عبدالله عبدالعزيز الحمران
في مشهدٍ يتجاوز حدود المواجهة التقليدية في المنطقة، تبرز “المسيرات الانقضاضية” كأحد أكثر أدوات الحرب الحديثة إثارة للجدل والاهتمام.
فهي ليست مُجَـرّد طائرات صغيرة بلا طيار، بل منظومات هجومية دقيقة، صُممت لتضرب بسرعة، وتختفي بقدر ما تظهر، تاركةً وراءها أثرًا يتجاوز حجمها الفيزيائي بكثير.
في التجربة اللبنانية، وتحديدًا ضمن سياق المواجهات الممتدة على الحدود الجنوبية مع العدوّ الصهيوني، بات هذا النوع من السلاح جزءًا من معادلة الردع غير المتكافئ.
فبينما تعتمد الجيوش التقليدية على التفوق الجوي والقدرات النارية الثقيلة، تأتي هذه المسيرات لتقلب بعض الحسابات، مستندة إلى عنصر المفاجأة، والانقضاض السريع، والتكلفة المنخفضة مقارنة بالأهداف التي قد تستهدفها.
“البعوض” الذي يهزم غرور الطاغوت
في الذاكرة الدينية والقرآنية، يرد مثال “البعوضة” في سياق ضرب الأمثال للدلالة على أن أصغر المخلوقات قد يحملُ في طياته معنى أكبر من حجمه بكثير.
وفي التاريخ الرمزي، كَثيرًا ما ارتبطت فكرة “الصغير المؤثر” بقدرة الكائنات الهامشية على إحداث خلل في المنظومات الكبرى حين تُهمل أَو يُستهان بها.
من هنا، يبرز التشبيه المتداول بين بعض المراقبين لهذه المسيرات وبين “البعوض” الذي لا يُرى بسهولة، لكنه يترك أثرًا مزعجًا ومؤثرًا على العدوّ، حتى على أكثر المنظومات تحصينًا وتعقيدًا.
وهو تشبيه لا يقوم على الحجم، بل على الفاعلية والإرباك وإعادة تعريف مفهوم القوة ذاته.
أما استحضار شخصية “هامان” في الخطاب الرمزي، فيأتي كإشارة إلى نماذج الطغيان في التاريخ، الذ ظن بنيانه محصن ولن يصل اليه أحد، قبل أن تتعرض لهزات غير متوقعة من حَيثُ لا تحتسب.
وفي هذا السياق، يصبح “الصغير” ليس مُجَـرّد عنصر هامشي، بل علامة استفهام في معادلة القوة.
من التكتيك إلى إعادة تشكيل قواعد الاشتباك
لا يمكن قراءةُ ظاهرة المسيّرات الانقضاضية اللبنانية بمعزل عن التحولات الأوسع في طبيعة الحروب الحديثة.
فالحرب لم تعد فقط دبابات وجيوشًا نظامية، بل أصبحت شبكة من التكنولوجيا الرخيصة نسبيًّا، القادرة على إحداث تأثيرات استراتيجية.
في الحالة اللبنانية، تُقرأ هذه الأدوات في إطار “الرد على جرائم العدوّ المُستمرّة بحق المدنيين”، حَيثُ لا يُقاس التأثير بعدد المنصات المستخدمة، بل بقدرتها على تجاوز منظومات الرصد والدفاع، وإجبار العدوّ على إعادة حساباته.
وهنا تكمن المفارقة: أدوات صغيرة الحجم، منخفضة التكلفة، لكنها قادرة على إحداث أثر نفسي وعسكري يتجاوز بكثير حجمها الحقيقي.
الحرب النفسية: نصف المعركة
إلى جانب البُعد العسكري المباشر، تحمل هذه المسيرات أثرًا نفسيًّا لا يقل أهميّة.
فمُجَـرّد احتمال ظهورها، أَو عدم القدرة على التنبؤ بمساراتها، يفرض حالة من الترقب والقلق المُستمرّ على جيش الاحتلال.
وفي الحروب الحديثة، قد تكون “المعلومة غير المكتملة” بحد ذاتها جزءًا من ساحة المعركة.
إنها حرب لا تعتمد فقط على الإصابة، بل على الإرباك، وعلى إدخَال العدوّ في دائرة حسابات دائمة، حَيثُ تصبح السماء غير مضمونة بالكامل، حتى لو بدت محمية تقنيًّا.
في نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر بحجم السلاح بقدر ما يتعلق بقدرته على فرض معادلة جديدة في ميدان الصراع.
فكما في الأمثال القديمة، قد تحمل “البعوضة” ما لا تحمله الجيوش الثقيلة من دلالة، وقد يفرض “الصغير” نفسه على حساب “الكبير” حين تتغير قواعد اللعبة وقد تغيرت.
وهكذا، تبقى المسيرات الانقضاضية اللبنانية جزءًا من تحوّل أوسع في مفهوم القوة، حَيثُ لم تعد الهيمنة مرتبطة بالحجم، بل بالقدرة على المفاجأة، والمرونة، وكسر التوقعات.



.png)
.jpg)
.png)

