نبيل بن جبل
من الخطأ البالغ اختزال المشهد في عبارة: "نحن شجعان وهم جبناء"؛ فهذا تفسيرٌ سطحيٌّ لا يلامسُ جوهرَ القضية ويغفل الفارق الجوهري بين مشروع حق لا يخالطه باطل ومشروع باطل محض لا يشوبه حق.
وأعني بذلك ما يتعلق بهروب وهزيمة جيش الانتقالي في الجنوب من عدد محدود من الغارات السعودية في مقابل صمودنا وثباتنا أمام مئات الآلاف من الغارات والزحوفات والهجمات لأكثر من أحد عشر عامًا والتي رافقها حصارٌ خانق وشامل وتآمر أكثر من سبعَ عشرةَ دولة تحالفت ضد شعبنا ظلمًا وعدوانًا.
أيها الإخوة ليست قضية شجاعة وجبن وإنما هي قضية خِذلان من الله للباطل وأهله في مقابل نصره وتأييده وتمكينه للحق وأهله.
إن الفارق الحقيقي بيننا وبينهم هو عدالة قضيتنا ومشروعية مشروعنا فنحن نتحرك على أساس قضية الأمة قضية الحق ونصرة الدين والمستضعفين من عباد الله ومشروعنا مشروع إلهي قرآني غايته بناء الإنسان وبناء الأمة على ما يحقق لها عزتها وكرامتها وصلاحها وفلاحها في الدنيا والآخرة.
ونحن ندرك يقينًا أن هذا المشروع وهذه القضية محفوفان بالمخاطر وأن السير فيهما لا يكون إلا بالصبر والثبات والتضحية والبذل والعطاء ولذلك وطَّنا أنفسَنا على تحمل تبعاته؛ فصبرنا وجاهدنا وضحينا وثبتنا في ميادين المواجهة والجهاد مهما عظمت التضحيات واشتدت المحن وتعاظمت المخاطر.
وهذا المشروع الذي نتحرك من أجله ونُقَدِّمُ في سبيله الشهداءَ والجرحى هو مشروعٌ يقفُ اللهَ سُبحانَه وتعالى وراءه ويقتضي الصبرَ والعملَ والحركة ومواصلة البذل والتضحية والاستمرار في النفير لأن عاقبته مضمونة ووعده النصر والفوز والفلاح والتمكين والنجاة في الدنيا والآخرة.
وفي الوقت نفسه فهو مسؤوليةٌ عظيمة لا يسعنا التنصل منها؛ لأن عاقبة التفريط فيها ليست إلا الخزي والذل والعبودية وغضب الله.
ولهذا فإن خيارَنا هو المضي قدمًا مهما كانت التحديات وكيفما آلت إليه الأمور دون تراجع أو تردد.
أما الانتقالي وبقية لفيف الخونة فإنهم يتحركون وجنودهم بالريال والدرهم والريمونت تحت مظلة مشاريع سياسية تحركهم الأطماع والمصالح والمقاصد الشخصية والحزبية والطائفية وهي أهداف لا تمتلك أثرا حقيقيا في واقع الحياة ولا تترك في نفوس مقاتليهم ومؤيديهم دافعا راسخا للصمود والثبات.
وكل مشاريع الخيانة والارتزاق والموالاة للظالمين والممالأة لطغاة الجور والضلال ليست إلا مشاريعَ طغيان وفساد في الأرض وقهر للمستضعفين وتجبر واستكبار.
ولذلك كان الخِذلان حليفها ولن يعرفَ أصحابُها الثباتَ عند الشدائ؛ إذ يجبنون عند المواجهة ويهربون من ميادين التضحية ويتراجعون كلما تعارضت المواجهة مع مصالحهم ويخضعون لقوى الاستكبار ولا يثبتون أمامها أبدًا؛ لأنهم مخذولون من قبل الله واللهُ سبحانَه هو الذي يقذف الرعب والخوف في قلوب المنافقين وأعوان وجنود الباطل
إن القضية ليست مجرد مقارنة بين شجاعة طرف وجبن آخر، هي مقارنة بين مشروع حق ومشروع باطل وبين من يستند إلى قضية عادلة ومن يرتهن لمشاريع الغزو والاحتلال.
ولهذا فإن اختزالَ ما جرى في مسألة الشجاعة وحدَها لا يعبّر عن حقيقة المشهد.
ومع ذلك فإن أخطرَ ما يمكن أن تقعَ فيه أمةٌ تحمِلُ قضية الحق هو أن تظن أن ما تحقق لها من انتصارات وفتوحات إنما كان بقوتها وشجاعتها وحدها فتنسى أن الفضل أولا وآخرا لله سبحانه وتعالى.
فحينئذ يتحوّل النصرُ من باب للشكر والتسبيح والاستغفار إلى باب للغرور والإعجاب بالنفس.
ولهذا ربى القرآن الكريم المؤمنين على أن يكون أول ما يستقبلون به النصر هو التسبيح والاستغفار.
يقول المولى: "إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا فسبِّحْ بحمد ربك واستغفره إنه كان توَّابا" كما ذكّرهم سبحانَه بماضي الاستضعاف فقال: "واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطّفكم الناسُ فآواكم وأيَّدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكُرون" حتى يبقى حاضرًا في نفوسهم أن
النصر من عند الله وهذه النعمة تُحفَظُ بالشكر لا بالغرور.
ومن هنا فإن الواجب علينا أن نكثر من حمد الله وتسبيحه واستغفاره وأن نحذَرَ من عوامل السقوط وكل ما يورث العجب أو يُضعِفَ صلتنا وارتباطنا بالله وأن نوقن أن
دوام التوفيق الإلهي مرهونٌ بالافتقار إليه لا بالاعتماد على النفس.
فأعظم درس يخرج به المؤمن من كل انتصار هو أن يزداد تواضعًا لله وخوفًا وخشيةً من زوال نعمته وشكرا لمن بيده النصر والهزيمة والعزة والذلة وهو سبحانه خير الناصرين.

.png)





.png)