إسحاق المساوى
عندما ننظر إلى المشهد الإعلامي السعودي الموجه للجمهور المحلي، نكتشف ظاهرة لافتة تستحق التوقف.
على سبيل المثال، القنوات السعودية التي تخاطب المواطن السعودي، تنشغل بمواضيع مثل "بيئة العمل السامة" كنقاشات تلفزيونية مطولة، وكأنها تعيش في واقع مواز لا علاقة له بمغامرات نظامها السياسي في اليمن، وتداعياته على مستقبل الشعب السعودي.
هذه الظاهرة تكشف عن حالة "ترفية" مقصودة تعكس أولويات رسمية تجاه ما يستهلكه الجمهور السعودي من محتوى، وما يُستبعد من أجندته.
ويظل الاعتقاد السائد لدى البعض أن التأثير في الجمهور السعودي يمكن أن يتم عبر "بوابة المعارضة" أو الحسابات السعودية المخصصة لمخاطبة الجمهور اليمني كحسين الغاوي والفيفي والعريشي والحدث اليمني..الخ، وهذا اعتقاد غير صائب كليا، لأسباب كثيرة لا مجال لشرحها الآن.
والمواطن السعودي اليوم يعيش في عزلة شبه تامة عن كوارث حرب اليمن التي تشنها دولته، ليس لأنه غافل، بل لأن سياسة الإعلام المحلي صممت بعناية لإبقائه بعيداً عن هذه التفاصيل.
فيما صناع القرار في الرياض يدركون أن الشرعية الشعبية لأي قرار استراتيجي هي ركيزة أساسية، ولذلك يحرصون على تشكيل وعي الجمهور بما يخدم توجهاتهم، لا بما يعكس حقائق ما يجري، وبالتالي من يعتقد أن النظام السعودي بطبيعة هويته الملكية لا يأبه كثيرا لرأي شعبيه وتوجهاته هو اعتقاد خاطئ.
التاريخ السعودي الحديث يزخر بأمثلة تُظهر مدى وعي النظام بأهمية الموقف الشعبي، فمثلا، في حرب الخليج الأولى، حين قرر الملك فهد تدخل بلاده بكل ثقلها العسكري لاستعادة الكويت، سبقه استراتيجية إعلامية دقيقة تمثلت في توزيع النازحين الكويتيين على جميع مناطق المملكة، رغم اتساع الجغرافيا.
وعندما سُئل الملك فهد عن سبب هذا التوزيع، أجاب: "أردت أن يروي الكويتيون النازحون لكل سعودي جرائم الجيش العراقي"، فكان الملك فهد يدرك أن الحرب تحتاج إلى غطاء شعبي، وأنه لا يمكن خوض معركة بهذا الحجم دون أن يكون المواطن السعودي شريكاً فيها عن قناعة.
الأمر تكرر في عهد الملك عبدالله، حين استدعى أعيان القبائل وأهالي الأسر المعنية لإعلان البراءة من "عناصر إرهابية" نفذت تفجيرات حي السفارات، قبل أن يطلق حرباً على تنظيم القاعدة، فكانت هذه الآلية جزء من منظومة عمل مؤسسية في اتخاذ القرار السياسي السعودي، حيث تعتبر الشعوب شريكاً عرفياً بالقرار عبر آليات خاصة لا تشبه ما يحدث في الأنظمة الديمقراطية، لكنها في النهاية تحقق هدف تأمين شرعية داخلية للقرارات المصيرية.
ربما أكثر الدروس إيلاماً للنظام السعودي كان في السبعينات، حين تعرضت المملكة لقصف مصري مصحوب بحملة إعلامية غير مسبوقة.
الإعلام المصري آنذاك كان مؤثراً بشكل لافت في الموقف الشعبي السعودي والعربي بشكل عام، لدرجة أن الملك فيصل لم يجرؤ على الرد عسكرياً على مصر، مدركاً أن الشارع السعودي متأثر بالإعلام المصري، وأنه قد لا يحصل على الغطاء الشعبي الكافي لردع المعتدي، لذا لجأ إلى خيار آخر، فقدم شكوى مطولة لأمريكا حول تأثير الإعلام المصري على السعودية، لايقاف حملاته عليها.
هذه الحادثة تؤكد أن النظام السعودي يضع الإعلام في سلم أولوياته الأمنية والاستراتيجية، ولا يتهاون في مواجهة أي تأثير إعلامي خارجي يعتبره تهديداً لتماسك موقفه الشعبي.
اليوم، السعودية تعيش مرحلة بناء هوية جديدة في ظل رؤية 2030، وهذا البناء، رغم ضخامته، ما زال هشاً ولم يترسخ بعد في وجدان الشعب السعودي بالكامل.
الثابت أن الشعوب في مراحل التحول تكون أكثر تقبلاً للتأثيرات الخارجية، وأكثر استعداداً لمراجعة مواقفها.
وهذا يعني أن التأثير في اتجاهات الرأي العام السعودي اليوم، أصبح أكثر جدوى مما كان عليه في العقود الماضية، وإن خلق تباين -وإن كان مضمراً- بين الموقف الشعبي والرسمي في السعودية، هو أحد أهم بوابات وقف العدوان على اليمن.
ونلحظ أنه كلما شعر النظام بوجود فجوة بين ما يفعله وما يقبله مواطنوه، تضطر آليات صنع القرار إلى المراجعة، وهنا يمكن تفكيك الكيان الذي صنعته الدعاية بالدعاية نفسها.
وهذا يحتم علينا ننقل المعركة الإعلامية إلى العمق السعودي، ونغير أولويات المواضيع في الإعلام السعودي، وذا لم نعمل ذلك فلن يتوقف العدوان على اليمن، لأن الإعلام السعودي اليوم في حالة "ترفية" بامتياز، ومنشغل بقضايا سطحية تُبعد المواطن عن جوهر ما تفعله دولته، وكسر هذه العزلة هو الطريق الوحيد لجعل السعودي أداة ضغط على نظامه.
وامتلاك اليمن لإعلام قوي متنوع مسيطر محلياً ومؤثر في السعودية والإقليم يقلص إلى حد كبير الاعتماد على التدخل السياسي أو العسكري لانتزاع حقوقنا، وبدون ذلك، سيظل التعويل والضغط كله على الأداة العسكرية بما تحمله من كلفة كبرى.




.png)

.jpg)
