حسين بن محمد المهدي
{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}.
العاقل من يؤدي واجبه، ويتقِنُ عملَه، ويحسن صنعتَه، حتى يَكسبَ ثقةَ الناس؛ فمن أخلص في عمله نجح، وأحبه الله والناس، وارتفعت مكانتُه، وأدَّى أمانتَه، وأمن من العذاب والإهانات، وأسعده زمانَه، وظفر بحب المجتمع واحترامه، وقد كان رسولُ الله -صلى الله عليه وآله وسلم- إذَا عمل عملًا أثبته.
فإتقان العمل أمانة، والإخلاص في الصنعة عبادة، وخدمة الناس طريق إلى رضوان الله.
إنَّ التصنيعَ يُعَدُّ حجرَ الزاويةِ في عمليةِ التنميةِ الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ والسياسيةِ والعسكرية، وبهِ تُبنى الحضاراتُ، وتستقلُّ الأمم، وتتحرّر الشعوبُ من التبعيةِ والاحتياج.
فالأمم القويةُ لم تبلغْ ما بلغتْهُ إلا بالعلمِ والعمل، وإتقانِ الصنعة، وتسخيرِ العقولِ والطاقاتِ فيما ينفعُ الناسَ ويقوِّي أوطانهم.
وتتعدَّدُ أنواع الصناعاتِ وتتشعَّبُ مجالاتُها؛ فمن صناعةِ السياراتِ والطائراتِ والسفنِ والبواخرِ والغواصات -وهي ضرورةٌ لتيسيرِ حياةِ الناسِ وانتقالهم إلى أعمالِهم، وحملِ أثقالِهم ومتاعِهم في أسفارِهم- إلى صناعةِ الدباباتِ والصواريخِ والمدرعاتِ والأقمارِ الصناعية، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، فالقوةُ اليومَ لا تقومُ إلا على الصناعةِ والعلمِ والتقنية.
وكذلك صناعةُ الحُلِيِّ والجواهر، والأدوات الهندسيةِ والطبيةِ والرياضية، وصناعةُ الأدوية، وسائرُ الصناعاتِ الإلكترونيةِ والتقنيةِ، إلى غيرِ ذلك من المجالاتِ التي لا يكادُ يحصرُها العدُّ، لما لها من أثرٍ في راحةِ الإنسان وتقدُّمِ المجتمعات.
واليمنُ –بما حباهُ اللهُ من خيراتٍ وثروات– يمتلكُ مقوماتٍ عظيمةً للنهوضِ الصناعي؛ ففيه مناجمُ الذهبِ والفضةِ والحديدِ والنحاسِ والرصاص، وفيه الموادُّ البتروليةُ ومشتقاتُها التي تدخلُ في مختلفِ الصناعات، وكلُّ ذلك نعمةٌ تستوجبُ حسنَ الاستغلال، لا الإهمال والتضييع.
ومن الواجبِ أن تتجهَ الجهودُ نحوَ إنشاء الصناعاتِ الوطنية، والاهتمام بتصنيعِ العملةِ من الذهبِ والفضةِ؛ فمنجم "مسور حجّـة" الذهبي يُعد الأكبر في العالم -وفقًا لما صرّح به رئيس شركة " كانتكس" في عام ١٩٩٦م في مقابلة نشرتها صحيفة الأيّام - وهذا يتطلب العمل الدؤوب حتى لا تبقى البلادُ رهينةَ الحصارِ والتبعيةِ النقدية.
وكذلك يجب تطويرُ صناعةِ الحديدِ في مختلفِ المجالات، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾، فجمعَ سبحانَه بينَ القوةِ والمنفعة، إشارة إلى عظيمِ أثرِ هذه الصناعةِ في حياةِ الأمم.
وقد تجلَّى هذا الحثُّ على القوة والرفعة في شَحْذِ الهمم وصياغة الآمال:
كُنْ قويَّ العزمِ مقدامَ بطل ** واجعلِ الإتقانَ دستورَ العملْ
إنَّما الأوطان تسمو رفعةً ** بسواعد تبني بعزم لا يكل
وارفعِ الصرح بعلمِ نافع ** فالعلا تبنى بفكر مكتمل
كم حضاراتٍ علت في عصرِها ** يومَ كانت للصناعات الأول
فاصنع الطائرة الكبرى ولا ** ترض بالتقليد في عصر الزلل
واصنعِ الصاروخَ درعًا رادعا ** يحفظ الأوطان من شر الدول
واستخرج المعدن الغالي الذي ** أودع الرحمن في عرض الجبل
واصنع التبر نقودا عزة ** كي يعيش الشعب حرا لا يذل
إن في الحديد بأسا ظاهرا ** ومنافع تهدي إلى خير العمل
قد دعا القرآن إلى الأخذ به ** فبه تحيا الشعوب وتكتمل
وقد أرشدَ اللهُ أنبياءَهُ إلى العملِ والصناعة، لعظيمِ نفعِهما ورفعةِ شأنِهما؛ فهذا نبيُّ اللهِ داوودُ عليه السلامُ علَّمهُ اللهُ صناعةَ الدروع، فقال سبحانه: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾، وقال له: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
وكذلك نوحٌ عليه السلامُ صنعَ السفينةَ بأمرِ الله، فكانت سببًا للنجاة، وفي ذلك دلالةٌ على أنَّ العملَ والإنتاج والصناعةَ سننٌ ربانيةٌ تقومُ بها الحياة.
وهذا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ينزل إليه كتاب يُتلى إلى يوم القيامة: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}.
ومن الحكمة تصنيع كُلِّ ما ينفع الأُمَّــة ويدفع عنها البلاء والشر، فبعث الهمم على العمل الصالح واتقانه طريق فلاح المؤمن وفلاحه، وهو دليل على صدق المؤمن وإيمانه، وأن العمل الصالح في الدنيا والآخرة يورث الإنسان الكرامة والسعادة، فهو أَسَاس الخير والفلاح والخلود في الجنة: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}.
فإتقان العملِ من أعظم القُرُبات، وقد قال النبيُّ صلىُ اللهُ عليه وآله وسلم: «إنَّ اللهَ يحبُّ إذَا عملَ أحدُكم عملًا أن يُتقنه».
فالعاملُ المتقنُ، والمهندسُ المخلصُ، والطبيبُ الأمينُ، والصانعُ الصادقُ، كلُّهم جنودٌ في بناءِ الأُمَّــة وخدمةِ الإسلام الإنسانية جمعا، وكما نقول في تبيان قيمة الجد ونبذ الفراغ:
ليس يُحيي المجدَ لحنٌ فارغٌ ** أَو خطى تمشي بظن وزلل
إنَّ خيرَ الناسِ من أتقنَ ما ** يصنعُ اليومَ بإخلاصٍ حصل
واطلبِ الأجرَ من اللهِ الذي ** ضاعفَ الحسناتِ في خيرِ العمل
واجعلوا الإحسان في أعمالكم ** زادَ روح وضياء وأمل
إنما الإنسان يسمو سؤدد ** حين يبني الأرضَ بالفكر الأجل
فانهضوا يا قومُ للمجد الذي ** لا يُنَالُ اليومَ إلا بالعمل
وفي هذه الأيّام العظيمة المباركةِ التي يتضاعفُ فيها الأجرُ والثواب، يكونُ العملُ الصالحُ أعظم قدرًا، وأجلَّ أثرًا؛ فالساعي في مصالحِ الناس، والمجتهدُ في إعمارِ الأرض، والمخلصُ في حرفتِه وصنعتِه، ينالُ بإذنِ اللهِ ثوابَ العبادةِ إذَا صحَّتْ نيتُه، وقصدَ نفعَ عبادِ اللهِ وخدمةَ دينِه وأمتِه.
ومن هنا، فإنَّ الواجبَ على الشبابِ أن يُقبِلوا على ميادينِ العملِ والعلمِ والإنتاج، وأن يتركوا الكسلَ والتواكل، فالأمم لا تبنى بالأماني، وإنما تُبنى بسواعدِ العاملين، وعقولِ المبدعين، وإرادَة الصابرين.
فالسعي في مناكب الأرض واستخراج دفائنها وتصنيع حديدها وتبرها من أعظم القربات إلى الله، فاليد التي تصنع، والعقل الذي يبتكر، والنفس التي تتقن هي السند الحقيقي لسيادة الوطن، ورفعة الأُمَّــة.
يكفي اليمن فخرًا أن أنصار الله في يمن الإيمان والحكمة كانوا من المبادرين لتصنيع الطائرات المسيّرة، والصواريخ المجنّحة، والصواريخ الفرط صوتية، وتطوير القوة البحرية والبرية والسعي الحثيث إلى كُـلّ ما ينفع اليمن ويكبح جماح الأعداء ويمنعهم من الاعتداء على اليمن.
ومما يزيدُ الأُمَّــةَ الإسلامية رفعةً ومكانةً امتلاكُ الجمهورية الإسلامية في إيران الأسلحةَ والصواريخ التي تذيقُ بها الصهيونيةُ بأسَها الشديدَ وامتلاكها للأقمار الصناعية ومساهمتها في مجال التصنيع في مختلف مجالات الحياة، وبما يرفعُ شأنَ الأُمَّــة ويعلي مكانتَها ويجعلها تعتمد على صناعتها، فبالصناعة والعمل تبنى دعامة الحياة وبه قوامها وأَسَاس بناء المجتمعات واستقرارها ونماءها.
وصدق الله العظيم؛ إذ يقول: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}، {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
* عضو رابطة علماء اليمن



.png)

.png)

.jpg)