مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله

صدام حسين عمير
لم تكن السياسة السعودية تجاه اليمن يوماً مجرد رد فعل مؤقت على أحداث المنطقة، بل هي خطة ثابتة ومدروسة، تأسست على فكرة رئيسية: "قوة اليمن تهديد للرياض، واستقراره خطر على سيطرتها".

وعلى مدار 64 عاماً، مارست السعودية تدميراً ممنهجاً في اليمن، معتمدة على خطة "تبديل اللافتات". فكلما تغيرت الأحداث في المنطقة، ابتكرت الرياض كذبة جديدة، لتجعل من "الخطر الخارجي" غطاءً لتدخل دائم يهدف إلى مصادرة القرار الوطني اليمني ومنع بناء أي دولة يمنية قوية ومستقلة.

في مطلع الستينيات حين أسقط اليمنيون حكم الإمامة ليعلنوا جمهوريتهم، لم تنظر السعودية إلى هذا التحول كحق طبيعي لشعب جار، بل صورته كخطر كبير يهدد عروشها تحت مسمى "المد الناصري". ضخّت الرياض الأموال والسلاح لدعم أعداء الثورة، لتبدأ حرب استنزاف طويلة انتهت باختراق مسار الجمهورية الوليدة، والانحراف بأهدافها وأدخلت الثورة وأهدافها الستة رهن الإقامة الجبرية عبر تسوية فرضت الوصاية، ومؤسسةً شبكة من الولاءات التي جعلت قرار صنعاء رهينة في قبضة الجار.

وما إن تراجعت كذبة محاربة المد الناصري، حتى وجدت السعودية نفسها أمام مشهد جديد تطلب حجة جديدة.

في السبعينيات والثمانينيات، برزت الحركات اليسارية في جنوب اليمن وفي بعض مناطقه الوسطى، لترفع الرياض لافتة "المد الشيوعي". تحت ستار حماية الدين والمجتمع، موّلت السعودية بسخاء جماعات متشددة وشخصيات قبلية، وحولتها إلى جيوش مسلحة تمتلك النفوذ وتفوق قوتها قوة جيش الدولة ولم يكن الهدف الحقيقي تدمير الفكر الشيوعي، بل إفشال أي محاولة لبناء دولة حقيقية.

وتجلى هذا العبث في أبشع صوره خلال فترة الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي، الذي مثّل بارقة أمل نادرة لمشروع بناء دولة مؤسساتية مستقلة ونظيفة، تسعى لاستعادة القرار السيادي وتخليص اليمن من الارتهان للخارج، فضلاً عن تحركه الجاد لتوحيد شطري البلاد. لقد رأت الرياض في هذا النموذج الوطني الخالص خطراً داهماً على نفوذها، فكان الرد هو اغتياله في مؤامرة غادرة أجهضت مشروعاً وطنياً يمنياً متكاملاً، ما أبقى الدولة المركزية ضعيفة وغارقة في صراعات داخلية تديرها السعودية عبر أدواتها.

وفي حقبة التسعينيات، عندما نهض اليمنيون لتحقيق حلمهم التاريخي بإعلان الوحدة بين الشطرين عام 1990، رأت السعودية في هذا الكيان الكبير والموحد تهديداً مباشراً لها. لم تبحث الرياض هذه المرة عن حجة فكرية، بل استخدمت سلاح العقاب الجماعي، فطردت مئات الآلاف من العمال المغتربين لضرب اقتصاد البلد الجديد، وعندما اندلعت حرب صيف 1994، لم تتردد السعودية في التدخل المكشوف لدعم الانفصاليين بالمال والسلاح؛ برغم أنهم نفس الأطراف التي كانت تحاربهم بالأمس بحجة أنهم "شيوعيون". لقد كشف هذا التناقض بوضوح أن المشكلة السعودية لم تكن يوماً مع الأفكار، بل مع "الوحدة والقوة"، وأن الهدف كان دائماً تمزيق اليمن وإعادته إلى مربعات الضعف والانقسام.

ومع دخول الألفية الثالثة، وتغير الوضع في المنطقة بسقوط أنظمة وظهور قوى جديدة، لم تتخلَّ السعودية عن خطتها، بل استحدثت الكذبة الأكبر والأكثر دموية: "المد الشيعي والخطر الإيراني". استخدمت الرياض هذه الحجة لدعم السلطة في صنعاء وتمويلها بالمال والسلاح لشن حروب صعدة الست (منذ عام 2004 وحتى 2010) لضرب حركة أنصار الله في شمال الشمال لليمن.

وعندما قام الشعب بثورته التحررية في 21 سبتمبر 2014 للخلاص من التبعية والهيمنة للخارج، وإصلاح مسار ثورة سبتمبر الأم وإخراجها وأهدافها الستة من الاعتقال والإقامة الجبرية، لم تستطِع الرياض تقبل هذا الانعتاق، فانتقلت مباشرة إلى العدوان العسكري الشامل، وذلك تحت كذبة "إعادة الشرعية" ومحاربة المد الإيراني، فشكلت تحالفاً عسكرياً واسعاً، لم يكن ليقوم أو يستمر لولا الإشراف المباشر والدعم المخابراتي والعسكري والسياسي من الولايات المتحدة.

وباسم محاربة هذا "المد"، شُنت حرب شاملة تحولت إلى عقاب جماعي للشعب اليمني ظهر في فُرض حصار بحري وجوي وبري خانق أدى إلى أزمة إنسانية في مختلف جوانب الحياة.

وتحت غطاء هذه الحجة، تم تدمير البنية الأساسية، من جسور وطرق ومستشفيات، وُقصفت المزارع والمصانع، لضمان القضاء على مقومات الحياة، وفي الوقت نفسه، لم تعمل السعودية وحلفاؤها على استعادة مؤسسات أو بناء دولة في المحافظات التي احتلوها، بل تعمدت تمزيق البلاد والمجتمع عبر تمويل مليشيات طائفية ومناطقية ودعم مراكز قوى وكلها تدين بالولاء لها، محولةً اليمن إلى ساحة حرب أهلية مستمرة ومناطق ضعيفة ومشتتة.

إن قراءة متأنية لهذا المسار الطويل تكشف حقيقة واضحة: الحجج تتبدل، والأقنعة تتغير من القومية إلى الشيوعية وصولاً إلى المذهبية، لكن السيف السعودي بقي مسلطاً على رقبة اليمن. لم تكن السعودية يوماً تحارب عبد الناصر أو الشيوعية أو إيران في اليمن؛ بل كانت تحارب اليمن نفسه. كانت ترتعب من نهوض بلد يمتلك شعباً كبيراً وموقعاً جغرافياً مهماً يمكن أن يتخذ قراره بعيداً عن الوصاية.

لقد كانت تلك الحجج مجرد أغطية متتالية ومدروسة لصناعة "مملكة من الرماد"، ولضمان أن يظل اليمن مجرد جرح نازف، لا يقوى على النهوض ولا يُسمح له بالاستقرار.

ورغم هذه العقود الستة من التخطيط المستمر لابتلاع اليمن، إلا أن التاريخ أثبت أن إرادة الشعوب لا يمكن كسرها من الخارج. ففي مواجهة هذه المؤامرة الطويلة، برزت إرادة يمنية صلبة، والتفّت حول قيادة وطنية وقوة شعبية وعسكرية أخذت على عاتقها كسر هذه التبعية.

لقد فشلت كل حسابات السيطرة أمام صمود استثنائي أبطل مفعول هذا العبث، وأسقط مؤامرات الوصاية المتعاقبة التي رتبتها السعودية.

اليوم، لم يعد اليمن تلك الحديقة الخلفية التي تُختلق لها الذرائع لتدميرها، بل تحول إلى قوة يحسب لها ألف حساب وجبهة عصية على الكسر، تمتلك قرارها وتدافع عن سيادتها، لتطوي بذلك حقبة الوصاية التاريخية، وتعلن بداية عصر جديد يُصنع فيه القرار من قلب صنعاء، لا من وراء الحدود.


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر