غيث العبيدي
كاتب عراقي
«كربلاء أول حالة رفض موثّقة لشرعية القوة ومعادلة الطاعة وشراكة الظلم»
لم تكن كربلاء الطف عام 61هـ واقعةً انتهت بمجزرة الإبادة الجماعية لعائلة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، وخرقت كُـلّ قوانين الحروب والقيم الإنسانية من لحظة قيامها ولغاية هذه اللحظة، ولم تكن حدثًا عابرًا معزولًا عن الواقع، فقد كانت منظومة فكرية شاملة، ومعادلة «سياسية وأخلاقية» رفضت الانحرافَ الديني والأخلاقي للأُمَّـة الإسلامية، وكسرت كُـلّ قواعد الظلم عبر التاريخ.
فالإمام الحسين -عليه السلام- لم يخرج طمعًا في سلطة دنيوية زائلة، ولا لاهثًا خلفَ المناصب التي تحوِّل الملك إلى سجن نفسي، والعرش إلى قيود للقرارات تمنع الإرادَة، فقد خرج ليمنعَ تحوُّلَ الدين الإسلامي من رسالة عدل إلى «مُلك عَضوض»، لذلك فإن فهم منطلقات الثورة الحسينية يعني فهم سر خلودها لأكثر من 1400 عام.
ومن أهم منطلقاتها الخالدة:
1️⃣منطلق الإصلاح السياسي:
نص المنطلق:
«إني لم أخرج أشِرًا ولا بَطِرًا، إنما خرجت لطلب الإصلاح في أُمَّـة جدي رسول الله».
تحليل النص:
شخَّص الإمام الحسين -عليه السلام- البيئة الإسلامية في تلك الفترة بدقة متناهية، والمشكلة التي خرج عليها تكمن في النموذج الإسلامي الذي كان يمثله المنحرف الخمَّار يزيد، الذي فصل الدين الإسلامي عن العدالة، واشترى الولاءات بالمال، وضرب أهم أصول الحكم الإسلامي «الكفاءة والمساءلة».
لذلك كانت ثورته -عليه السلام- بدايةً لتصحيح مسار خاطئ، تهدف إلى إعادة شرعنة السلطة، ومن هنا أصبحت كربلاء أول حالة رفض موثقة لشرعية القوة مقابل شرعية الحق.
2️⃣منطلق عقدي وأخلاقي:
نص المنطلق:
«ومثلي لا يبايع مثله».
تحليل النص:
هذه الجملة العظيمة قلبت معادلة طاعة ولي الأمر المطلقة رأسًا على عقب، وبيَّنت أن كُـلّ طاعة غير مشروطة بالعدل هي بيعة للظالم، وقبولها يعني عقدًا إلزاميًّا بالشراكة في ظلمه، وبداية التجهيز للعبودية والتنازل عن الضمير، فاختار إمامنا الحسين -عليه السلام- كسر البيعة حتى لو كلفته حياته.
ومن الجدير بالذكر أن المنطلق العقدي هنا عميق جِـدًّا، فالمبايعة تعني اختزال الدين الإسلامي بلا قيم ولا أمر بالمعروف ولا نهي عن المنكر، فخرج -عليه السلام- لأنه يدرك أن موت المبادئ أخطر من موت الأجساد.
3️⃣منطلق الكرامة الإنسانية:
نص المنطلق:
«عروض الأمان المتكرّرة».
تحليل النص:
المنطق القيمي للإمام الحسين -عليه السلام- هو أن الموت بشرف أفضل من الحياة بذلة، وقد عرف أن ميزان القوى بينه وبين أعدائه لا يمنحُه نصرًا عسكريًّا واضحًا، ومع هذا خرج حتى يصنعَ اقتصادَ كرامة جديدًا للإنسان المسلم، ويعلِّم الأُمَّــة الإسلامية أن الكرامة ليست سلعة تُباع وتُشترى؛ لذلك فإن الطغاة يخافون من «لا» أكثر من خوفهم من السيف.
وهذا المنطلق خلق قاعدة مفادها أن الضغوط قد تقتل الأجساد وتكسر العظام، لكن امتهان الكرامة يفجر الثورات التي تهز عروش الطغاة.
4️⃣منطلق رسالي «انتصار الدم»:
نص المنطلق:
«إلهي إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى».
تحليل النص:
يحتوي هذا النص على شقين رئيسيين:
الشق الأول هو القبول والطاعة والتسليم -قمة العبودية لله-، بينما الشق الثاني فيه إدانةٌ أبدية لظلم الحكم الأموي الذي انحرف وحرَّف معه مسار الدين الإسلامي ووضعه في غير موضعه؛ لأن هذا النص ورد على لسان الإمام الحسين -عليه السلام- في دعاء يوم عاشوراء.
فالإمام الحسين -عليه السلام- أراد أن يقول: إما أن تكون في قمة العبودية لله وحدَه، وفي أعلى مراتب الرفض للحاكم الظالم، حتى وإن كان الثمن دماء الأهل والعيال والعشيرة، أَو أن تكون مشاركًا للحاكم في ظلمه.
▪️سر خلود الثورة الحسينية:
الثورةُ الحسينية عالمية المنطلق، لم ترتبط بمكان ولا زمان معين، وتصلح لكل عصور الجور والظلم والاستبداد، وهي مشروع دائم للمجتمعات التي تبحث عن الإصلاح.
فكل جيل يقرأ كربلاء يجد نفسه فيها؛ لأنها قيمة إنسانية عابرة للأزمنة، «فكل يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء».
وقال غاندي الهندوسي: «تعلَّمتُ من الحسين كيف أكون مظلومًا فأَنْتَصِر».
ونيلسون مانديلا الكاثوليكي قرأ مقتلَ الإمام الحسين -عليه السلام- في سجنه.
وقال مارتن لوثر كينغ المسيحي: «استلهمت من الحسين صبرَه».
وقال جمال عبدالناصر السُّني: «تعلَّمنا من الحسين كيف نكون أحرارا».
وهذا يعني أن الثورة الحسينية هي ثورة إنسانية رفعت شعارات يردّدها السني والشيعي والمسيحي.
▪️الخاتمة:
منهج الثورة الحسينية يقول: أصلِحْ أَو ثُر، وإن عجزت عن الأمرَين فاصرُخ، وإن عجزت فلا تصفق للظلم؛ فالتاريخ لا يرحم الصامتين والعاجزين.
لذلك كتب الإمام الحسين -عليه السلام- اسمَه بدمه قبل أن يمحوه بسكوته، ليبقى خالدًا في وجدان الأمم الحرة.



.jpg)



.jpg)