جميل المقرمي
في لحظات التحول الكبرى، حين تتساقط الأقنعة وتنكشف مواقع الناس من الحق، لا تعود الأحداث مُجَـرّد وقائع عسكرية أَو سياسية، بل تصبح معيارًا أخلاقيًّا يفضح جوهر الصراع بين مشروع تحرّري يستمد شرعيته من القرآن الكريم، وثقافته من وعي الأُمَّــة وهُـويتها، ومشاريع ارتهنت للخارج وتغذت من العمالة والتبعية.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز سيرةُ الشهيد القائد حسين بن بدر الدين الحوثي -رضوان الله عليه- بوصفها سيرةَ وعي قبل أن تكون سيرة مواجهة، وسيرة موقف قبل أن تكون سيرة رجل.
لم يخرج الشهيد القائد من فراغ، ولم ينطلق من نزعة سلطة أَو بحث عن مكاسب، بل خرج من مران، من أقصى الهامش الجغرافي، ومعه قلة من الأفراد، لكنه كان يحمل رؤية واضحة، ونظرة قرآنية عميقة للواقع.
كان القرآن عنده حاضرًا في تشخيص الأحداث، وفي فهم سنن الصراع، وفي تحديد مواقع الظالم والمظلوم.
لم يكن كتاب تلاوة فحسب، بل مشروع حياة، ومنهج مقاومة، وبُوصلة لا تحيد.
من هذه الزاوية القرآنية، أدرك الشهيد القائد أن ما تعيشه الأُمَّــة ليس أزمات متفرقة، بل حالة استضعاف ممنهج تقف خلفها قوى الاستكبار العالمي، وعلى رأسها أمريكا وكَيان الاحتلال الصهيوني.
فسمّى الأشياء بأسمائها، ورفض ثقافة الصمت والخضوع، وكشف زيف الشعارات التي تتغطى بها العمالة، حين تتحول الأنظمة إلى أدوات طيعة بيد الخارج، وتصبح السيادة مُجَـرّد وهم، والقرار الوطني سلعة تُباع وتُشترى.
وعندما واجه هذا المشروع الصادق آلة الحرب، شُنت عليه الحروب المتتالية، بإمْكَانات دولة، وبتحالفات إقليمية ودولية، ظنًا أن الصوت يمكن إسكاته، وأن الفكرة يمكن دفنها باستشهاد صاحبها.
لكن منطق القرآن الذي آمن به الشهيد القائد كان يؤكّـد أن النصر لا يُقاس بالعدة والعدد، بل بعدالة القضية وثبات الموقف.
فكانت مظلوميته عنوان صدقه، وكان استشهاده بداية مرحلة جديدة من الانتصار لا نهايتها.
ومن رحم تلك الصرخة التي ارتفعت في جبل مران بصعدة، صرخة بدت يومها في نظر المتخاذلين مُجَـرّد هتاف، وليس مشروعًا تحرّريًّا متكاملًا، انطلق المسار.
لم تكن الصرخة شعارًا عابرًا، بل إعلان وعي وبداية طريق طويل من البناء الإيماني والفكري والجهادي.
تحولت الصرخة مع الزمن إلى ثقافة، والثقافة إلى مشروع، والمشروع إلى قوة ردع حقيقية.
واليوم لم تعد تلك الصرخة محاصرة في الجبال، بل صارت صواريخ ومسيرات بالستية تعبر المسافات، وتوقظ مضاجع العدوّ الصهيوني، وتتحول إلى شبح يطارد البارجات الأمريكية، ويحطم أوهام التفوق والاستعمار والاستكبار، ويعيد رسم معادلات الصراع على أَسَاس جديد قوامه الإرادَة والوعي لا الخضوع.
وفي مقابل هذا المسار، سقطت الأقنعة تباعًا، وانكشفت حقيقة كثير ممن اصطفوا مع العدوان، أَو باركوا الحروب، أَو صمتوا عن الجرائم.
تهاوت شعاراتهم أمام وضوح الموقف، وظهروا بلا مشروع وطني ولا أخلاقي؛ لأَنَّ التاريخ لا يحفظ إلا مواقف الرجال، ولا يرحم من باعوا أوطانهم تحت أي مسمى.
إن الحديث عن الشهيد القائد ليس استدعاءً للماضي، بل قراءة واعية للحاضر واستشراف للمستقبل.
هو استحضار لنموذج الإنسان الذي قرأ واقعه بالقرآن، وواجه الطغيان بالوعي، ودفع ثمن موقفه دمًا، فصار حضوره اليوم أقوى من غيابه.
مظلوميته لم تكن ضعفًا، بل شهادة حق، وانتصاره لم يكن لحظة عابرة، بل مسارًا ممتدًا في وعي الأُمَّــة.
ونحن نحيي ذكرى استشهاده في الخامس والعشرين من رجب، لا نقف عند حدود العاطفة، بل نجدد العهد والالتزام.
نجدد العهد بأننا على خطاه ثابتون، وعلى دربه ماضون، نحمل البُوصلة القرآنية ذاتها، ونرفض الخضوع، وننحاز للمستضعفين، ونواجه الاستكبار مهما تعددت أدواته.
فدمُه لم يكن خاتمةَ مشروع، بل كان وقوده، وستظل روحه حاضرة في كُـلّ صرخة حق، وكل موقف عز، وكل معركة كرامة، حتى يتحقّق وعد الله، وينكسر الطغيان، وتنتصر الأُمَّــة.



.jpg)



.jpg)