مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله

غفور کریمی
كاتب وباحث في قضايا الشرق الأوسط - إيران
ينبغي تحليل التحالف الاستراتيجي بين باكستان والمملكة العربية السعودية في إطار منظومة من الاحتياجات المتبادلة على الصعد الاقتصادية والأمنية والجيوسياسية؛ فالرياض بحاجة إلى باكستان لتأمين القوة البشرية، والخبرة العسكرية، والقدرة على الردع، في حين ترى إسلام آباد، التي ترزح تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والديون الخارجية والتضخم والبطالة والضغوط الاجتماعية، في الدعم المالي والنفطي السعودي ركيزة أساسية للحفاظ على استقرارها الاقتصادي.

وتكتسب المساعدات المالية، وتمديد الودائع بالعملات الأجنبية، والتسهيلات الائتمانية النفطية، والاستثمارات السعودية المحتملة في باكستان، أهمية بالغة لحكومة تواجه باستمرار مخاطر عجز الموازنة وصعوبة الإيفاء بالتزاماتها الخارجية.

ومن هذا المنظور، فإن المعاهدة الدفاعية بين البلدين ليست مجرد اتفاق عسكري، وإنما هي جزء من صفقة سياسية واقتصادية أوسع؛ تجني السعودية بموجبها الدعم الأمني الباكستاني، فيما تحصل باكستان في المقابل على الموارد المالية، وسوق العمل، والدعم السياسي من الرياض.

ومع ذلك، لا ينبغي الظن بأن معاهدة كهذه ستزج بباكستان تلقائياً في أي حرب تخوضها السعودية؛ إذ ثمة فارق جوهري في الاتفاقيات الدفاعية بين الذود عن أراضي الدولة الحليفة والمشاركة في عمليات هجومية خارج حدودها.

فمنذ عام 2015، وإثر الطلب السعودي للمشاركة في حرب اليمن، سعت باكستان إلى إحداث توازن بين الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع الرياض وتفادي الانخراط المباشر في الحرب، وقد رفض البرلمان الباكستاني آنذاك إرسال قوات لتنفيذ عمليات هجومية داخل اليمن، واستقر الموقف الرسمي لإسلام آباد على مبدأ مفاده إمكانية نشر القوات الباكستانية لحماية الأراضي السعودية وحدودها ومنشآتها الحيوية، غير أن إرسالها إلى جبهات القتال الداخلية في اليمن والمشاركة في احتلال المدن اليمنية أو مهاجمتها يُعد أمراً مختلفاً تماماً وذا كلفة باهظة للغاية.

إن وجود القوات الباكستانية في السعودية، حتى وإن صُنّف في إطار حماية المراكز الحساسة، وآبار النفط، ومنصات الحفر، والمصافي، والبنية التحتية لتصدير الطاقة، لا يعني بالضرورة وجودها داخل الأراضي اليمنية، وقد تستفيد الرياض من القدرات الباكستانية في مجالات التدريب، والاستشارة، والدفاع الجوي، وحماية المنشآت، وتأمين الحدود الجنوبية، لكن انخراط القوات الباكستانية في عمليات مباشرة ضد صنعاء من شأنه أن يزيل كافة الخطوط السياسية والقانونية القائمة، وفي مثل هذه الحالة، ستتحول باكستان من شريك دفاعي إلى أحد أطراف الحرب الرسميين، وهذا ما قد يستتبع رد فعل واسع النطاق من جانب أنصار الله.

إن القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي تمتلكها صنعاء، وخبرتها في الحروب غير المتكافئة، ووصولها إلى الممرات البحرية، تتيح لها الرد على أي مشاركة باكستانية مباشرة من خلال استهداف القواعد، والمراكز اللوجستية، وسفن الإمداد، والبنية التحتية للطاقة في السعودية، أو حتى استهداف أهداف مرتبطة بالقوات الباكستانية.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لباكستان، نظراً لأنها تواجه في الداخل شبكة معقدة من الجماعات المتطرفة، والتيارات السلفية، والتنظيمات المسلحة، و بعض هذه التيارات لها تاريخ طويل في مختلف المناطق الباكستانية، وبعضها يستغل فراغ الحكم، والفقر، وضعف مؤسسات الدولة، والخلافات المذهبية لتجنيد العناصر، وجماعات مثل تحريك طالبان باكستان، وفروع مختلفة من الجماعات الطائفية، والشبكات المسلحة التابعة للتيارات المتشددة، لا تزال تهدد أمن المدن، والمناطق الحدودية، وحتى المراكز العسكرية.

وتضطر الحكومة الباكستانية، لكبح جماح هذه المجموعات، إلى إبقاء جزء كبير من قوات جيشها وأجهزتها الأمنية داخل البلاد.

لقد فرضت العمليات العسكرية في المناطق القبلية، والهجمات الإرهابية، واغتيال عناصر الحكومة، والتهديدات ضد الأقليات الدينية، أعباءً باهظة على اقتصاد باكستان وهيكلها السياسي، وفي ظل هذه الظروف، فإن إرسال قوات عسكرية للانخراط في حرب جديدة في اليمن قد يحرض الجماعات المتطرفة الداخلية على شن حملات دعائية واسعة ضد الحكومة والجيش.

ورغم أن التغذية الفكرية والمالية لبعض الجماعات المتطرفة في باكستان تنبع من شبه الجزيرة العربية، إلا أن هذه التيارات قد تفسر مشاركة باكستان إلى جانب السعودية على أنها حرب طائفية، وتستغل ذلك لإحداث شرخ بين المجتمع والحكومة.

ومع أن الحكومة الباكستانية تحاول عادةً تعريف علاقاتها مع السعودية في إطار التعاون الإسلامي والدفاع عن سيادة الدول، إلا أنه في الفضاء السياسي والديني الباكستاني، يمكن لأي حضور عسكري في حرب اليمن أن يمتزج سريعاً بالسرديات الطائفية والمناهضة للحكومة، ومن هنا، فإن إسلام آباد تخشى أن يؤدي قرار خارجي إلى تفعيل جبهات عدم الاستقرار الداخلي بشكل أكبر.

أما التحدي الثاني، فهو قضية الانفصاليين البلوش وانعدام الأمن في إقليم بلوشستان، فإقليم بلوشستان الباكستاني شاسع جغرافياً، لكنه محروم من حيث البنية التحتية والاقتصاد، ويواجه منذ سنوات استياءً قومياً، واحتجاجات على توزيع الموارد، ومعارضة للمشاريع العسكرية والاقتصادية، وأنشطة للجماعات المسلحة الانفصالية، وقد استهدفت جماعات مثل جيش تحرير بلوشستان وغيرها من المنظمات المسلحة مراراً وتكراراً القوات الأمنية، والمشاريع العمرانية، والمنشآت الحكومية، والرعايا الأجانب.

ويقع ميناء غوادار والممر الاقتصادي بين باكستان والصين في هذه البيئة المضطربة، وأي انعدام للأمن في بلوشستان من شأنه أن يلحق الضرر بمصالح الصين، والمسارات التجارية، ومشاريع الطاقة، وتحتاج باكستان إلى حضور واسع للقوات العسكرية والأمنية لتأمين بلوشستان، وإن نقل جزء من هذه القوات إلى السعودية أو تخصيص القدرات العملياتية للجيش لجبهة خارجية، قد يُفسر من منظور الجماعات الانفصالية على أنه مؤشر على تراجع ضغط الحكومة في الداخل، وقد يؤدي هذا الوضع إلى تشابك المنافسات الإقليمية، وأنشطة الجماعات الوكيلة، والقضايا القومية، مما يحول أزمة بلوشستان من نزاع داخلي إلى ملف دولي معقد.

والمشكلة الأخرى البالغة الأهمية بالنسبة لباكستان هي العلاقات المتوترة مع الحكام في أفغانستان، فبعد عودة حركة طالبان إلى سدة الحكم، كان توقّع إسلام آباد أن تحول الحكومة الأفغانية الجديدة دون نشاط تحريك طالبان باكستان، وألا تسمح بتحول المناطق الحدودية الأفغانية إلى ملاذ آمن للجماعات المسلحة المناهضة لباكستان. غير أنه على أرض الواقع، شهدت العلاقات بين الطرفين توترات متكررة بسبب الخلاف حول خط ديورند، وحركة العبور الحدودية، ووجود مسلحي تحريك طالبان باكستان، فضلاً عن الهجمات العابرة للحدود، حتى باتت هذه القضية اليوم صدعاً أمنياً نشطاً.

وتدّعي باكستان أن الفصائل المسلحة المعارضة لها تحتمي بالأراضي الأفغانية، ومن هناك تدير وتنظم عملياتها؛ وهي الفصائل نفسها التي كانت حتى سنوات قليلة خلت تحظى بالدعم والتسليح من قبل الاستخبارات العسكرية الباكستانية (ISI) ضد أمن واستقرار واطمئنان حكومة وشعب أفغانستان. بيد أن حكومة كابل الحالية، التي هي في الأصل نتاج وصناعة باكستانية، ترفض هذه الاتهامات أو تقلل من حجم مسؤوليتها، مؤكدةً في المقابل على الخلافات التاريخية والعرقية على طول الحدود.

وقد فرض هذا النزاع ضغطاً أمنياً مستمراً على باكستان على امتداد حدودها مع أفغانستان، وأي تصعيد في حدة هذا التوتر مع أفغانستان من شأنه أن يؤدي إلى إغلاق المعابر الحدودية، وتراجع حركة التجارة، ونزوح السكان، وتصاعد وتيرة الهجمات الإرهابية، وربما المواجهة المباشرة بين قوات البلدين.

وفي ظل هذه المعطيات، يُستبعد أن تكون لدى القادة العسكريين الباكستانيين رغبة في العمل والانتشار بالتزامن على جبهات الحدود الأفغانية، وبلوشستان، وكشمير، واليمن؛ إذ إن القدرة العسكرية لأي دولة تظل محدودة، وبطبيعة الحال لا يستطيع الجيش الباكستاني، دون تحمل تكاليف باهظة، إدارة جبهات برية وبحرية متعددة في آن واحد، وعليه، فإن التهديدات اللفظية الصادرة عن وزير الدفاع الباكستاني حيال أي هجوم على السعودية ينبغي تفسيرها في سياق الردع وتوجيه رسالة سياسية إلى الرياض، لا باعتبارها إعلاناً قاطعاً عن الجاهزية لدخول الحرب في اليمن.

وفي الجبهة الشرقية لباكستان، لا يزال التحدي القائم مع الهند يشكل أحد أهم العوامل المحددة للسياسة الأمنية لإسلام آباد، فالخلاف على كشمير، والسباق النووي، والنزاعات الحدودية، والتنافس البحري في المحيط الهندي، وفقدان الثقة العميق بين البلدين، إلى جانب التعاون الاستراتيجي الوثيق بين الهند و"إسرائيل" وما يمثله الكيان الصهيوني من تهديدات لباكستان، كلها عوامل دفعت باكستان إلى تخصيص جزء كبير من ميزانيتها الدفاعية وقدراتها العسكرية لمواجهة الهند.

وحتى في الفترات التي يسود فيها وقف إطلاق النار بين الجانبين، يبقى احتمال اندلاع أزمات مفاجئة، ووقوع هجمات حدودية، وعمليات انتقامية، وحرب إعلامية، قائماً باستمرار؛ فلا يمكن لباكستان أن تتجاهل العامل الهندي وتسخر جزءاً كبيراً من سلاحها الجوي والبحري والصاروخي لخدمة عملية عسكرية طويلة الأمد في شبه الجزيرة العربية.

ومن جهة أخرى، عززت الهند علاقاتها الاقتصادية والأمنية مع دول الخليج الفارسي، حيث سعت كل من دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية خلال السنوات الماضية إلى تطوير شراكاتهما مع نيودلهي في مجالات الطاقة، والاستثمار، والتكنولوجيا، وإدارة الموانئ، والأمن البحري.

ومن هذا المنطلق، يتعين على إسلام آباد توخي الحذر الشديد حتى لا يتطور التعاون العسكري مع السعودية إلى مسار تعتبره الهند خطوة تعزز الحصار الأمني على باكستان أو توسع نفوذ خصومها في بيئتها الإقليمية المحيطة،  وفي حال انخراط باكستان في حرب اليمن، فقد تستغل الهند الفرصة السانحة لتعزيز وجودها البحري والأمني والاقتصادي في المحيط الهندي وبحر العرب، وهو ما يعد في تقدير القادة الباكستانيين مآلاً استراتيجياً غير مرغوب فيه بالمرة.

أما على الصعيد الداخلي والسياسي، فتواجه باكستان انقسامات حادة؛ فالشرخ القائم بين الحكومة والجيش وأحزاب المعارضة، والاحتجاجات الانتخابية، وانعدام ثقة الشارع بالمؤسسات السياسية، واعتقال قادة المعارضة، والتناحر بين التيارات الحزبية، كلها عوامل جعلت الجبهة الداخلية للبلاد هشة للغاية.

وأي قرار عسكري يتعلق بالخارج كفيل بإشعال سجال حاد في البرلمان ووسائل الإعلام وأروقة الشارع الباكستاني؛ حيث يُرجح أن توجه قوى المعارضة اتهامات للحكومة بأنها تفرط في المصالح الوطنية وتقدمها قرباناً للمطالب السعودية مقابل الحصول على مساعدات مالية.

وفي المقابل، تجد الحكومة نفسها مضطرة للحفاظ على علاقاتها مع الرياض لضمان استمرار دعم المؤسسة العسكرية، وتأمين التمويل المالي، وتفادي تفاقم الأزمة الاقتصادية الخانقة. وهذه الازدواجية والمفارقة تكبل يدي الحكومة وتمنعها من اتخاذ أي قرار علني وتصعيدي في الملف اليمني.

وحتى لو تضمنت معاهدة الدفاع المشترك بين باكستان والسعودية بنداً ينص على اعتبار أي هجوم على السعودية هجوماً على باكستان، فإن التفسير العملي لهذا البند سيظل رهناً بنوع الهجوم، ومكان وقوعه، وحجم الخسائر الناجمة عنه، فضلاً عن التقدير السياسي لكلا الطرفين، فهجوم صاروخي يستهدف منشأة نفطية في السعودية، أو عملية عسكرية محدودة في المناطق الحدودية، أو استهداف سفن تجارية، أو شن هجوم مباشر على المدن الكبرى؛ كل سيناريو منها قد يستدعي رداً مختلفاً تماماً.

ولذلك، قد تلجأ باكستان بدلاً من إرسال قوات برية إلى اليمن إلى اتخاذ تدابير بديلة؛ مثل تعزيز نشر منظومات الدفاع الجوي، وتقديم العتاد العسكري، وتدريب القوات السعودية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتأمين حماية المعدات والتجهيزات. وهذا النمط من الدعم يمكن إسلام آباد من الوفاء بالتزاماتها الأمنية إلى حد ما، دون أن تنزلق بها الحال لتصبح طرفاً مباشراً في أتون الحرب.

ومن جانب آخر، تشكل علاقات باكستان مع إيران عاملاً رادعاً بالغ الأهمية، فإيران دولة جارة وملاصقة لباكستان جغرافياً، وتفرض المشتركات الأمنية وخطوط أنابيب الطاقة والشريط الحدودي الطويل عبر إقليم بلوشستان على الجيش الباكستاني ضرورة عدم الإخلال بتوازن القوى بين طهران والرياض لصالح أي من الطرفين.

إذ سيُفهم أي تدخل مباشر في اليمن فوراً على أنه مواجهة علنية مع المصالح الاستراتيجية الإيرانية؛ وهو المأزق الذي سعت إسلام آباد دائماً لتفاديه عبر انتهاج دبلوماسية التوازن، فالبلدان يشتركان في حدود برية شاسعة، ويواجه كلاهما تحديات معقدة تتعلق بأمن بلوشستان، وعمليات التهريب، ونشاط الجماعات المسلحة، وحركة العبور غير النظامية.

وبالرغم من حرص باكستان على توطيد علاقات وثيقة مع السعودية، إلا أنها لا تستطيع بأي حال تجاهل إيران، أو الانخراط في حرب تعتبرها طهران جزءاً من الضغط الخارجي على محور المقاومة والشعب اليمني، وتأجيجاً للفتنة المذهبية. إن الحفاظ على سياسة تصفير التوترات مع إيران، وضمان أمن الحدود الغربية، وتطوير التعاون الاقتصادي وفي مجالات الطاقة والتجارة الحدودية والأمن مع الجمهورية الإسلامية، يمثل أولوية حيوية لباكستان؛ وأي تحرك مباشر من قبلها ضد صنعاء من شأنه أن يعكر صفو هذه العلاقات.

كما تدرك باكستان تماماً أنها في هذه المرحلة الحساسة، التي تلعب فيها دور الوسيط الفاعل في خضم التصعيد الأمريكي ضد إيران، فإن أي خطوة ضد اليمن قد تزج بعلاقاتها مع طهران في أتون أزمة حقيقية، وستنعكس سلباً في الوقت ذاته على علاقاتها مع العراق والصين وغيرها من دول المنطقة.

إلى جانب ذلك، فإن الخلافات المتصاعدة بين السعودية والإمارات تزيد من تعقيد حسابات إسلام آباد، فكلا البلدين يمثلان شريكين اقتصاديين استراتيجيين لباكستان، غير أن أهدافهما وأدواتهما في الملف اليمني لم تكن متطابقة دوماً، فمع اتساع هوة التباين، سعت السعودية إلى فرض نفوذها في المناطق التي كانت تخضع لسيطرة أبوظبي، في حين لا تزال الإمارات تحتفظ بصلات وثيقة مع القوى المحلية في جنوب اليمن وعلى مستوى الموانئ والجزر الاستراتيجية.

إن التنافس المحموم حول الموانئ والجزر والممرات الملاحية والنفوذ السياسي في الجنوب اليمني، والذي كان جانباً من الخلافات المكتومة بين القوتين الخليجيتين، قد طفا اليوم على السطح وبات مكشوفاً بالكامل.

وباكستان، التي دخلت المشهد دعماً للسعودية، تجد نفسها اليوم في مواجهة الشبكات المدعومة إماراتياً، مما أضفى طابعاً ضبابياً على العلاقات بينهما وقوّض توازنها الهش، ويكتسي هذا الأمر حساسية اقتصادية بالغة، نظراً لحاجة باكستان الماسة لكل من الرياض وأبوظبي معاً، إذ لا تستطيع إسلام آباد الانحياز لطرف دون الآخر؛ فأي تقليص في الاستثمارات الإماراتية، أو وقف للمساعدات المالية، أو ضغط للمطالبة بسداد الديون، كفيل بمفاقمة الأزمة الاقتصادية الباكستانية، كما أن الدعم المطلق للسعودية قد يثير ريبة أبوظبي وتشكيكها في نوايا باكستان.

وبناءً على ذلك، فإن السياسة الأرجح لإسلام آباد ستكون التمسك بالغموض الاستراتيجي، وإعلان التضامن مع أمن السعودية، مع التحفظ الصارم وتجنب تقديم أي التزام صريح بالمشاركة في عمليات هجومية ضد اليمن.

أما من منظور صنعاء، فإن التحذير باستهداف البنية التحتية النفطية وخطوط التصدير السعودية لا يمثل مجرد تهديد عسكري عابر، وإنما هو أداة ضغط سياسي واقتصادي استراتيجية، وتسعى اليمن وأنصار الله من خلالها إلى إفهام الرياض بأن تصعيد وتيرة الحرب سيكبد أمن الطاقة واستقرار الاقتصاد السعودي ثمناً باهظاً ومباشراً.

وإذا ما أقدمت باكستان في هذه المرحلة على الانخراط في عمليات عسكرية مباشرة، فقد تدخل المنشآت المرتبطة بالتعاون العسكري السعودي الباكستاني ضمن قائمة بنك الأهداف، لتجد إسلام آباد نفسها تدفع كلفة باهظة لا تتناسب إطلاقاً مع مصالحها الحقيقية؛ فباكستان لا تشترك في حدود جغرافية مع اليمن، وليست لديها أي مطامع أو نزاعات إقليمية معه، كما أن اليمن لا يمثل سوقاً كبرى لصادراتها تبرر خوض الحرب لأجلها، ناهيك عن أن الجيش الباكستاني لا يمتلك القدرة على تغيير موازين القوى الميدانية لصالح السعودية من خلال عمليات عسكرية محدودة.

وفي المحصلة، ستكون الاستراتيجية العقلانية لباكستان متمثلة في الحفاظ على دور دفاعي ووسيط ومحدود النطاق، فبإمكان إسلام آباد دعم سيادة السعودية وسلامة أراضيها، والمساهمة في حماية المنشآت النفطية والمدن السعودية، والوساطة لخفض حدة التوتر بين الرياض وصنعاء، والتشديد على الحل السياسي للأزمة اليمنية؛ غير أن توغل القوات البرية الباكستانية في الأراضي اليمنية، أو مشاركتها المباشرة في استهداف مواقع حركة أنصار الله، لا ينسجم بأي حال مع الحقائق الأمنية والاقتصادية للبلاد.

