظاهر هزيمة حليفها السعودي، إلا أنها فضّلت مصلحتها وحماية مواطنيها بغض النظر عن انعكاسات هذا الأمر على حضور الحليف السعودي في المنطقة، ليعيد هذا التحرك إلى الأذهان ما انتهى إليه بعض الزعماء العرب بأن أمريكا وحماية أمريكا ليس إلا وهْمَاً، ففي اللحظة الحرجة، يقوم تحركها على قدر المصلحة التي يمكن أن تجنيها. وكونها تقوم -في المأزق الذي تعيشه السعودية اليوم- بدعوة الأمريكيين إلى مغادرة أراضيها، فهذا يعني بأن تقديرها لشكل الدعم الذي يمكن أن تقدمه لا يتجاوز حدود الاستشارات.

وطوال تاريخها لم يكن لواشنطن الحضور إلا حيث يرتبط هذا الحضور بمصالح ومكاسب يمكن أن تجنيها، وبالنسبة للسعودية فإن ثقة الولايات المتحدة بأن أنابيب النفط لن تنقطع عنها في كل الأحول، فإن هذه الثقة وسّعت أمامها أفق خيارات القرار بلا أدنى اعتبار لما يمكن أن يتوافق مع مصلحة الحليف السعودي أو لا.

يؤكد مراقبون أن الموقف الأمريكي من تجدد العدوان السعودي على اليمن وظهور القوات المسلحة اليمنية بهذا العنفوان، تضبطه معرفة سابقة بأن الدخول في مواجهة مباشرة مع اليمن ستكون موجعة له، خصوصا وأن جراح المواجهة البحرية لم تندمل بعد، فضلا عن تهشيم القدرات الدفاعية للكيان الصهيوني الذي عاش خلال عامين أسوأ فترات الانكسار والانكشاف رغم حماية أمريكا والمنافقين.


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر