عبدالله علي هاشم الذارحي
في المحاضرة الرمضانية الـ21 لعام 1447هـ، تحدث السيد القائد، عن محطة عظيمة من محطات التاريخ الإيماني، وهي محطة بعثة نبي الله موسى عليه السلام، مبينًا ما تحمله هذه الحادثة من دلالات إيمانية عميقة، ودروس عظيمة للأُمَّـة في مسيرتها الرسالية ومواجهتها للطغيان.
أوضح السيد القائد أن مشوار موسى عليه السلام مع الله تعالى كان مشوارًا تكامليًا تصاعديًّا في إطار المهمة الكبرى التي كلفه الله بها، وهي إنقاذ المستضعفين من ظلم فرعون وطغيانه.
فحياة الأنبياء ليست أحداثًا عابرة، بل مسارًا إلهيًّا متدرجًا يهيئهم لتحمل أعظم المسؤوليات في مواجهة الطغاة ونصرة الحق.
والأنبياء يتحَرّكون في إطار التربية الإلهية والتدبير الرباني الحكيم، حتى يصلوا إلى اللحظة الحاسمة التي يبدأ فيها التكليف المباشر بالرسالة.
البعثة الإلهية.. تكريم عظيم للإنسان
بيّن السيد القائد أن القرآن الكريم تحدث بتفصيل عن أجواء بعثة موسى عليه السلام، لأن مسألة البعثة بالرسالة من أقدس وأعظم القضايا، فهي مرتبطة بالله سبحانه وتعالى وربوبيته وتدبيره لشؤون عباده.
فالرسالة الإلهية تمثل تكريمًا كَبيرًا للإنسان؛ إذ لم يتركه الله في هذه الحياة بلا هدى أَو توجيه، بل أبقى الصلة بينه وبين عباده عبر الرسل الذين يبلغون تعليماته وهداياته.
واستعرض السيد القائد الأجواء التي وقعت فيها هذه الحادثة العظيمة، حين كان موسى عليه السلام يسير مع أهله في ليلة مظلمة باردة بالقرب من جبل الطور، فرأى نارًا فاستأنس بها وقال لأهله:
﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَو آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾.
كانت تلك اللحظة بداية التحول الكبير في حياته، فحين وصل إلى تلك النار نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة بنداء إلهي عظيم: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
وأوضح السيد القائد أن هذا النداء. كان صوتًا مسموعًا أنشأه الله من الشجرة في البقعة المباركة، في موقف مهيب وعظيم، حضرته الملائكة، وغمره الجو الإلهي المقدس.
الأثر النفسي العظيم للوحي
إن تكليم الله لموسى عليه السلام كان له أثر بالغ في نفسه، فقد منحه ثقة وطمأنينة عظيمة، لأن المهمة التي سيقوم بها شديدة الخطورة؛ إذ سيتحَرّك لمواجهة أكبر طاغية في زمانه وهو فرعون، دون جيش ولا إمْكَانيات، بل وهو من المستضعفين.
ولذلك كانت هذه اللحظة الإيمانية العظيمة دفعة معنوية كبرى لموسى عليه السلام، ليتحمل مسؤولية الرسالة ويتحَرّك بثبات في مواجهة الطغيان.
قدسية الوحي وتصحيح المفاهيم
وأكّـد السيد القائد أن مسألة نزول الوحي للأنبياء تأتي في أجواء من القدسية والجلال والطمأنينة، وليست كما صورتها بعض الروايات غير الصحيحة التي شوهت حقيقة الوحي، حتى أصبحت تلك الروايات تُدرس في بعض المناهج.
فالرسالة الإلهية لا تأتي في أجواء ملتبسة أَو مليئة بالخوف والتصرفات الغريبة، بل في أجواء إيمانية واضحة ومباركة، وغالبًا ما يكون نزول الوحي عبر الملائكة الذين يبلغون الأنبياء رسالة الله تعالى.
قدسية الأماكن المرتبطة بالرسالة
تطرق السيد القائد إلى أن الأماكن التي ترتبط بالوحي والرسالة تكتسب قدسية خَاصَّة، كما قال الله تعالى لموسى:
﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾.
فهذا الوادي اكتسب قدسيته من ارتباطه بالرسالة والوحي. وكذلك الحال في كثير من المعالم الإسلامية مثل المسجد الحرام والكعبة المشرفة والمساجد عُمُـومًا، التي تمثل محطات إيمانية عظيمة في حياة المسلمين.
وأوضح السيد القائد أن المسلمين لا يتعاملون مع هذه الأماكن كأصنام –كما يزعم البعض– بل؛ باعتبَارها أماكن مقدسة جعل الله فيها صلة خَاصَّة بين عباده وبين عبادته وطاعته.
استهداف المقدسات من قبل الأعداء
وأشَارَ السيد القائد إلى أن الأعداء يدركون أهميّة هذه المعالم والمقدسات في حياة الأُمَّــة الإسلامية، ولذلك يسعون إلى تدميرها أَو طمسها.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما يتعرض له المسجد الأقصى من اعتداءات ومحاولات للطمس والتهويد.
كما أن التيارات التكفيرية تسهم في استهداف المقدسات الإسلامية، لأنها تخدم بذلك مخطّطات الأعداء وتضعف ارتباط الأُمَّــة بمعالمها الدينية والتاريخية.
مسؤولية الاستماع لهدى الله
وختم السيد القائد حديثه بالتأكيد على أن الله تعالى قال لموسى عليه السلام: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾.
فهذا الاختيار الإلهي يذكّر موسى بعظمة المسؤولية الملقاة على عاتقه، ويؤكّـد أن أَسَاسَ النجاح في أداء الرسالة هو الإصغاء لتوجيهات الله والالتزام بهديه وتعليماته.