ومن هذا المنطلق، فإن معاهدة الدفاع المشترك مع السعودية، بدلاً من أن تكون تفويضاً مفتوحاً وغير مشروط لدخول باكستان أتون الحرب، تمثل في جوهرها أداة للردع، وضمان أمن الأراضي السعودية، والحفاظ على المصالح الاقتصادية المتبادلة لكلا الطرفين، وما لم يقع هجوم واسع النطاق ومباشر على الأراضي السعودية تراه القيادة الباكستانية تهديداً وجودياً لأمن حليفها، فإن احتمالية التدخل المباشر والهجومي لإسلام آباد في حرب اليمن ستظل منخفضة للغاية؛ وسيبقى المسار الحاكم للسياسة الباكستانية منحصراً في الدعم المحدود والدفاعي والمضبوط للسعودية.

وبالنسبة للجيش الباكستاني، المستنفر بالكامل في حالة تأهب قصوى على جبهتيه الشرقية والغربية، فإن الانخراط العملياتي والهجومي في المستنقع اليمني يعد بمثابة انتحار استراتيجي وفقدان للتركيز على أولويات البقاء والأمن القومي.

أضف إلى ذلك أن شريحة كبيرة من سكان باكستان هم من المسلمين الشيعة، نحو 20 بالمئة، كما أن المجتمع السني الباكستاني ليس بالضرورة متطابقاً مع القراءات أو التوجهات الإقليمية للرياض؛ وعليه، فإن أي خطوة هجومية ضد أنصار الله والشعب اليمني من شأنها تحريك الصدوع الطائفية داخل باكستان وإشعال موجة من الاضطرابات في المدن والعنف الداخلي التي لن تقوى أي حكومة في إسلام آباد على احتوائها.

إن تسارع التحولات الميدانية كأحجار الدومينو، وتثبيت اليمن بقيادة أنصار الله لسيطرتها على الجغرافيا الحيوية، وإشرافها الكامل على مضيق باب المندب والجزر الاستراتيجية في البحر الأحمر، فضلاً عن قدرتها على تغيير موازين القوى العسكرية، كلها عوامل وجهت رسالة واضحة لا لبس فيها إلى باكستان، وهي أن أنصار الله ليست متغيراً قابلاً للإلغاء أو الاستئصال، وإنما غدت جزءاً أصيلاً لا يتجزأ ومهيمناً على المستقبل السياسي لليمن.

وتقتضي العقلانية العسكرية للجيش الباكستاني عدم الدخول في صراع أعمى وعديم الجدوى مع طرف أثبت قدرته على الصمود والتقدم في ظل حصار شامل ومطبق؛ فالانخراط المباشر في حروب العصابات والمعارك الجبلية ضمن جغرافيا مجهولة ووعرة مثل اليمن لن يفضي إلا إلى استنزاف القوات وتكبد خسائر تلحق أفدح الأضرار بالهيبة العسكرية.

إن خوض غمار النزال ضد مقاتلين متمرسين يملكون دافعاً أيديولوجياً، وإحاطة تامة بطبيعة الأرض، وتاريخاً طويلاً في المقاومة، لن تكون نتيجته، حتى بالنسبة للقوى العسكرية الكبرى، سوى السقوط في مستنقع موحل، وهي الحقيقة الميدانية التي عجزت السعودية عن استيعابها، فارتضت لنفسها أن تلعب دور مشاة الميدان لكل من أمريكا وكيان العدو الإسرائيلي،  وبعد سنوات طوال من الحرب المستعرة، وتدمير البنى التحتية، وسفك دماء اليمنيين وحصارهم، لم تجنِ السعودية بن سلمان حتى الآن سوى تبديد الثروات وتآكل الهيبة السياسية والعسكرية.

وبالتالي، فإنه لن يقدم أي فاعل عقلاني على التضحية ببقائه ومصالحه الحيوية في سبيل حرب استنزافية محتومة الخسارة سلفاً، لمجرد مساندة حليف بات عالقاً في شباك مستنقع حساباته الخاطئة.


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر