أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبِين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.
أَيُّهَـــــا الإِخْـــــــوَةُ وَالأَخَـــــــوَات:
السَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛
قال الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" في القرآن الكريم:
{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}[النور:55].
صَدَقَ اللهُ العَلِيُّ العَظِيم.
في هذه الذكرى المباركة، وفي هذه المناسبة العزيزة، نتوجَّه إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" بالحمد والشكر، فهو "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" وليُّ كلِّ نعمة، ومنتهى كل حسنة، هو "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" الذي أمدَّ شعبنا العزيز بالنصر والتأييد في ثورته المباركة: ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر، هو "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" الذي أمدَّ شعبنا بالمعونة، والتوفيق، والتسديد، وأنعم عليه بهذه الثورة التي هي ثورةٌ تحقق له هدفًا عظيمًا، وكبيرًا، ومهما، هو: الحُرِّيَّة والاستقلال، على أساسٍ من هويته الإيمانية، وانتمائه للإسلام.
التحرُّر من هيمنة الطاغوت الأمريكي، وأعوان الأمريكي، الذين هم كلهم يعملون لاستعباد الشعوب لخدمة الشيطان، والطاغوت، والاستكبار، والإجرام، في إطار التوجُّه الظلامي الصهيوني والغربي الكافر، الذي يتعاون معه المنافقون من أبناء أمَّتنا؛ لإخضاع شعوب أمَّتنا لصالح أعدائها.
النعمة العظيمة بالتحرُّر والاستقلال، والانتصار على الوصاية الخارجية، والإيقاف للمسار الخاطئ الذي يتَّجه بشعبنا نحو الانهيار في كل المجالات، في إطار تلك الوصاية، هذه نعمة كبيرة تحققت لشعبنا العزيز؛ ولهذا يعتبر يوم الحادي والعشرين من سبتمبر، بما تحقق فيه لتلك الثورة المباركة، يومًا من أيام الله، التي منَّ فيها بنعمةٍ عظيمة على شعبنا العزيز.
ثم أتوجَّه بالمباركة والتهاني لشعبنا العزيز، وفي المقدِّمة: لثوَّاره الأعزَّاء، الذين أسهموا إسهامًا عظيمًا في تلك الثورة، بمختلف الجهود، والأنشطة، والأعمال، والاهتمامات، والبذل، والعطاء... وغير ذلك، للشهداء، وأسر الشهداء، وللجرحى، للقوَّات المسلَّحة.
نتوجَّه أيضًا بالمباركة والتهاني للمؤسسات الرسمية، وللإخوة المسؤولين، أتوجَّه بالتهاني والمباركة لكلِّ الذين قدَّموا لنا التهاني في هذه المناسبة العزيزة.
ما قبل ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر، كانت الأمور واضحة، في أن شعبنا بحاجة ماسَّة إلى هذه الثورة، وإلى ذلك التحرُّك العظيم، وتلك النهضة المباركة التي قام بها؛ لأن الذي حدث ليس شيئًا بسيطًا، الذي حدث ما قبل ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر هو: مصادرة مكشوفة ومعلنة والصريحة لحُرِّيَّة شعبنا واستقلاله، وإخضاعه للوصاية الأجنبية، التي على رأسها: الأمريكي، وأبرز من معه كان البريطاني، ومعهم السعودي للمهمة التنفيذية، والتمويلية، وللأنشطة التي يحتاجون فيها إليه كوكيل إقليمي، وعميل إقليمي، وإلَّا فالدور الأساس هو للأمريكي والبريطاني، وكان الإسرائيلي جاهزًا للدخول على الخط بما يهيئونه له ويشركونه فيها.
الوصاية الأجنبية هي مصادرة للحُرِّيَّة والاستقلال، وهذه ليست مسألة بسيطة، يترتب على ذلك الخسارة الكبرى للدين والدنيا، لو استمر الحال على ما كان عليه، ولم تأتِ هذه الثورة المباركة لتضع حدًّا لذلك؛ لكان شعبنا اليوم في عِداد الشعوب المحتلة، المقهورة، المغلوبة على أمرها، الشعوب التي خسرت حُرِّيَّتها بشكلٍ كامل، أصبحت خاضعةً بشكلٍ تام لأعدائها، يعملون فيها ما يشاؤون ويريدون، شعوبًا مستباحةً، ثرواتها منهوبة، بلدانها وأوطانها محتلة، وهي في إطار الخضوع التام لصالح أعدائها والاستغلال من قِبلهم، فالمسألة خطيرة جدًّا؛ لأنه مع تلك الوصاية المعلنة رسميًا، تلك الوصاية التي هي وصاية أعداء، ليسوا ناصحين لهذا الشعب، ولا حريصين على مصالحه، ولا ذوي رأفةٍ به، همهم مصالحهم، وهم كيانات إجرامية، طاغوتية، مستكبرة، ظالمة، ناهبة، جشعة، لا ترحم أحدًا، تتَّجه لتحقيق أطماعها ومصالحها دون أي اكتراث، أي اكتراث إطلاقًا، ولا مبالاة نهائيًا، ولا بأيِّ مستوى لمصالح وحقوق الشعوب الأخرى، طالما والظروف مهيَّأة لهم؛ فهم يعملون على استثمارها، واغتنامها إلى أقصى حد فيما يضر بالشعوب الأخرى.
والشيء العجيب: أنَّ البعض من المكونات والقوى التي سلَّمت لهم في البلد- آنذاك- بالوصاية، وقَبِلَت بذلك، وخضعت لذلك، كانت تتعامل معهم بحسن نية، وكأنهم جهات محترمة وطيِّبة، وجمعيات خيرية، وجهات تمتاز بأن تحمل المشاعر الإنسانية النبيلة، فتمكِّنهم أكثر، وتفتح لهم المجال أكثر وأكثر، هذا من الغباء من جهة، ومن العمالة من جهة للكثير من تلك المكونات.
على كلٍّ، ماذا ترافق مع تلك الوصاية؟ سلَّموهم أمر البلد، سلَّموهم القرار في البلد، أصبحت السلطة في صنعاء شكلية، وتقوم في مهمتها الرئيسية بتنفيذ إملاءاتهم، إملاءات أولئك الذين جعلوهم أوصياء على شعبنا في كل المجالات، أصبح كل البرنامج الرسمي في كل المجالات: السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، والأمنية، وفق ما يريده الأمريكي والبريطاني، ومن معه من أعوانه آنذاك؛ فكانت النتيجة هي ماذا؟ هي الاتِّجاه بالبلد نحو الانهيار التام في كل المجالات:
- الوضع السياسي: كان يتَّجه نحو الانهيار والتفكُّك، والتباينات المستمرة، والبعثرة لهذا الشعب، والأزمات المستمرة... وغير ذلك، وكذلك كانوا يتَّجهون في التصميم للوضع السياسي والرسمي في البلد، بالشكل الذي يجعل من بلدنا بلدًا ضعيفًا، مفرَّقًا، مشتَّتًا، متباينًا، ويمكِّن أعداءه من التدخُّل في كل شؤونه بدون أن يكون هناك أي عائق إطلاقًا.
- على المستوى العسكري: اتَّجهوا لتفكيك الجيش، مع أنه كان في تلك المراحل يخضع للتوجُّه السلطوي، وتوجُّه الجهات التي على رأس السلطة، ولكنهم مع ذلك اتَّجهوا لإضعافه، وتفكيكه، واتَّجهوا لاستهداف كل ما يمكن أن يفيد في المؤسسة العسكرية للتصدي لأي عدوانٍ خارجي، مثل: تدمير قوَّة الدفاع الجوِّي، الإمكانات التي يستفاد منها في الدفاع الجوِّي، سلاح الجو، طائرات... وغير ذلك، والقوَّة البحُرِّيَّة التي كانت متواضعة من منذ البداية، ومع ذلك أرادوا لها ألَّا تكون إلَّا حالة شكلية... وغير ذلك.
- الحالة الأمنية: اتَّجهت نحو الانهيار الكامل: الاغتيالات، الفوضى، الانتشار للعصابات التكفيرية الإجرامية إلى صنعاء ومختلف المحافظات... وغير ذلك، الاغتيالات في صنعاء بشكل مستمر لا يتوقف، حتى بالعناصر المنتمية للأجهزة الأمنية، القتل للجيش، القتل للمواطنين، القتل للنخبة الأكاديمية... وهكذا جرائم رهيبة جدًّا، الاقتحام لبعض المستشفيات... وهكذا جرائم رهيبة جدًّا.
- الانهيار الاقتصادي: انهيار اقتصادي رهيب جدًّا، وجُرع من دون مبرِّر، يعني: المقدرات موجودة، ثروة النفط والغاز موجودة، ليس هناك حصار خارجي، الدول تعلن عن هِبات، وعن قروض، وعن مساعدات...وإلخ. ليس هناك حرب رسمية قائمة مع الأطراف الخارجية، ومع ذلك انهيار اقتصادي بدون مبرِّر! ثروة النفط متوفِّرة، الغاز متوفِّر، المقدِّرات والمنافذ للبلاد وما يدخل منها متوفِّر، ليس هناك قيود على الوارد إلى البلاد، ومع ذلك انهيار انهيار في كل شيء؛ لأنه انهيار تدفع إليه سياسات، مبرمج، انهيار مبرمج، منظَّم بسياسات معينة.
- تفكيك للمجتمع تحت عناوين: سياسية، وطائفية، ومناطقية، وعمل قائم على قدم وساق.
- تدخُّل في كل شؤون البلاد: كان السفير الأمريكي، والسفراء الذين يعاونونه في ما يسمَّى بالدول العشر، والأوصياء الذين نصبوهم على البلد، يتدخَّلون، ولاسيما الأمريكي والبريطاني، ومعه المعاون السعودي، يتدخَّلون في كل المجالات، كل مجالات العمل في الدولة: الشؤون القضائية، والتعليمية، والأمنية، والعسكرية... وكل التفاصيل، بما يخدمهم، ويضرُّ ببلدنا، واتَّجهوا لاستغلال تلك الحالة، التي سلَّمت فيها المكونات والقوى السلطوية آنذاك المجال لهم، وفتحت لهم كل الأبواب، وأعطتهم المجال ليعملوا ما يشاؤون ويريدون، فاتَّجهوا هم لاغتنام تلك الفرصة، اعتبروها فرصة ذهبية، لترسيخ السيطرة الخارجية بكل أشكالها على البلد، فكان السفير الأمريكي أشبه بحاكم في صنعاء، رئيس للرئيس، وآمر، يأمر الآخرين، ومعه أعوانه، أصبح القرار لهم، الأمر والنهي، التوجيهات، الأوامر، التحرُّك للساحة الشعبية بهدف إفسادها، وتفكيكها، اتَّجهوا لإنشاء قواعد عسكرية حتى في صنعاء... وغير ذلك.
فالوضعية وضعية خطيرة بكل ما تعنيه الكلمة- آنذاك- على شعبنا العزيز، الثمن الذي يدفعه ويفرِّط فيه نتيجةً لتلك الوصاية هو الحُرِّيَّة، التي هي أغلى من كل شيء، الحُرِّيَّة التي هي القيمة الإنسانية الكبرى لبني الإنسان.
- اتَّجه الأعداء لتغذية النزاعات تحت كل العناوين.
ولـذلـك فالثــورة الشعبيــة:
- أعادت للشعب اعتباره.
- حافظت على كرامة الشعب اليمني وعزَّته الإيمانية.
- تميَّزت بأصالتها وهويتها الإيمانية؛ ليست ثورةً بدفعٍ خارجي، من أي طرفٍ في هذا العالم، قرارها قرار شعبي يمني أصيل، التحرُّك فيها كله تحرُّك يمني شعبي أصيل، وتحرك الشعب بنفسه، بإرادته، بقراره، بإمكاناته، نهض نهضةً عظيمة، قوية، أرهبت الدول العشرة آنذاك، وحققت الانتصار التاريخي، تميَّزت هذه الثورة بالأصالة؛ لأنها أيضًا متمسِّكة بهوية شعبنا الإيمانية، ليست متباينةً معه، ولم تستورد لها هويةً خارجية.
- تميَّزت بنهجها التحرُّري الصادق بكل ما تعنيه الكلمة، الصادق.
وهذا سبب موقف الأعداء من شعبنا العزيز حينما تحرك في هذه الثورة؛ لأنها تمتاز بهذه المميزات الكبرى والمهمة، ولذلك اتَّجهوا للعمل ضد شعبنا العزيز، اتَّخذوا موقفًا عدائيًا منه ومن ثورته التحرُّرية، بالرغم من أن شعبنا العزيز كان واضحًا في أنه يتمسَّك بحقوقه المشروعة المعترف بها عالميًا للشعوب في كلِّ العالم: أن يكون شعبًا حرًا مستقلًا، وفي نفس الوقت هو شعبٌ يمتاز بمواصفات وقيم ومبادئ راقية جدًّا، انطلاقًا من هويته الإيمانية، ليس شعبًا عدوانيًا، يخاف منه الآخرون أن يعتدي عليهم بغير حق، أن يطمع في ثرواتهم، ممتلكاتهم، أن يتَّجه بالنزعة العدوانية والاستعمارية إليهم، أو بالفوضوية... أو غير ذلك، الشعب كان واضحًا سواءً في موقفه تجاه القضايا الخارجية، والسياسة الخارجية، أو محيطه العربي والإسلامي، في أنه يريد أن تكون له علاقة إيجابية مع كل محيطه العربي والإسلامي، قائمة على أساس: الاحترام المتبادل، القواسم المشتركة، المصالح المشتركة، مع الاحترام لاستقلاله، هذه القضية الأساسية، نظرته العامة، علاقاته مع مختلف البلدان والدول، له موقف فيما يتعلَّق بقضايا الأمة الكبرى، فيما يتعلَّق بالمخاطر التي تهدد أمَّتنا الإسلامية، موقف مبدئي، إيماني، أصيل، وإنساني بكل ما تعنيه الكلمة.
ولكن بالرغم من كل ذلك، اتَّجه الأعداء للتآمر ضد شعبنا العزيز، وحاولوا أن يستعيدوا السيطرة عليه؛ لأن سقفهم- هذه المشكلة الكبرى- سقفهم الذي يريدون أن يحققوه من الأهداف تجاه شعبنا، هو السيطرة عليه، والمصادرة لحُرِّيَّته واستقلاله، وهذا يؤدِّي إلى مشكلة كبيرة، يعني: هو ما لا يمكن القبول به في واقع شعبنا العزيز، طالما يبقى التوجُّه الخارجي للأمريكي، للإسرائيلي للبريطاني، لأعوانهم وعملائهم في الإقليم في منطقتنا، كما هو الحال بالنسبة للسعودي؛ طالما بقي الهدف هو السيطرة على شعبنا، والمصادرة لحُرِّيَّته واستقلاله، والتحكُّم فيه، وأن يكون بلدنا قواعد عسكرية لهم، وشعبنا ضعيفًا مفرَّقًا، مشتتًا، مأزومًا، غارقًا في وضعية الأزمات الرهيبة على كلِّ المستويات، ومستثمرين فيه في قوَّته البشرية لأغراضهم، لأهدافهم ومآربهم الشيطانية والعدوانية، هذه مشكلة حقيقية معهم.
حتى بالنسبة لأدواتهم المحلية، من عملائهم من بعض المكونات والقوى، وبعض الجهات التي كانت قد طمعت أن تستمر دائمًا في موقعها السلطوي الظالم العميل، بالرغم من التسامح الكبير والأخلاق الراقية للثورة اليمنية، وأتت بمبدأ الشراكة ومبدأ السِّلم، مبدأ السلم والشراكة، لكن العملاء وأيادي الأعداء في البلد اتَّجهوا في نفس الاتِّجاه العدواني للأمريكي، والإسرائيلي، والبريطاني، والسعودي، واتَّخذوا موقفًا عدائيًا لخدمة أولئك الأعداء، وجنَّدوا أنفسهم جنودًا خاضعين لأولئك الأعداء، في سعيٍ مستمرٍ، وعملٍ عدوانيٍ مكثَّف ضد شعبنا العزيز، بهدف إخضاعه من جديد للوصاية الخارجية، وتمكين الأطراف الخارجية من احتلاله من جديد، والسيطرة عليه من جديد.
السعودي بدفعٍ أمريكي، وإشرافٍ أمريكي مباشر، وقرارٍ أمريكي، وكذلك بدفعٍ بريطاني، ومشاركة بريطانية، ودفع صهيوني، وإسهام صهيوني بأشكال كثيرة منذ البداية، اتَّجه لتنفيذ عدوانٍ شاملٍ، ظالمٍ، إجراميٍ على شعبنا العزيز بغير حق، ومع ذلك: الحصار المشدَّد على هذا الشعب العزيز.
في العدوان الذي شنه السعودي بإشراف أمريكي، في 26 مارس 2015، واستمر على مدى كل هذه السنوات، هناك عِدَّة سنوات منذ العام 2022، كان فيها خفض التصعيد، يعني: ليست مسألة توقُّف للعدوان، إنهاء للعدوان بشكلٍ كامل، خفض للتصعيد، على مدى كل هذه السنوات ارتكب السعودي في عدوانه المباشر بإشرافٍ أمريكي، وبمشاركة بريطانية، وإسهام ودفع الصهيوني، أبشع الجرائم بحق شعبنا العزيز منذ اليوم الأول لعدوانه، أبشع وأفظع الجرائم الوحشية الرهيبة جدًّا، واستهدف كل مقوِّمات الحياة في بلدنا، دون استثناء، كل مقوِّمات الحياة، وجرائمه الوحشية الرهيبة هي جرائم حرب، جرائم ضد الإنسانية، جرائم إبادة جماعية، كل التوصيفات التي توصَّف بها الجرائم، هي قائمة في أنواع الجرائم التي ارتكبها النظام السعودي ضد شعبنا العزيز.
مع ذلك، كان الموقف الدولي بشكلٍ عام، والموقف في العالم الإسلامي، متخاذلًا متفرِّجًا على ما يحدث ضد الشعب اليمني، ما عدا موقف محور الجهاد والمقاومة، والأصوات الحرَّة النادرة في أوساط العالم الإسلامي، وشعوب العالم، لماذا؟ لأن الأمريكي وفَّر الغطاء السياسي، والغطاء للجرائم تلك؛ لأنها ترتكب بسلاحه، بعتاده، بقنابله، بالسلاح المحرَّم دوليًا، الذي يوفِّره هو للسعودي، مقابل صفقات كبرى، الصفقات التي كانت صفقات القرن، وصفقات تاريخية في السِّلاح، في حجم المشتريات السعودية للقنابل التي يقتل بها السعودي أبناء شعبنا العزيز في كل مكان:
- استهدف بها الأحياء السكنية في المدن.
- استهدف بها القرى.
- استهدف بها حتى البدو في خيامهم.
- استهدف بها الثروة الحيوانية في كل مكان.
- استهدف بها كل مقوِّمات الحياة: الأسواق، المساجد، المستشفيات... كل معالم الحياة في البلد.
وجرائم رهيبة جدًّا، وثِّقت، انتشرت في العالم، مشاهدها الرهيبة كلها مطبوعة بالطابع الإجرامي الوحشي.
انكشف النظام السعودي بصورته الصهيونية، خلال كل سنوات التصعيد في العدوان على اليمن، برز بالصورة الصهيونية الإجرامية الوحشية، ليس عنده أي ضوابط، أي قيم، أي أخلاق، قتل آلاف الأطفال، آلاف النساء، قتل المدنيين في مساكنهم، في مساجدهم، في أسواقهم، في الطرقات، استهدف كل معالم الحياة: استهدف المستشفيات، استهدف المدارس والجامعات، استهدف المساكن الآهلة بالسكان، واستهدف المساجد بأعداد كبيرة جدًّا، أكثر من ألفي مسجد، استهدف المقابر، استهدف مركز إيواء المكفوفين، استهدف حفلات الأعراس في بلدنا، واستهدف مناسبات العزاء، المناسبات الاجتماعية؛ لقتل أكبر قدر ممكن من الناس، ولدينا كل الوثائق والأدلة والمشاهد الموثَّقة بالفيديو لتلك الجرائم، نُشِر الكثير منها، ولا يزال الكثير متوفِّر مما لم يتم نشره.
الإجرام الكبير جدًّا على مدى سنوات طويلة، عامًا بعد عام بعد عام، وهو يرتكب تلك الجرائم الرهيبة جدًّا، بكل ما هي عليه من بشاعة وفظاعة وإجرام، تحت مرأى ومسمع من العالم، أكثر الحكومات والأنظمة في العالم الإسلامي، لم يصدر منها أي إدانة أو استنكار لتلك الجرائم:
- لقتل آلاف الأطفال.
- لقتل آلاف النساء.
- لتدمير المساكن في المدن والقرى.
- لتدمير المساجد، مئات المساجد، أكثر من ألفي مسجد.
- لتدمير الأسواق والممتلكات العامة.
- لتدمير منشآت خدمية بكل أنواعها: استهدف حتى خزَّانات المياه، استهدف منشآت الخدمات العامة في الكهرباء... في كل شيء.
كل تلك الجرائم، بما فيها القتل للآلاف من أبناء شعبنا العزيز من الأطفال والنساء، والمدنيين، والكبار والصغار، والاستهداف للجامعات والمدارس والمساجد... كل أنواع الجرائم التي هي في التوصيف المعترف به عالميًا جرائم، وينبغي أن يكون للآخرين منها موقف انطلاقًا من إنسانيتهم، إذا كانوا يحملون الإنسانية، انطلاقًا من مبادئ وقيم، أو احترام للقانون الدولي... أو أي اعتبارات معترف بها بين البشر، ولكن بالرغم من كل ذلك، كان السائد هو التفرُّج، لماذا؟ لغياب الضمير الإنساني، وغياب الضمير الإسلامي، وغياب القيم والمبادئ في التوجُّهات والسياسات التي تعتمدها تلك الأنظمة، حتى معظم الأنظمة في العالم الإسلامي، والتي افتضحت أكثر وأكثر في العدوان الصهيوني اليهودي على الشعب الفلسطيني في قطاع غزَّة، فيما أتى لاحقًا.
على كلٍّ، خلال تلك المرحلة، كان الشيء المهم هو صمود شعبنا الذي وفَّقه الله له، وثباته، واتِّجاهه هو لمواجهة ما يستهدفه من عدوان، يعني: لو انتظر شعبنا العزيز مع تلك الجرائم الوحشية، والإبادة الجماعية، والعدوان الذي ابتدأ بغير حق عليه من الجانب السعودي، بإشراف أمريكي، ومشاركة بريطانية وصهيونية، لو انتظر شعبنا للأمم المتَّحدة، أو لمجلس الأمن، أو للمنظَّمات الدولية، أو لمنظَّمة التعاون الإسلامي، أو لجامعة الدول العربية... أو أيٍّ من تلك المؤسسات والعناوين، أو لدول العالم الإسلامي البارزة والكبرى، أن تفعل له شيئًا لإيقاف تلك الجرائم بحقه؛ لَمَا فعلت له أي شيء، مهما بلغ حد الإجرام السعودي الأمريكي بحقه، مهما بلغت المأساة، المأساة كانت رهيبة جدًّا ولا زالت؛ لأنه اجتمع العدوان والحصار، حتى أكل البعض من أبناء شعبنا من الشجر؛ نتيجةً للمجاعة، معاناة رهيبة جدًّا، لو انتظروا لأي طرف هنا أو هناك أن يعمل لهم شيئًا، لَمَا عمل لهم شيئًا.
الموقف المشرِّف التضامني كان لمحور الجهاد والمقاومة، وأصوات حرَّة في العالم الإسلامي، حالة نادرة في بلدان أخرى، حالة نادرة، لكن الشيء المهم حينما تحرك شعبنا هو، بدافع التوجُّه الإيماني، والمسؤولية الإنسانية، والإيمانية، والدينية، والوطنية، للدفاع عن نفسه، عن أرضه، عن عرضه، عن شرفه، عن حياته، عن وجوده، عن حُرِّيَّته، عن استقلاله، ليواجه ذلك العدوان الظالم، الغاشم، الإجرامي، الوحشي، وباعتماد شعبنا على الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وبتوكله عليه، {وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا}[النساء: 45].
كان المسار في فاعلية الدفاع والتصدي للعدوان، كان مسارًا تصاعديًا، على مستوى:
- التماسك الداخلي.
- قوَّة الثبات في الميدان، بتوفيق الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، بفضله، بمنه.
- والبناء للقدرات العسكرية من نقطة الصفر، من نقطة الصفر بكل ما تعني الكلمة، مسار في بناء القوَّة الصاروخية، والقدرات العسكرية بأنواعها، والطائرات المسيَّرة، والإنتاج العسكري، والتصنيع العسكري... وهكذا مسار البناء للقدرات.
- التفاني لأحرار شعبنا، الذين بادروا إلى الميدان بكل همةٍ وعزم، بحُرِّيَّة وكرامة، بإيمان وتفانٍ في سبيل الله تعالى، وبذلوا الجهود الكبيرة ليلًا ونهارًا في الميدان في التصدي للعدوان.
والتضحيات الكبيرة التي قدَّمها شعبنا العزيز في سبيل الله، وهو يدافع عن أرضه، وعرضه، وشرفه، وكرامته، وحُرِّيَّته، واستقلاله.
كان لها نتائجها المهمة، التي أحبطت الأعداء؛ بينما كانوا يأملون ويطمحون، ويتوقَّعون أنهم سيحسموا المعركة بشكلٍ كاملٍ لصالحهم، ويستعيدوا سيطرتهم الكاملة على البلد، وعلى هذا الشعب من جديد، فوصلوا إلى حالةٍ من الإحباط بعد سنوات طويلة من التصعيد والعدوان، الذي بذلوا فيه أقصى ما يستطيعون، من الجرائم، من الضغط العسكري، من الحصار الاقتصادي من الاستهداف بكل أشكاله لشعبنا العزيز، لكنهم صدموا بمستوى الثبات العظيم الذي وفَّق الله له شعبنا العزيز، بمستوى الفاعلية والتنامي في القدرات العسكرية، والموقف في الميدان؛ ولذلك أحبطوا، فأتت مرحلة خفض التصعيد في العام 2022م، واستمرت.
كانت مرحلة خفض التصعيد فرصة للمعتدي السعودي أن يراجع حساباته، وأن يدرك أنَّه ليس من الممكن أبدًا أن يتمكَّن من السيطرة على هذا الشعب بشكلٍ كامل، وإخضاعه من جديد للأمريكي والإسرائيلي والبريطاني؛ لأنه يقدِّم نفسه كوكيل لهم، وعميل إقليمي لهم، ينفِّذ لهم أجنداتهم ومؤامراتهم، ويسعى لخدمتهم، ويعمل في ظلهم، ليس له أي استقلال، أو برنامج، أو مشروع مستقل يتحرك فيه، هو تابعٌ لهم، ولكنه- وللأسف الشديد- اتَّجه اتِّجاها خاطئًا.
عندما قام شعبنا العزيز بواجبه الديني والأخلاقي والإنساني في الإسناد لغزَّة فلسطين، رأى المعتدي السعودي في هذه فرصةً؛ باعتبار أنَّ الهجمة الأمريكية والإسرائيلية على بلدنا العزيز، الهجمة الأمريكية في جولتين، جولة [بايدن]، وجولة [ترامب]، ومعها البريطاني، كان شريكًا في تلك الهجمتين، ومعها أيضًا العدو الصهيوني كذلك، راهن العدو السعودي عليها كثيرًا، وأمَّل فيها كثيرًا أن تحقق نتائج مهمة:
- في تدمير البنية العسكرية لشعبنا العزيز، والقدرات العسكرية، كان يتوقع ذلك.
- وفي تصفية القيادات في هذا الشعب.
- وفي إضعاف أيضًا المؤسسة العسكرية والأمنية في البلد.
واتَّجه مع ذلك للتعاون بكل أشكال التعاون مع العدو الصهيوني الإسرائيلي، من أشكال التعاون معه:
- التعاون الاستخباراتي، للسعودي خلايا كثيرة، نشطت لخدمة الأمريكي والبريطاني والإسرائيلي، في تقديم المعلومات، وهذا مثبت عندنا، مثبت بالأدلة، واعتقلت الكثير من تلك الخلايا، واعترافاتها واضحة، وكان هناك عمل استخباراتي مشترك ما بين الأمريكي، والبريطاني، والصهيوني، والسعودي.
- تعاون معهم في فتح أجوائه لهم، ومطاراته لهم، بما في ذلك فتح مطاراته لطائرات استطلاعية إسرائيلية، تأتي وتنطلق من مطاراته للاستطلاع فوق اليمن.
- جنَّد نفسه للتصدي للصواريخ والطائرات المسيَّرة بكل ما يستطيع، يعني: بذل السعودي أقصى الجهد في عمليات الاعتراض للطائرات المسيَّرة وللصواريخ، التي كانت القوَّات المسلَّحة اليمنية تطلقها ضد العدو الصهيوني؛ إسنادًا للشعب الفلسطيني المظلوم، وبذل أقصى الجهد في ذلك خلال كل تلك المدَّة الزمنية من المواجهة في معركة طوفان الأقصى.
- تعاون إعلاميًا: هجمات إعلامية، وحملات إعلامية مكثَّفة وكبيرة وهائلة لتشويه موقف اليمن، والشعب اليمني في الإسناد لغزَّة، كما هو الحال في حملاته الإعلامية المشوِّهة لموقف الشعب الفلسطيني، وموقف المجاهدين في فلسطين، والمقاومة في فلسطين، وموقف حزب الله، والموقف للجمهورية الإسلامية في إيران، اتَّجه في نفس الاتِّجاه، ولكن تركيزه الأكبر في الحملات ضد موقف شعبنا العزيز في الإسناد للشعب الفلسطيني.
- اتَّجه في مسار الحصار الاقتصادي للتشديد أكثر فأكثر: المزيد من الإجراءات التعسفية الظالمة في التضييق على الحركة التجارية للشعب، المزيد من القيود التي تزيد من معاناة شعبنا العزيز في ما يستورده من بضائع، وشعبنا العزيز- نتيجةً للسياسات التي كانت معتمدةً في البلد رسميًا على مدى عقود من الزمن- كان قد وصل إلى درجة الاستيراد لتسعين بالمائة من احتياجاته بكل أنواعها، بما في ذلك المجال الغذائي من الخارج، فالقيود مؤثِّرة التي وضعها العدو السعودي بإشراف أمريكي ومشاركة بريطانية، أحيانًا كانت الوفود البريطانية والوفود السعودية تذهب إلى جيبوتي لتشديد إجراءات التضييق على الوارد التجاري، وعلى البضائع الواردة إلى اليمن؛ مما يفاقم من المشكلة الاقتصادية في البلد، من ارتفاع الأسعار... وغير ذلك.
- اتَّجه إلى خطوات وإجراءات متنوِّعة للمحاربة للوضع الاقتصادي في البلد، وكان يعلن الكثير منها عبر أدواته، الذين هم مجرَّد أدوات، وموظِّفين معه.
فهو اتَّجه إلى أن تراكمت الآثار الكارثية للحصار في وضع شعبنا العزيز، فوصل به الحال إلى مستوى لا يمكن أبدًا التغاضي عنه، ولا السكوت عنه، ولا تجاهله، يعني: ما وصل إليه شعبنا نتيجةً لتلك السياسات التي تستهدف هذا الشعب، والتي يهدف من خلالها الأمريكي والسعودي، وهم صريحون في ذلك، يعني: هناك في الدراسات، في المواقف، في التصريحات، التي من جانب الأمريكي، وجانب الصهيوني، وجانب البريطاني، وجانب السعودي، ما يكشف عن أهدافهم من وراء هذا الحصار الشديد، هذه الإجراءات، هذه الحملات التي يستهدفون بها بلدنا على كل المستويات: سياسيًا، عسكريًا، أمنيًا، اقتصاديًا... وغير ذلك.
الحرمان المستمر منذ بداية العدوان إلى اليوم من الثروة النفطية والغازية، التي لها دورٌ أساس في توفير المرتبات من عائداتها، في الاستفادة من عائداتها في الخدمات الأساسية في البلد، ولاسيَّما خدمات الصحَّة والتعليم، وهم يصرِّحون ويكشفون عن أهدافهم، أنها هي الوصول بهذا الشعب إلى حالة الانهيار التام، من أجل أن يستسلم لهم، ويخضع لهم، ويتمكَّنوا من السيطرة عليه من جديد، وهم يصرِّحون بهذا في كثيرٍ من تصريحاتهم، يعني: هي مسألة واضحة، أنهم يريدون، من خلال صناعة المعاناة الرهيبة لشعبنا العزيز، أن يصلوا به إلى حد الانهيار التام: خلخلة للوضع الداخلي، ونشاط استقطابي، وتفكيك للمجتمع، عمل استخباراتي مكثَّف، استهداف أمني، استهداف عسكري، استهداف سياسي، حملات إعلامية هائلة، حرب نفسية... كل أشكال الاستهداف التي وجَّهوها ضد شعبنا العزيز، ليصلوا وفق أهدافهم به إلى حالة الانهيار، ومن ثَمَّ الاستسلام لهم، واستعادة السيطرة الكاملة عليه من جديد، والمصادرة لحُرِّيَّته، لاستقلاله، لكرامته، والاستعباد له من دون الله، والسيطرة الكاملة على كلِّ ثرواته من جديد، وتحويل هذا الوطن في كلِّ مواقعه الاستراتيجية إلى قواعد عسكرية لهم، عملوا على ذلك، اشتغلوا لخلخلة الوضع الداخلي بشكل مكثَّف، الاستقطاب بشراء الولاءات والذمم، الإثارة للمشاكل والأزمات والاستثمار فيها... وغير ذلك، أعمال كثيرة جدًّا، الاستهداف الأمني... إلى غير ذلك.
بذلت الأجهزة الأمنية جهودًا كبيرة، في التصدي للخلايا الإجرامية، والخلايا الاستخباراتية المعادية لشعبنا العزيز، التي كانت تنشط لخدمة أولئك الأعداء.
أضرار الحصار مع طول المدَّة والتراكمات تزايدت، ولاسيَّما كما شرحنا: أنَّ تسعين بالمائة- بحسب حتى اعتراف الأمم المتَّحدة- من احتياجات اليمن، بما فيها الغذائية، يعتمد فيها البلد على الاستيراد من الخارج، فالقيود أثَّرت جدًّا، الاستهداف للعملة المحلية، الاستهداف لشعبنا العزيز في كل المجالات، والنتيجة هي: أنَّ الظروف المعيشية لشعبنا العزيز وصلت إلى حالة المأساة الكبرى، ووصلت إلى وضعٍ كارثي لا يمكن أبدًا التجاهل له، والتغاضي عنه كما شرحنا؛ لأنها معاناة رهيبة جدًّا، باعتراف الأمم المتَّحدة، باعتراف المنظَّمات الأجنبية.
الأمم المتَّحدة قدَّرت أنَّ: [أكثر من اثنين وعشرين مليون شخص في اليمن، سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية في العام 2026م]، يعني: هذا العام الذي نحن فيه، يعني: إلى هذا الحد من المعاناة الكبيرة، انعدام القدرة الشرائية، حالة الفقر التي وصلت إلى مستوى قاسٍ جدًّا، تحت خط الفقر.
أيضًا في التقرير- تقارير الأمم المتَّحدة بنفسها- أنَّ: [أكثر من ثمانية عشر مليون شخص في اليمن يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي]، يعني: أزمة حتى في الحصول على الطعام، على الغذاء الضروري، [فيما يعاني أكثر من مليوني طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد]، هذه الوضعية الكارثية هل يمكن أن ننتظر إلى ما هو أسوأ منها: أن يموت أبناء هذا الشعب في مجاعات تنتشر في كل الأرياف والمدن، أو أن يصل الحال في الانهيار في الوضع الصحي كذلك إلى أسوأ مما قد حدث؟!
وزارة الصحَّة العامة نشرت إحصائيات وتفاصيل مؤلمة للغاية، تبيِّن حجم المعاناة التي صنعها الأعداء، صنعها الأعداء ضد هذا الشعب، يعني: حالة استهداف، وزارة الصحَّة ذكرت أنَّ: [تداعيات الحصار، ونقص الأدوية، والرعاية الصحِّيَّة أدَّى إلى وفاة أكثر من مليون وأربعمائة ألف يمني]، عدد هائل، عدد كبير جدًا، يعبِّر عن مأساة حقيقية في الوضع الصحي في البلد، في نقص الخدمات، نقص الرعاية، [انعدام مائة وعشرين صنفًا من أدوية الأمراض المزمنة]، الإمكانيات في الرعاية الصحِّيَّة إمكانيات وصلت إلى نقطة الصفر بالنسبة للجانب الرسمي، والجانب الشعبي كذلك، الحالة مأساوية بكل ما تعنيه الكلمة.
الجهات الرسمية في البلد نشرت إحصائيات مفصَّلة ودقيقة عن آثار العدوان، وآثار الحصار، الأضرار الناجمة من العدوان، ما فعله المعتدون بهذا البلد، وما نتج عن ذلك، وأيضًا الحصار كذلك، وأعلنوا عنها في مؤتمرات صحفية، ونشروها في وسائل الإعلام، وهي متوفِّرة ومتاحة لمن يريد الاطلاع؛ ليعرف أننا شعبٌ مظلومٌ مظلوميةٌ عظمى كبيرة، من أكبر المظلوميات على وجه الأرض، وشعب له قضية حقيقية، وحينما يتحرَّك لمواجهة أولئك الظالمين، الذين ظلموه كلَّ هذا الظلم، صنعوا له هذه المعاناة، فهو يتحرَّك بحق، بحقٍّ مشروع بكل الاعتبارات: الشرعية، القرآنية، الإسلامية، الإنسانية، القانونية... بكل الاعتبارات؛ وليس تحركًا بدون قضية، لإثارة مشاكل في المنطقة، أو ليسبب للآخرين الإشكالات والإزعاج هكذا؛ لأنه يتحرك بشكل فوضوي، بدون مبرر، أو لخدمة أجندة خارجية أخرى.
نحن- فعلًا- في هذه المرحلة نستفيد من الظروف الدولية والإقليمية، التي انشغل فيها الأعداء بالمواجهة الكبرى في المنطقة، خففت علينا نسبةً من الضغط والاستهداف، وهذه من الفرص المتاحة لنا، لكننا أصحاب قضية حقيقية واضحة، ونحن مستعدون أن نناقش، أن نجادل، أن نخاصم، أن نواجه كل الذين يحاولون أن يقدِّموا صورةً زائفة وباطلة عن حقيقة موقفنا، الذين يصوِّرون المسألة وكأننا مجرَّد مشاغبين في ظروف حرجة في المنطقة لصالح أجندات أخرى خارجية.
نحن في موقفنا المبدئي، والأخلاقي، والديني، والإنساني، نتضامن بكل ما تعنيه الكلمة مع شعوب أمَّتنا الإسلامية، وفي محور الجهاد والمقاومة، ونتعاون، ونعتبر أيّ عدوان أمريكي إسرائيلي صهيوني يستهدف أيَّ بلدٍ إسلامي، أنَّه يشكِّل خطرًا على هذه الأمة، وأنَّ من واجب المسلمين جميعًا أن يتعاونوا مع أي بلدٍ مسلمٍ تستهدفه أمريكا وإسرائيل، ولاسيَّما أنَّ الاستهداف يأتي أصلًا ضمن المخطط الصهيوني في المنطقة، الذي هو خطر على كلِّ أبناء هذه الأمة وبلدانها وشعوبها، وشرحنا حيثيات وخلفيات موقفنا كشعبٍ يمني كثيرًا وكثيرًا.
ولكننا أيضًا أصحاب قضية حقيقية، ومظلومية كبرى، هي من أكبر المظلوميات على وجه الأرض، والمعاناة التي يعانيها شعبنا العزيز، من أكبر المعاناة لشعبٍ من الشعوب في هذه الأرض، في هذه الدنيا، في هذا العالم، فكيف يستكثر الآخرون علينا، وينزعجون مِنَّا، حينما نتحرك ضد العدوان، ضد الحصار، ضد الظلم الذي على شعبنا؟! مع أنهم لو يُطلَب منهم أن يقبلوا بمثل ما عليه حالنا، وما يفعله بنا السعودي، بإشرافٍ أمريكي وصهيوني، لَمَا قبلوا ذلك، وأي شعب في العالم، أي شعب حر ما كان ليقبل بذلك.
هل تقبل الدول والكيانات التي تُبدي الآن وفي هذه الأيام تعاطفًا مع السعودي، وتُظهِر في موقفها أنها تريد أن تتعاون معه على الإثم والعدوان، أن تُغلَق مطاراتها على شعبها، وأن يُمنَع نهائيًا حركة الطيران فيها على المسافرين، على المرضى، على الجرحى، على الحركة التجارية، وأن يعودوا إلى مثل الحال في القرون الماضية، بلد محروم من خدمة الطيران بالكامل، الطيران المدني، طيران الرحلات للمواطنين ليسافروا للعلاج، ليسافروا لأغراضهم التجارية، لأغراضهم في شؤون حياتهم المختلفة، هذه واحدة فقط من مسارات الحصار الذي يحاصرنا به السعودي بشكلٍ مباشر، ويسعى لمنع الرحلات الجوِّيَّة من بلادنا وإلى بلادنا، هذا ظلم، لتقول لنا تلك الكيانات المتعاطفة مع السعودي، والمتباكية معه، والتي تذرف معه الدموع على منشآته النفطية، وعلى الردود التي تقوم بها القوَّات المسلَّحة على عدوانه وغاراته الجوِّيَّة على بلدنا، هل ستقبل بهذا فقط؟
هل ستقبل بالقيود التي وُضِعَت على الوارد التجاري إلى بلادنا، في أن تبقى لأشهر طويلة في دولةٍ أخرى للفحص، وللتفتيش، وللإجراءات التعسفية، قطعةً قطعة، مع أنَّها تأتي من بلدان آسيوية وخليجية، ومن بعض تلك البلدان المتباكية أصلًا، فلا تصل إلى أسواقها إلَّا بأغلى الأثمان، بأسعار مرتفعة جدًّا؟
هل تقبل بالإجراءات التي تستهدف العملة، تستهدف الجانب المصرفي، تستهدف الحركة التجارية، تتَّخذ إجراءات متنوِّعة وكثيرة، كلها تضيِّق الحركة التجارية وتعيقها، وتقيِّدها، وتكبِّلها لإعاقتها؟
هل تقبل كذلك بالقيود عليها، والحرمان لها من ثرواتها النفطية والغازية، وثرواتها العامة، وأن تبقى محرومةً بالكامل منها؟ من هو الشعب الذي يقبل بهذا؟! هل هو شيء طبيعي أن يبقى المسؤولون والموظفون- مثلًا- في تركيا، أو في باكستان، بدون مرتبات لسنوات طويلة: عشر سنوات، أحد عشر عامًا، اثني عشر عامًا بدون مرتبات؟ هل سيقبلون بهذا؛ لأن ثرواتهم النفطية والسيادية منعت عنهم، ووجِّهت لصالح دولة أخرى؟
هل هذه قضايا وهمية، قضايا لا تستحق أن يكون من أجلها موقف لشعب؟
هل يقبلون بأن يتدخَّل السعودي في كل شؤونهم بالتفصيل: على المستوى السياسي أن يكون هو من يعين الرئيس، والوزير، والموظف، والمسؤول، ولا يمكن أن يكون هناك لا رئيس، ولا وزير، ولا موظف إلَّا بتعيينٍ منه؟ هل يقبل الأتراك بذلك؟ هل يقبل الباكستانيون بذلك؟ هل تقبل الدول الخليجية الأخرى بذلك؟ هل تقبل بقية البلدان الإسلامية بذلك؟ أمَّا غير البلدان الإسلامية بالتأكيد لا يقبلون، ولكن هل سيقبلون بذلك؟ هكذا يفعل السعودي في بلدنا، يريد أن يكون هو المعني حصرًا بإشراف أمريكي بتعيين المسؤولين في البلد، ومن لا يعينه السعودي لا شرعية له؛ لأن الشرعية محصورة عنده له وللأمريكي، بالإشراف الأمريكي، وللإسرائيلي والبريطاني؛ أمَّا إرادة شعوبنا انطلاقًا من هويتها الإيمانية، فلا اعتبار لها عندهم.
ثم في مسألة السيطرة على الثروات النفطية والعامة، والاستباحة الكاملة للبلد، والتدخُّل في كل التفاصيل على كلِّ المستويات، وفي كل المجالات، من الذي يقبل بذلك؟ يعني: مصادرة كاملة للحُرِّيَّة، وللاستقلال، وللكرامة، وللعزة، يعني: الاستعباد من دون الله بكل ما تعنيه الكلمة؛ لأنه يريد- وبإشرافٍ أمريكي وصهيوني وبريطاني- أن يكون له الأمر والنهي في كل التفاصيل في هذا البلد.
وهذه المشكلة الحقيقية مع الجانب السعودي، يعني: لو أنَّ الجانب السعودي تفهَّم أن يكون له علاقة قائمة على مبدأ حسن الجوار، وعلى مبدأ القواسم المشتركة، المصالح المشتركة، التعامل باحترامٍ متبادل، وفق الحقوق المشروعة للشعوب؛ لما بقيت مشكلة أصلًا، لكنه يتَّجه هذا الاتِّجاه العدواني، الظالم، المستكبر، المتغطرس، الذي لا يمكن القبول به إطلاقًا، ويصر على ذلك بما يمارسه من عدوان وحصار على شعبنا العزيز؛ بهدف أن يصل به إلى الانهيار التام، ويفرض عليه حالة الاستسلام.
الحالة من الجانب السعودي، بإشراف أمريكي ضد شعبنا العزيز، هي حالة احتلال، احتل مساحة واسعة من هذا البلد، وسيطر عليها، حال من معه من المجنَّدين والموظفين تحت إمرته وسيطرته، وتحت توجيهاته، هي حالة واضحة؛ ليسوا أصحاب قرار، ليسوا أصحاب توجُّه مستقل، هم مجرَّد مأمورين تحت أمره، تحت نهيه، اشتراهم بالمال، باعوا أنفسهم منه، وتجنَّدوا معه ضد شعبهم، برنامجهم هو كله استهداف لهذا الشعب، عداء لهذا الشعب، عمل في الاتِّجاه العدواني ضد شعبنا العزيز في كل المجالات: المجال الاقتصادي، يتحركون وفق التوجُّه الأمريكي، السعودي، الصهيوني، البريطاني، لاستهداف هذا الشعب بكل الإجراءات التي تلحق الضرر العام بالشعب اليمني، ويجعل منهم السعودي والأمريكي مجرَّد قُفَّاز يلبسه على يده الإجرامية؛ ليكونوا غطاءً لإجرامه، وواجهةً لعدوانه، وإلَّا فالمسألة واضحة، كل الناس يعرفون أنَّ أولئك مجرَّد موظِّفين معه، هو الذي وظَّفهم، يعني: هو الذي يقول: [هذا رئيس، هذا وزير، هذا مسؤول لكذا، هذا...]، ويعطيهم تلك الصفات، يمنحهم أن ينتحلوا تلك الألقاب، وهم لا يمتلكون أي شرعية إطلاقًا بذلك؛ لأنهم مجرَّد خونة جنَّدوا أنفسهم مع أعداء هذا البلد، ووظَّفوا كل تحرُّكهم في خدمة أعداء هذا البلد، في كل الأنشطة العدوانية التي تستهدف هذا الشعب، وهذا هو الحال، خضوعهم واضح، الأمر والنهي فيهم هو للسعودي.
مع كلِّ المعاناة الكبيرة لشعبنا العزيز، ومنذ بداية هذا العام الهجري، بدأ شعبنا بالتحرك للضغط لإنهاء الحصار والعدوان، والمطالبة بثروته السيادية: النفط، الغاز، الكهرباء أيضًا من المحطات الغازية... وغير ذلك من ثرواته العامة، وحقوقه المشروعة المعترف بها عالميًا، بدأت محاولة إنهاء الحصار عن المطار، واستئناف الرحلات للمرضى والمسافرين، وحينها جُنَّ جنون العدو السعودي؛ لماذا يريد شعبنا أن يستأنف الرحلات الجوِّيَّة للمرضى والمسافرين؟! وعاد إلى التصعيد من جديد، وقصف المطار في صنعاء بالغارات الجوِّيَّة، واتَّجه إلى التحشيد البري لعشرات الآلاف من المقاتلين، للعتاد العسكري بكميات هائلة جدًا، المئات من الشاحنات المعبأة بالسلاح، والذخائر، والقذائف، لإبادة شعبنا، وعشرات الآلاف من المجنَّدين معه، والمرتزقة، والخونة، الذين يحشدهم لاستهداف شعبنا.
هذه العودة إلى التصعيد بالقصف الجوِّي، والتحشيد للتصعيد البري، تصدى لها بلدنا، شعبنا، مؤسساتنا الرسمية، قوَّاتنا المسلَّحة، واتَّجهوا لمواجهتها وفق معادلة (الحصار بالحصار، والتصعيد بالتصعيد)، وهذا حق طبيعي، بالاعتبار القانوني، بالاعتبار الفطري، بالشرع الإلهي، {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[الشورى:41-42]، {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}[البقرة:194]، {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}[الحج:39]، كم في القرآن الكريم من آيات تبيِّن الشرعية الإلهية؟ الشرعية التي يعطيها الله، وليست أمريكا، وليست بريطانيا، وليست إسرائيل، شرعية الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" تعطينا الحق في مواجهة العدوان الظالم علينا كشعبٍ يمني، ومواجهة الحصار الجائر علينا كشعبٍ يمني، ونحن نتحرك وفق شرعية الله "جَلَّ وَعَلَا"، شرعية الإسلام، شرعية القرآن، والتي أيضًا تعترف بها الفطرة الإنسانية، مواثيق الأمم المتَّحدة، القانون الدولي.
نحن شعبٌ اعتدى علينا السعودي، ابتدأنا بالعدوان، بالغارات، بالتحشيد البري، إلى عمق مناطقنا، إلى عمق مناطقنا، حشد الآلاف إلى صحراء الجوف، إلى مأرب، إلى المخا والساحل الغربي، وإلى محيط محافظة البيضاء، وعلى الحدود، في كل الجهات، حشد عشرات الآلاف، تباهى عملاؤه، وأعلنوا أنهم متَّجهون لاجتياح ما تبقَّى من هذا البلد، والعمل على إخضاعه للسيطرة السعودية والصهيونية والأمريكية، وهم واضحون في ذلك، أنهم متَّجهون لفعل ذلك، مئات الشاحنات المعبأة بالسلاح، وعشرات الآلاف الذين حشدهم من مقاتليه التابعين له، بإشرافٍ من ضباطه، وقادته العسكريين السعوديين، الذين ذهبوا مع تلك التحشيدات إلى مأرب، إلى الجوف في الصحراء، واتَّجهوا إلى المخا في الساحل الغربي، واتَّجهوا إلى بقية الجبهات، كل هذا هل كان لتقديم عمليات إنسانية للشعب اليمني، وإحسان، وإغاثة؟! أم أنه- كما أُعلن عنه- بهدف الاجتياح لبقية هذا البلد؟ وحملات إعلامية، وحرب نفسية، وترهيب، ومحاولة لخلخلة الوضع الداخلي للشعب، وتبشير بأنهم قادمون بالجرائم، جرائم الإبادة الجماعية، والذبح على النمط الذي يفعلونه في بقية البلدان في حملاتهم التكفيرية الصهيونية... وهكذا، يعني: اتَّجهوا بكل وضوح للعدوان الشامل، والاستهداف الكامل لهذا الشعب، ويصرُّون على أهدافهم الشيطانية، العدوانية، الظالمة، في مصادرة الحُرِّيَّة والاستقلال لهذا الشعب.
اتَّجه شعبنا العزيز بقوَّاته المسلَّحة، ومؤسساته الرسمية، بالاعتماد على الله تعالى، بالتوكُّل على الله "جَلَّ شَأنُهُ"، من دافعٍ إيماني، وثقةٍ بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وتوجُّهٍ عملي لمواجهة ذلك التصعيد الذي بدأه السعودي هو بغارات جوِّيَّة، وتحشيدٍ بري، وتوجُّهٍ واضحٍ ومكشوف بالآلاف- وليس المئات- من الشاحنات المعبأة بالسلاح، ودخول الضباط السعوديين؛ ليقودوا بأنفسهم الحملات العدوانية لاجتياح هذه المحافظات الحرَّة من عمق المحافظات اليمنية، اتَّجه شعبنا للدفاع عن نفسه، الاستهداف لتلك التحشيدات التي تحشد عليه، لقتله، لإبادته، لاحتلال ما بقي من وطنه، واتَّجه لتثبيت معادلة الحصار بالحصار، واتَّجه ليرد على القصف الجوِّي السعودي، والقصف الصاروخي السعودي على هذا البلد بالمثل، بقصف إلى عمق السعودي، لاستهداف منشآته النفطية وقواعده العسكرية.
ولأن موقف شعبنا العزيز- بتوفيق الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، ونتيجةً لمظلوميته الواضحة، ولتوجُّهه بالاعتماد على الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" في بناء قدراته العسكرية- كان موقفًا فاعلًا، مؤثِّرًا، في التصدي للعدوان الغاشم، للحصار الظالم؛ أصبح السعودي يصيح، يتظلم، يصرخ، ويستنجد بالآخرين، مع أنَّ الأمريكي لا يزال داعمًا للسعودي في مستوى الاستثمار؛ لأنه يعتبره من عملائه في المنطقة، عملائه الرئيسيين، الذين يعملون له بكل إخلاص ويعملون لمصلحة العدو الإسرائيلي، و(ترامب) يصرح بأنه: [لولا السعودي لكان الإسرائيلي في مأزق، لما بقيت إسرائيل أصلًا]، الخبراء الأمريكيون موجودون في السعودية، الخبراء الصهاينة يعملون جنبًا إلى جنب مع السعودي، بريطانيون، هذا شيء مستمر لم يتوقَّف أصلًا.
القصة هي: أنَّ السعودي نتيجةً لفاعلية وقوَّة الموقف اليمني، في الدفاع والتصدي لعدوانه وحصاره ضد الشعب اليمني، أراد أن يجلب معه- كما قلنا في كلمة سابقة- أمريكا، و"إسرائيل"، وبريطانيا، ليدخلوا بشكل كامل في العدوان على اليمن، وليس فقط بالمشاركة بمستويات معيَّنة، الظروف الإقليمية في المعركة الكبرى في المنطقة جعلت الأمريكي مشغولًا إلى حدٍ ما، الإسرائيلي مشغولًا إلى حدٍ ما، البريطاني، الدول الغربية بشكلٍ عام مشغولة إلى حدٍ ما، وهذا بالنسبة للسعودي مشكلة بالنسبة له؛ لأنه يريد من الكل أن يقاتلوا معه ضد الشعب اليمني، أن يشاركوه في عدوانه وحصاره ضد الشعب اليمني، يريد أن يورِّط القوى الإقليمية، حتى في العالم الإسلامي، ليس فقط من الساحة العربية فحسب، أراد أن يجلب التركي، وأن يورِّطه معه، أن يورِّط الباكستاني معه، يستنجد بهم ليلًا ونهارًا، يستغيث بهم أن ينجدوه، أن يقاتلوا معه، أن يشاركوا معه في الإثم والعدوان على شعبنا العزيز.
اتَّجه- مع أنه في موقف المعتدي، والعدوان يصيح- ينفِّذ الكثير من الغارات الجوِّيَّة، يقصف باستمرار ليلًا ونهارًا في بلدنا، غارات جوِّيَّة وقصف صاروخي من داخل المملكة إلى محافظات متعدِّدة في بلدنا، ومناطق متعدِّدة، وفي قصفه يستهدف أيضًا الأعيان المدنية:
- قصف الجسور في بعض المناطق.
- قصف أبراج الاتصالات العامة في عدَّة محافظات.
- واستهدف حتى الإصلاحية المركزية في الجوف، التي قَتَل فيها النزلاء والزوار، بما فيهم أطفال ونساء بدون أيِّ مبرر إطلاقًا.
من الذي يستطيع في كل العالم أن يقدِّم تبريرًا منطقيًا لقيام السعودي بقصف الإصلاحية المركزية في محافظة الجوف، وقتل نزلائها وزوارهم؟! من الذي يستطيع أن يقدِّم تبريرًا منطقيًا في كل الدنيا هذه؟ أوليست جريمةً واضحةً مكشوفةً؟ هل أدانها أحد من الأنظمة في العالم الإسلامي والعربي؟ لا نتوقع منهم ذلك، لم يفعلوا ولا نتوقع منهم ذلك؛ لأنهم بلا ضمير لا إنساني، ولا إسلامي... ولا شيء، ولسنا نراهن في مواقفنا عليهم، نحن نعتمد على الله، {وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا}[النساء: 45].
الموقف الحر في العالم الإسلامي بقي فقط لمحور الجهاد والمقاومة، ولأصوات محدودة حرَّة هنا أو هناك، ولكن على المستوى الرسمي التوجُّه العام واضح: ما بين مستسلم، وما بين من يعمل لخدمة الصهاينة والأمريكان والبريطانيين، ما بين مواقف تبنى على مكاسب سياسية، مصالح مادية، ولا تبنى لا على مبادئ، ولا على حقوق، ولا على قضايا عادلة، ولا... بعيدة كل البعد عن الإنصاف.
في القصف بالغارات التي بلغت إلى الأمس إلى أكثر من (سبعمائة وستين غارة)، أوليس عددًا كبيرًا؟ لو قُصِفت باكستان بسبعمائة وستين غارة، أو تركيا بسبعمائة وستين غارة، أو أي بلد هنا أو هناك، أليس سيجعل منها مشكلة كبيرة؟ ولكن عندما يقصف العدو السعودي والمعتدي السعودي على بلدنا، ومهما كانت نتيجة قصفه، أن يقتل أطفالًا، نساء، نزلاء سجن وزوَّاره، أو أن يدمِّر من الأعيان المدنية. أبراج اتصالات، مساكن مواطنين، كما فعل في (ذو باب)، استهدف حتى مساكن المواطنين؛ للضغط عليهم بالتهجير من مساكنهم، وإلَّا فالقتل... وهكذا ما يفعله من جرائم، قَتَل الأطفال والنساء، لدينا الكثير من الشهداء من الأطفال والنساء والمدنيين، استهدف الكثير من الأعيان المدنية، ويسكتون؛ لأنهم يتَّجهون فعلًا كما يقال: ((الساكت على الحق شيطانٌ أخرس))، خُرْس، {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ}[البقرة:18]، لا ينطقون، ولا يشعرون، ولا يفهمون، ولا يعلمون، لا يتحركون إلَّا في اتِّجاهات خاطئة، لكن عندما يأتي الرد من اليمن، يصيحون: [هذه عمليات مزعجة]، ينزعجون جدًّا، تقوم الدنيا ولا تقعد.
اتَّجه السعودي في الأسبوع الماضي للبهتان العظيم على يمن الإيمان؛ بهدف التشويه، والتحريض، وتأليب الآخرين، ومحاولة أن يغيِّر حتى من عنوان ما يحدث، يحوِّل القضية إلى قضية أخرى، عندما وجَّه بهتانه البشع، الفظيع، الدنيء، الساقط، ضد شعبنا العزيز، بأنه يستهدف مكَّة المكرَّمة، أرواحنا لها الفداء.
كنا في الكلمة الماضية تحدثنا بكثيرٍ من التفصيل عن الموضوع، والتفنيد لهذا البهتان العظيم، والموقف من العدو السعودي، الذي أساء في ذلك إلى مكَّة المكرَّمة، عندما يوظِّف قدسية مكَّة المكرَّمة، التي هي مَعْلَم إسلامي، نحن لا نعتبر مكَّة المكرَّمة إمارةً سعودية، نحن نعتبرها مَعْلمًا إسلاميًا لكلِّ المسلمين على حدٍ سواء، ليس السعودي صاحب اختصاص بها، وأنها له، ويحاول أن يتمترس بها في مواجهة المسلمين هنا أو هناك، في إطار مواقفه السياسية التي تخدم أمريكا، وإسرائيل، والصهيونية، وبريطانيا، هي مَعْلَم إسلامي، نحن معنيون بقدسية وحرمة وتعظيم مكَّة المكرَّمة والدفاع عنها.
ونحن- كشعبٍ يمني- بهويتنا الإيمانية الراسخة، التي عبَّر عنها رسول الله "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ" بقوله: ((الْإِيْمَانُ يَمَان، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَّة))، قد نكون من أعظم الشعوب- إن لم نكن أعظمها على الإطلاق- في التعظيم والتقديس لمكَّة المكرَّمة، والمدينة المنورة، والمقدَّسات الإسلامية، والمسجد الأقصى، وسائر المقدَّسات الإسلامية، لكن في المقدِّمة: مكَّة، وبيت الله الحرام، والكعبة المشرَّفة حرسها الله؛ لأننا نحمل الانتماء الإيماني الأصيل، الراسخ في وجداننا، في مواقفنا، في مبادئنا، في توجُّهاتنا، ونحن الأوفى لمكَّة، للكعبة، والأولى بنصرتها والدفاع عنها من السعودي الخائن، العميل، الذي لا يمتلك لا في المبادئ، ولا في القيم، ما يجعل له خصوصيةً في ذلك عن سائر الأمة الإسلامية، بل هو في واقعه الأكثر بُعدًا عن كلِّ هذه الاعتبارات، التعظيم لشعائر الله عنده في العقيدة التكفيرية شرك، وخروج من الملة، ومنذ نشأته واحتلاله لمكَّة المكرَّمة، ارتكب في مكَّة المكرَّمة أبشع الجرائم، وهذه حقائق تاريخية.
بإمكان الشعوب أن يقرأوا التاريخ، ماذا فعل السعودي عندما احتل مكَّة؟ وكيف احتلها؟ وما ارتكب فيها من جرائم الإبادة الجماعية؟ كم قتل فيها من الحجاج؟ كم قتل من سكَّانها بأبشع الجرائم على النمط التكفيري الداعشي، في الإبادة الجماعية للأطفال والنساء، والكبار والصغار، وانتهاك الحرمات، وما فعل بكل مَعَالمها وآثارها الإسلامية، ما فعله في الطائف، دعك عن مكَّة، ما قبل مكَّة في الطائف، قتل وأباد حتى الأطفال عندما اقتحمها واحتلها، وقتل النساء، وأباد سكَّانها، فعل الأفاعيل، حقائق التاريخ هامَّة، مهمة جدًّا، ومن المهم أن يطَّلع عليها الناس، أن تطَّلع عليها الشعوب، أن تعرف بها، كم هي اعتداءاته على الحجاج مع مرور الزمن؟ لو لم يكن إلا مجزرة تنومة، مجزرة رهيبة من أكبر الجرائم، إبادة ثلاثة آلاف حاج في مكان واحد، في وقتٍ واحد، أليست هذه من الجرائم الكبيرة؟ ثلاثة آلاف حاج عزَّل من السِّلاح، وأبادهم بشكلٍ كامل من اليمن، من الشعب اليمني، وهذا لا يزال السعودي يتحمَّل المسؤولية عنه، وكم من الجرائم الرهيبة!
هو يتعامل مع مكَّة المكرَّمة، مع الشعائر الإسلامية، مع المقدَّسات الإسلامية، بالاستغلال التجاري، يصد الناس عنها، يأخذ المبالغ الهائلة جدًّا، في مقابل أن يترك للمسلمين الفرصة للحج والعمرة، كم يدفعون في العالم الإسلامي ويتحكَّم بهم؟ هو يحاول الاستغلال السياسي لقدسية المقدَّسات الإسلامية، في فرض نفوذٍ له في العالم الإسلامي يخدم به أمريكا وإسرائيل وبريطانيا، وليس له حتى مشروع مستقل، أو توجُّهات مستقلة، ومع ذلك هو الذي تقرَّب بكساء الكعبة إلى المجرم اليهودي الكافر [جيفري إبستين]؛ ليجعل من الكسوة جزءًا منها بساطًا يدوس عليه بنعاله، وجزءًا للامتهان له في الطقوس الشيطانية، هو أبعد الناس عن احترام الكعبة، واحترام المقدَّسات، واحترام مكَّة، واحترام المدينة، لكن من باب الاستغلال، هو يعمل على أساس الاستغلال، هو ينسى قول الله تعالى ويغفل عنه الكثير من المسلمين، والكثير من الحكومات، حينما قال: {وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}[الأنفال:34]، وفعلًا أكثر العالم الإسلامي اليوم من حكومات، وأنظمة، وشعوب، ونخب، لا يعلمون بهذه الحقيقة، مع أنها آية في كتاب الله، في (سورة الأنفال)، الولاية الحق على المشاعر المقدَّسة، على مكَّة المكرَّمة، على المدينة المنوَّرة، التي هي ولاية حق يرضاها الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" للمتقين، وليس للفاجرين، والموالين لليهود والنصارى، والمستقدمين للعاهرات في حفلات الترفيه، والمرتكبين لأبشع الجرائم ضد أمَّتنا الإسلامية في مختلف الشعوب، والمستهدفين لهذه الأمة في كل مؤامرات أعدائها عليها، وهم جزءٌ يساهم بالمال، بالإعلام، بالنفوذ السياسي... بكل الوسائل.
يغفلون عن قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ}[الحج:25]، {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ}[الحج:25].
الدور السعودي هو دور متسلط، مستغل بغير حق، بأسوأ أشكال الاستغلال، ويوظِّف حتى منبر المسجد الحرام ضد أبناء هذه الأمة، وشرفاء هذه الأمة، وأخيار هذه الأمة، وشعوب هذه الأمة، بما فيها يمن الإيمان والحكمة، بما وصفهم به رسول الله "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ".
فالسعودي هو مستثمر- بنظرنا- استثمارًا قذرًا، سيئًا، مسيئًا للمقدَّسات الإسلامية، وقاطع طريق، وهو منتهك لحرمة المقدَّسات الإسلامية منذ احتلالها، وهو يرتكب أبشع الجرائم الفظيعة، وجرائمه رهيبة جدًّا؛ ولهذا ينبغي أن تكون الشعوب واعية، واعية، لا تقدِّس السعودي بالنظرة إلى أنه يحتل ويسيطر على المقدَّسات الإسلامية، تنظر إليه بحقيقته، بمعزلٍ عن ذلك، بحقيقته في ارتباطه بالأجندات الصهيونية، و[جيفري إبستين]، بأمريكا و"إسرائيل" وبريطانيا، بمؤامراته التي استهدف بها هذه الأمة، وكان شريكًا في كل المؤامرات الصهيونية على هذه الأمة، له أكبر دور في إثارة الفتن الطائفية، والسعي لتمزيق المسلمين، والحيلولة دون توحّدهم على أي موقف، حتى في نصرة القضية الفلسطينية، أكبر دور سلبي وتخريبي في ذلك هو للسعودي، هذه من الحقائق المهمة.
في هذا السياق، كان هناك مؤتمر مهم جدًّا لعلماء اليمن الأجلاء، وخرجوا ببيان مهم جدًّا، من المهم للعالم الإسلامي أن يطَّلع على ذلك البيان، هناك أيضًا مواقف للعلماء الربَّانيين والأحرار، علماء الدين الأحرار في العالم الإسلامي، في مواجهة هذا البهتان والإفك الذي استهدف العدو السعودي شعبنا العزيز، ويمن الإيمان والحكمة، الكثير من الأحرار في العالم، في العالم الإسلامي بنفسه، من النخب، من الثقافيين، من الإعلاميين، من الأكاديميين، من السياسيين، كان لهم مواقف مشرِّفة نحن نشيد بها.
شعبنا العزيز كان له خروج مليوني عظيم في يوم الجمعة ضد هذا البهتان، وللتأكيد على موقفه في مواجهة التصعيد بالتصعيد، والحصار بالحصار.
العار والخزي على الذين تلقوا ذلك البهتان، وتبنوه؛ من أجل علاقات سياسية، مكاسب مادية، أحقاد وضغائن لها دوافع سلبية وشيطانية، وهذا- كما أشرنا سابقًا- لا يمكن التغاضي عنه حتى في المستقبل، يعني: نحن نتمسَّك بحقنا الشرعي والقانوني تجاه هذا البهتان، تجاه كل الذين تبنوا هذا البهتان، والأيام دوَّارة، والزمن يمشي، والمتغيرات تأتي، ما فعلوه مجاملة للسعودي، وأحقاد من بعضهم، أحقاد على هذا الشعب، ليس هينًا، {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ}[النور:15]، المسؤولية الشرعية، الأخلاقية، القانونية كبيرة، في تبنِّي مثل ذلك البهتان العظيم.
ما يسعى له السعودي في هذه الأيام، هو أنه يحاول أن يورِّط الآخرين معه في العدوان على شعبنا، لاسيَّما التركي والباكستاني، وفي إطار التركي يسعى لتفويج أيضًا الجماعات التكفيرية في سوريا، التي تتفرج على العدو الصهيوني وهو يستبيح سوريا بكل أشكال الاستباحة: يحتل الأرض، ينتهك الأعراض، يختطف أبناء الشعب السوري، يقتل، يدمِّر، يقيم الحواجز، يتحدَّى الجانب السوري والجماعات تلك وزعيمها من على مسافة خمسة وثلاثين كيلومتر من القصر الرئاسي في دمشق، من على جبل الشيخ، يحتقرهم، يهزِّئهم، يتحداهم، يوبِّخهم، يهينهم بكل ما تعنيه الكلمة، دون أن يجرؤوا على أن يكون لهم موقف قوي حتى على مستوى الكلمة، على مستوى الكلمة، يستبيح كل شيء في سوريا، يصل أطراف دمشق، دون أن يجرؤوا على أن يمنعوه، أو أن يعيقوا تحركه في الطريق، أو أن يفعلوا أي شيء.
على كلٍّ، نحن ننصح كل تلك الدول، ننصح التركي، ننصح الباكستاني، ونحن نعرف حقيقة موقف الشعوب، أنَّها تختلف عن مواقف الأنظمة، ننصحهم بألَّا يتورَّطوا طمعًا في المكاسب السياسية والمادية من الجانب السعودي، الجانب السعودي هو يستعين بالأمريكي، الأمريكي هو شريكه أصلًا في كل جرائمه، والأمريكي يقوم حتى بعمليات الاعتراض للطائرات المسيَّرة في الأجواء السعودية، ويشارك بأشكال كثيرة، بل إنه يدرس خيارات أكثر في مجال التصعيد مع الجانب السعودي، ولكننا أصحاب قضية، يعني: مهما كانت التحديات، مهما كانت مسألة من يتعاطف مع المعتدي على شعبنا وبلدنا، مع الظالم؛ لأنه هكذا الحال في هذه المرحلة في واقع أمتنا الإسلامية، تتعاطف كياناتها، حكوماتها، أنظمتها مع الظالم، تنطلق في مواقفها على اعتبارات وحيثيات بعيدة كل البعد عن مبادئ الإسلام، وتعاليم الإسلام، وتخالف القرآن، وتخالف الرسول "صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ"، وتتَّجه لخدمة أعداء الأمة.
الذي يتورَّط مع السعودي هو خاسر، خاسر بكل ما تعنيه الكلمة، ويتحمل في نفس الوقت كل التبعات على المستوى الأخلاقي، والقانوني، والشرعي، والإنساني، في كل ما يرتكب من جرائم ضد شعبنا العزيز، اللائق بتلك الكيانات: سواءً التركي، الباكستاني... كل الأنظمة، أن تقف الموقف المشرِّف مع الشعب الفلسطيني المظلوم، الذي له قضية إسلامية، وليس مع السعودي الشريك لأمريكا، الشريك لبريطانيا، الشريك لإسرائيل في كل مؤامراتها على أبناء هذه الأمة؛ أو أن يكون لهم موقف إيجابي في إنهاء الحرب والمشكلة، وفق حلول منصفة؛ لأننا أصحاب موقف عادل، قضية منصفة، نحن أصحاب إنصاف، نحن لا نأتي بشروط تعجيزية، نقول: أوقفوا العدوان على شعبنا، أنهوا هذا الحصار الظالم الجائر على شعبنا، أنهوا الاحتلال لبلدنا، يعني مطالب منصفة بكل الاعتبارات، وحقوق عادلة ثابتة لشعبنا العزيز، ومطالب مشروعة لشعبنا العزيز، المفترض أن يكون الدور إيجابيًا لأي طرف يريد أن يتدخل.
بالنسبة لنا، نحن كشعبٍ يمني من حقنا أن ننعم بالحُرِّيَّة والاستقلال، أن نستفيد من ثرواتنا الوطنية: من نفطنا، من غازنا... من مختلف ثرواتنا، أن نحظى- كشعبٍ يمني- بحقوقنا المشروعة، المعترف بها عالميًا لكلِّ الشعوب: حركة المطارات، الحركة التجارية، سفر المرضى والعالقين والمسافرين، إنهاء الحصار؛ ولهذا نحن أصحاب قضية حقيقية وكبيرة ومهمة؛ ولهذا مهما كانت التحديات والمعاناة، فشعبنا متمسكٌ بحقوقه المشروعة، وقضيته العادلة، وهو ثابتٌ في تمسكه بقضايا الأمة، وفي مقدِّمتها: القضية الفلسطينية.
القضية الفلسطينية كل يومٍ فيها مستجدات، تحمِّل هذه الأمة الإسلامية المسؤولية، في أن تقف الموقف الحق مع الشعب الفلسطيني المظلوم، وتجاه المقدَّسات والأقصى.
العدو الإسرائيلي يجعل من انتهاك حرمة المسجد الأقصى، ومن الإبادة للشعب الفلسطيني، من قتل الشعب الفلسطيني، من تهجيره، من حصاره، من ظلمه بكل أشكال الظلم، حتى دعاية انتخابية، دعاية انتخابية! يذهب (المجرم نتنياهو) إلى حائط البراق، من أجل أن يقدِّم دعاية انتخابية، وغيره من المجرمين الصهاينة يفعلون ذلك، جرائم القتل الإبادة تتحول إلى دعاية انتخابية، وصل الحال إلى هذا المستوى.
واجب الأمة بدلًا من تغذية الصراعات الداخلية، بدلًا من التورُّط فيها، حتى تكون بمستوى أكبر، أن يعملوا لنصرة الشعب الفلسطيني، أن يواجهوا الخطر الصهيوني الذي يستهدفهم جميعًا، وتجاه مثل هذه القضايا أن يعملوا على حلها بالعدل، بالإنصاف، نحن جاهزون لتقبُّل أي حل منصف، هذه مطالبنا:
- أن يوقف السعودي عدوانه علينا.
- أن ينهي حصاره على شعبنا؛ لأنه حصار جائر ظالم.
- أن يكف عن حرمان شعبنا من ثروته النفطية الغازية، وثرواته الوطنية والتحكُّم بها.
- أن ينهي احتلالهم لهذا البلد؛ لأنه محتل، يقود بضباطه السعوديين، وبمسؤوليه كل الذين يتحركون معه في جبهات الداخل في هذا الوطن، التي في المحافظات التي قد احتلها وسيطر عليها، ويتدخَّل في شؤون هذا البلد في كل المجالات.
ولذلك نحن أصحاب حق وقضية عادلة، أولويتنا هي واضحة دائمًا: قضايا الأمة الكبرى، المخاطر التي تهدد الأمة جميعًا، عدونا واضح، مواقفنا واضحة، ثوابت واضحة، ولا نزيغ عنها ولا نميل، مهما كانت المعاناة، في أي مرحلة تصعيد يعاني منها الشعب الفلسطيني من جديد، نحن معه وإلى جانبه، بمثل ما كنا في (معركة طوفان الأقصى)، وبأكثر من ذلك، وهكذا تجاه أي محنة للعالم الإسلامي، نحن حاضرون من منطلق إيماني، وديني، ومبدئي، وأخلاقي، لتحمُّل مسؤوليتنا بكل ما نستطيع، وهذه القضية التي تعنينا في شأننا اليمني، في مواجهة التصعيد والعدوان والحصار، نحن ننطلق فيها من منطلق إيماني، وديني، وإنساني، وأخلاقي أيضًا.
شعبنا في موقف الحق، له قضية عادلة، وحقيقية ليست وهمية، شعبنا واعٍ بقضيته ومظلوميته، متوكِّل على الله، ومستعين بالله، {وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا}[النساء: 45]، ومهما كانت الصعوبات والتحديات، فثمرة التوكُّل على الله، والصبر، والمثابرة، وأداء الواجب، والقيام بالمسؤولية، هي الثمرة التي وعد الله بها عباده المتقين: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}[الأعراف:128].
قد تكون أحيانًا حجم الأحداث كبيرة، والضغوط كبيرة، والمعاناة كبيرة، لكن التوكُّل على الله، والاعتماد عليه، والأخذ بالأسباب وفق السنن الإلهية، يؤدِّي إلى ثمرة عظيمة؛ لأن الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" هو الذي له الأمر، إليه ترجع الأمور، كما قال "جَلَّ شَأنُهُ": {أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ}[الشورى:53]، {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ}[آل عمران:109]، وهو القائل: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}[الأعراف:128].
أدعو شعبنا العزيز إلى مواصلة أنشطته التعبوية، نفيره العام، اهتمامه الكامل، يقظته العالية، الثورة مستمرة:
- في السعي لتحقيق الحُرِّيَّة والاستقلال التام.
- وفي السعي لإصلاح مؤسسات الدولة.
- في السعي للنهضة الزراعية والاقتصادية والإنتاج المحلي.
- في التصدي للحصار.
- في مواجهة العدوان.
- في البناء للقدرات العسكرية والأمنية، والتحرُّك في مختلف المجالات.
هي ثورتكم أيُّها الشعب، هي نهضتكم، هي حركتكم أنتم، وموقفكم أنتم.
ما يقوم به شعبنا العزيز، ما يجري في اليمن ليس مسألةً تخص فئةً معيَّنة، ليست قضية حوثيين، قضية شعب يمني، قضية لشعب بأكمله، مصير شعب، موقف شعب، مظلومية شعب، ونهضة شعب، وحركة شعب، هذه هي الحقيقة، وعلى العالم أن يعيها جيدًا، ومن يريد أن يتجاهلها، سيجد نفسه دائمًا في الموقف الخاطئ، ويكتشف اتِّجاهه بأنه متخبِّط وبعيد عن الواقع والحقيقة.
أَسْألُ اللَّهَ "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّجَ عَنْ أَسْرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيْعُ الدُّعَاء.
وَالسَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛




