صبري الدرواني
لم يعد المشروع القرآني سراً، ففي كل أسبوع كان يتمدد أكثر، وبعد مرور أربعة أشهر من العام 2004م، كان الشعار يطبع على جدران الطرقات، وفي الجبال، ويرفع في سطوح المنازل، وينتشر في الأرياف كذر الهشيم، ويتردد في المساجد، ومقاطعة البضائع الأمريكية والإسرائيلية تجد طريقها إلى وعي المجتمع، والناس- للمرة الأولى منذ زمن- يشعرون أنهم يفعلون شيئاً، ولو بالكلمة.
وفي الجهة الأخرى من المشهد.. كان الانزعاج الأمريكي يكبر، ففي مكتبه في منطقة شيراتون، بجوار السفارة الأمريكية بصنعاء، التقط السفير الأمريكي إدموند هول الهاتف، ونقل غضبه بلا مواربة.
قال للرئيس علي عبد الله صالح إن واشنطن غير راضية، إن الشعارات المعادية لأمريكا تُرفع أمام سمع وبصر الحكومة، وإن المقاطعة للبضائع الأمريكية والإسرائيلية وإثارة السخط على أمريكا غير مقبول.
حاول الرئيس علي صالح ان يتكلم، لكن السفير لم يُصغِ لأي تبرير.
أنهى المكالمة، وترك خلفه صدى ضغط ثقيل.
وضع علي عبد الله صالح السماعة بحدّة، ولم يجلس.
التفت نحو مكتبه وقال بلهجة لا تحتمل التأجيل: اشتي غالب المؤيد، ويحيى بدرالدين، وعبد الكريم جدبان غدوه.
في دار الرئاسة، في الصباح التالي، توقفت السيارات عند بوابة دار الرئاسة..
فتش الحراس الوجوه، سألوا عن الأسماء، ثم قادوهم إلى صالة الانتظار.
دخل الرئيس بعد دقائق.
ملامحه مشدودة.. الغضب ظاهر على جبينه.
مد عبد الكريم جدبان يده للسلام..
لكن الرئيس لم يلتفت.
اتجه مباشرة نحو كرسيه، جلس، وضع ساقًا فوق أخرى، ونظر إليهم نظرة ازدراء.. وقال بلهجة قاسية: "إيش قال حسين الحوثي؟ إيش يشتي بهذا الشعار؟
حاول عبد الكريم أن يشرح، لكن الرئيس قاطعه وهو يلوّح بيده، كمن لا يريد أن يسمع: "أنا طول حكمي لليمن.. مشايخ، علماء، سياسيين، قادة أحزاب، كبار وصغار... ولا واحد قال لي لا!
ثم مال إلى الأمام وقال بحدّة: "قولوا لهذا حسين: بلغ السيل الزُّبى، يترك الشعار... وإلا سأزيل جميع العمائم.. ما عاد اشتي أسمع صوت يردد هذا الشعار في أي محافظة".
ونهض فجأة، وأنهى اللقاء دون مصافحة.. وخرج.
تحرك يحيى بدرالدين وغالب المؤيد وأخذوا معهم صالح الوجمان إلى صعدة، ثم انتقلوا إلى منطقة مران.
هناك، جلسوا مع السيد حسين الحوثي، ونقلوا له ما جرى.
استمع بهدوء، ولم يبد عليه انزعاج، بل ظهر وكأنه متفهم لكل شيء..
قال بعد لحظة: "واضح إن في ضغوط أمريكية، وهي دليل على تأثير الشعار، وفاعليته ضد الأمريكان.. وهذا بحد ذاته دليل.
ثم أمسك بالورقة، وكتب رسالة قصيرة، هادئة، واضحة، بلا تهديد ولا استفزاز.. قال فيها: "نحن لا نعمل ضدكم، ونقدركم تقديراً كبيراً، وما أعمله إنما هو انطلاق من الواجب الديني والوطني ضد أعداء الدين والأمة أمريكا وإسرائيل، فلا تصغوا لتهويل المغرضين والمنافقين واطمئنوا من جانبنا فنحن لا نكيد لكم ولا نتآمر عليكم، وماضينا وحاضرنا يشهد بهذا.. والسلام".
رسالة أكد فيها أن ما يعمله ليس كيدًا ولا مؤامرة، بل واجب ديني ووطني.
وبعد ما وصله من أخبار التهديدات، تحدّث السيد حسين بوضوح أكبر، وقال: "هذا الشعار... ليس كلمات.. هو سلاح.. هو موقف".
ثم أضاف، بنبرة تحليل لا خطابة: "عندما نرى الأمريكي منزعجاً، فهذا ليس لأنه رحيم بنا، بل لأنه يرى بأن هذا المشروع القرآني بما يتضمنه من شعار ومقاطعة للبضائع الأمريكية والإسرائيلية يعد عائقاً أمام خططه".
توقف قليلًا، ثم قال: "انظروا إلى سوق السلاح... يزوره السفير الأمريكي ادموند هول، فتغيب الأسلحة، وترتفع أسعارها.. هل هو حريص على ألا يقتل اليمنيون بعضهم بعضاً؟
ثم هزّ رأسه نافياً.. لااااا:
"هؤلاء هم يعطون إسرائيل أحدث الأسلحة الفتاكة لضرب الفلسطينيين، وقتل الأطفال، والأطفال، ولا تدمع لهم عين، لكنهم يريدون اليمن بلا قوة... حتى إذا جاء وقت التنفيذ لمخططاتهم ومؤامراتهم، نكون عاجزين عن الدفاع عن أنفسنا".
وأضاف: "يجب علينا في هذه المرحلة، أن تكون كلمتنا واحدة... يجب أن نعتصم بالله.. نرجع إلى ديننا.. يجب أن نعد ما نستطيع من قوة للدفاع عن ديننا وعن بلادنا".
ثم قال بجملة هادئة، لكنها قاطعة: "الشعار كشف لنا أشياء كثيرة... كشف الجندي الذي يخدش الله أكبر، ويخدش النصر للإسلام، إرضاءً لأمريكا، لا تتصور أن يدافع عنك، أو أن يدافع عن دينك".
ثم سأل سؤالاً مباشراً: "من يؤمّن من؟ من يطيع الأمريكي، هل يؤمّن اليمن؟ أم يؤمّن الأمريكي؟"
ساد الصمت المكان، ثم قال، وهو ينظر بعيداً: "إذا لم نتحرك في مواجهة أمريكا وإسرائيل، ففي النهاية سيجندوننا نحن... نقاتل مسلمين مثلنا، ونبذل أنفسنا وأموالنا في سبيلهم".

![حين ارتفع الشعار… اهتزت أمريكا [الحلقة الحادية عشر]
حين ارتفع الشعار… اهتزت أمريكا [الحلقة الحادية عشر]](/UpldImgAndFile/d-althagafhalqurania-20170420170411.jpg)
.jpg)


.png)

