أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبِين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.
الَّلهُمَّ اهْدِنَا، وَتَقَبَّل مِنَّا، إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ العَلِيم، وَتُبْ عَليَنَا، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمْ.
أَيُّهَـــــا الإِخْـــــــوَةُ وَالأَخَـــــــوَات:
السَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛
في سياق الحديث على ضوء الآية القرآنية المباركة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[البقرة:104]. تحدَّثنا في آخر ما تحدَّثنا عنه بالأمس: عن المسؤولية والوعي تجاه ما نقول وما لا نقول، وبالذات كأمَّةٍ مسلمة، تواجه أعداءً خطرين، هم اليهود بكل ما يمتلكونه من: خبث، وكيد، ومكر، وتركيز على الإضلال، والإفساد، والتزييف للحقائق، واللبس للحق بالباطل، واهتمام كبير بالدعايات، وتركيز واسع على المقولات، والدخول من خلالها إلى عمق المجتمع الإسلامي للتأثير عليه في جوانب كثيرة.
وتحدَّثنا في هذا السياق عن الجانب الإعلامي، كجانبٍ من الجوانب الهامة، يأخذ مساحةً واسعة فيما نقول، ويدخل فيه أيضاً الالتزامات الإيمانية، والأخلاقية، والدينية، تجاه ما ينبغي أن نحذر منه، وأن نتجنَّبه من القول.
وتحدَّثنا بالأمس إجمالاً عن هذه المسألة: أهميتها الكبيرة في القرآن الكريم، في الإسلام، وأنَّها دائرة واسعة، ما يقوله الناس، وعلاقته بإيمانهم، بدينهم، بالتزاماتهم الإنسانية والأخلاقية، بالقيم، ما يترتب عليه في الدنيا، وما يترتب عليه في الآخرة، وأهمية هذا الجانب، أن ننظر إليه من المنظور الصحيح، من منظور أهميته الكبيرة في حياة الناس، وفي شؤونهم، وفي مستوى تأثيره في واقعهم؛ لأن تأثيره واسع في حياة الناس، وهذه المسألة مما يمكن أن يطول الكلام عنها كثيراً؛ لأن الحديث عنها يتَّسع ليشمل جوانب كثيرة، ومجالاتٍ متعدِّدة، ولكن تركيزنا في هذا السياق ينصبُّ نحو الجانب الإعلامي بشكلٍ أساسي؛ لما له من تأثير كبير في ميدان الصراع، ما بيننا وبين أعدائنا اليهود وأعوانهم، أعوانهم من النصارى والمنافقين، الذين يتحرَّكون معهم بشكلٍ كامل، في نفس الاتِّجاه المعادي لأمِّتنا الإسلامية.
في الآيات القرآنية المباركة، وجدنا أنَّ الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" نهانا عن استخدام مفردةٍ عربيةٍ معيَّنة؛ لأن الأعداء اليهود استفادوا منها معنى معيَّن في أنفسهم، ووجَّهنا إلى استخدام مفردةٍ بديلة، {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا}[البقرة:104]، والتزم المسلمون في عصر رسول الله "صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ"، فهنا نجد التعليمات من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" في ما نقول، {وَقُولُوا انْظُرْنَا}[البقرة:104]، تجاه مفردة، تجاه مفردة، من معيار: ما يخدم الأعداء، وما لا يخدمهم؛ ما يستغلونه، وما يسد الثغرات عليهم، ما بين المسألتين يعني: {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا}[البقرة:104]، ما نقول، وما لا نقول، يمتد في المجال الإعلامي، وفي مجال الصراع ما بيننا وبين الأعداء بشكلٍ عام، بشكلٍ واسع، في جوانب كثيرة، في مفردات كثيرة، في مصطلحات كثيرة، في جوانب متعدِّدة، في سياسات إعلامية متعدِّدة، يعني: ضابط يمتد إلى السياسات في المجال الإعلامي، وفي غير المجال الإعلامي، في الواقع نفسه، إلى حيث يمكن أن يمتد النشاط اليهودي، والاستغلال اليهودي، في مجال المقولات، والدعاية والإعلام؛ فينبغي أن نكون أيضاً حذرين، وأن يمتد هذا الضابط، وهذا المعيار، الذي هو معيار مهم جدًّا في الآية الكريمة، أن يمتد أيضاً إلى ذلك المستوى من الامتداد، في كلِّ مجال، في كلِّ ميدان يمتد فيه النشاط اليهودي بالدعاية، والإعلام، والإضلال، والاستخدام لسياسات إعلامية معيَّنة، أو أساليب دعائية معيَّنة، فنكون كمسلمين على وعيٍ عالٍ، وبصيرة من خلال هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
ثم فيما يتعلَّق بالقول والكلام نفسه، نكون كمسلمين متميِّزين عن غيرنا، متميِّزين، فيحكم ما نقوله، يحكمه مبادئنا، قيمنا، أخلاقنا، تعليمات ربنا، تعليمات الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، لا ننطلق في ذلك بفوضوية، وبتفلُّتٍ من الأخلاق، والقيم، والمبادئ؛ لأنها حينئذٍ حالة خطيرة جدًّا، ولها تبعات كبيرة في الدنيا والآخرة، حذَّر الله منها كثيراً في القرآن الكريم، ومساحة واسعة في القرآن الكريم هي تحدَّثت عن هذا الجانب، وعن أهميته.
القرآن الكريم يعلِّمنا أن ننظر إلى الكلمة باهتمام، وتصنيف أولاً، تصنيف للكلمة، لما يقال، وقدَّم لنا الأمثلة في القرآن الكريم، من ذلك قوله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى": {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}[إبراهيم:24-25]، فنجد في هذه الآية المباركة كيف أنَّ الله ضرب لنا مثلاً عن الكلمة الطيِّبة، نجد أنَّ هذا الإطار للكلمة الطيِّبة، أن تكون كلماتنا كلمةً طيِّبة، هذا إطار عام لما نقوله، أن يكون موصوفاً بهذه الصفة، محكوماً بهذا الاعتبار: كلاماً طيِّباً، سليماً من الخبث، كلاماً يعتمد على الحق، والصدق، والقيم، نبنيه على قيمنا، على مبادئنا، على تعليمات الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
وضرب الله المثل في الكلمة الطيِّبة {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ}[إبراهيم:24]، يعني: في الأرض، جذورها متجذِّرة، {وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ}[إبراهيم:24]، عالية في امتدادها وارتفاعها، {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا}[إبراهيم:25]، مثمرة باستمرار، ولها الثمرة الطيِّبة في نفس الوقت والمتجدِّدة، {وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}[إبراهيم:25]، فالكلمة الطيِّبة هي كلمة مفيدة؛ يستفيد منها الناس، نافعة؛ ينتفع منها الناس، إيجابية؛ لها أثرها الإيجابي في الحياة... وهكذا نجدها كالشجرة، التي تثمر ثمراً طيِّباً، متجدِّداً، يستفيد منه الناس، ويستمر عطاؤها، وفعلاً من الكلمات الطيِّبة ما يستمر عطاؤها حتى عبر الأجيال، ما يستفيد منها الناس استفادةً كبيرة:
- تهدي إلى موقف الحق.
- ترفع المعنويات في إطار التوجُّه الصحيح.
- تدفع إلى فعل الخير.
- تؤثِّر إيجاباً في العلاقات الإيجابية بين المجتمع.
- تعالج الجروح النفسية.
أشياء كثيرة جدًّا تنفع فيها الكلمة الطيِّبة، مجالات نفعها واسعة، تزوِّد الناس بالمعرفة، الكلمة يمكن أن تكون إطاراً تحمل في طيَّاتها الكثير مما ينفع ويفيد، أشياء كثيرة تُستخدم لها الكلمة الطيِّبة، وتنفع فيها، وتترك الأثر فيها.
أمَّا الكلمة الخبيثة، فكيف كان مثلها في القرآن الكريم؟ يقول الله "جَلَّ شَأنُهُ": {وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ}[إبراهيم:26]، الشجرة التي لا ثمرة لها، لا إيجابية لها، مثلاً: شجرة شوك، كلها شوك، ليس لها ثمر ينتفع منه الناس، ولا منظر جميل وجذَّاب، يرتاح الناس لمشاهدته، ولا رائحة زكية وعطرية، ولا أي إيجابية، إذا أخذها الإنسان أُصيب منها من شوكها، فهي شجرة خبيثة، يعني: لا إيجابية لها، لا ينتفع الناس منها بشيءٍ في أن تكون مثمرةً، أو أن تكون بهجة المنظر، أو أن تكون رائحتها زكيةً، عطرة... أو أي شيء مفيد للناس، أو أن يستفيد الناس منها مثلاً في المجال الطبي... أو أي شيءٍ آخر.
{اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ}[إبراهيم:26]، تقلع من جذورها؛ لأن جذورها ليست راسخةً في الأرض، {مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ}[إبراهيم:26]؛ لأن الناس لا ينتفعون منها، هي سلبية، وفعلاً الكلمات الخبيثة، وخبثها هو فيما تحمله من مضمونٍ سيء: إمَّا لخدمة الباطل، إمَّا للبس الحق بالباطل، إمَّا كلمة ظالمة فيها افتراء، أو فيها بهتان، فيها إساءة بغير حق، تفرِّق ما بين أبناء المجتمع المسلم، تخدم الأعداء، تزيِّف الحقائق... مجالات واسعة، كلمة مضلَّة، كلمة مفسدة، كلمة لها تأثيرها السلبي في نفوس الناس، الكلمات الخبيثة في محتواها ومضمونها الهدَّام والمسيء، كذلك تأثيرها سيء في حياة الناس؛ ولهذا شبَّهها الله ومثَّل لها هذا المثل: الشجرة الخبيثة، التي تُجْتَث من فوق الأرض، لا يصلح بقاؤها على الأرض؛ لأنها تأخذ حيِّزاً، فيما هي ضارة، وغير مفيدة، وسيئة.
وفعلاً، الكلمات الخبيثة ينبغي أن يسعى المجتمع المسلم إلى التنزُّه عنها، إلى تطهير ساحته منها، التربية الإيمانية، التوعية، الرشد، الحكمة، الارتباط الوثيق بهدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، يقوِّم الألسن، يصلح العبارات، هذه مسألة مهمة جدًّا، يعني: حتى نجد أنَّ مما أخبرنا الله به عن أهل الجنة في الجنة، من أهمِّ ما تمتاز به حياتهم في الجنة، قال عنهم: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ}[الحج:24]، {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ}[الحج:24]، كما هداهم الله في الدنيا إلى الطيِّب من القول، الله في الدنيا هدانا إلى الطيِّب من القول، أن نقول القول الطيِّب، وأن نقول الكلمة الطيِّبة، وأن تستقيم ألسنتنا وفقاً للمبادئ والقيم بذلك، نقول التي هي أحسن، نقول الكلمة الطيِّبة، نقول القول السديد، كم أتى في القرآن الكريم من تعليمات راقية، عظيمة، يسمو بها الإنسان؛ فيكون راشداً وحكيماً؟
أمَّا الحالة السيئة، التي هي حالة الكلام الخبيث، فهي أيضاً تدل على خبثٍ حتى في النفوس، {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ}[النور:26]، منشأ الكلمة الخبيثة، ليس فقط خبثٌ في اللسان، ولا على مستوى التفكير؛ بل خبثٌ في نفسية الإنسان، وكما يقولون في المثل، وفي قول الشاعر الذي عبَّر عن ذلك المثل: [وَكُلُّ إِنَاءٍ بِالَّذِي فِيْهِ يَنْضَحُ]، يخرج من الإنسان ما يحمله في نفسه، تعبير الإنسان، كلامه، قوله، طريقته في الكلام، هي تعبِّر في المقام الأول عن واقعه النفسي، عن:
- إمَّا زكاء نفسه، وطيب نفسه، وصلاح نفسه.
- أو على العكس من ذلك.
يقول الله "جَلَّ شَأنُهُ" في نفس السياق: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ}[إبراهيم:27]، فالذين آمنوا يتحرَّكون في هذه الحياة وفق هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" في مسيرة حياتهم بكلها، يهتدون بهدى الله، وهذا المجال المهم جدًّا في الحياة: القول، ما يقولونه، أيضاً تحكمه الهداية من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، التوجيهات الإلهية، مضبوطٌ بالضوابط الإيمانية والأخلاقية، ويسير في هذا الاتِّجاه، يعني: يتحرَّكون أصلاً في هذا الاتِّجاه، وقولهم هو القول الثابت؛ لأنه وفق هداية الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
فإذاً نجد الأهمية الكبيرة جدًّا لهذا الجانب، وثمرة الاهتداء بهدى الله، مما تتجلَّى فيه في واقع الإنسان، تتجلَّى أيضاً في قوله، وكلامه، ومنطقه، وطريقته في التعبير، واهتماماته أيضاً فيما يقول، ما يركِّز عليه، ما يهتم به؛ لأن الكلام يما يخدم قضايا معيَّنة، يعبِّر عن توجُّهات، ويستخدم بشكلٍ كبير جدًّا في هذه المسألة: في خدمة قضايا، والتعبير عن توجُّهات، والدفع في إطار مواقف... وما شابه ذلك، هذا جانب مهم جدًّا.
فثمرة الاهتداء بهدى الله تتجلَّى أيضاً في استقامة لسان الإنسان، ((لَا يَسْتَقِيْمُ إِيْمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيْمَ قَلْبُه، وَلَا يَسْتَقِيْمَ قَلْبُه حَتَّى يَسْتَقِيْمَ لِسَانُه))، استقامة اللسان مسألة مهمة جدًّا، والإنسان الذي يعتبر نفسه متوجُّهاً ومنطلقاً على أساس الانتماء الإيماني والقرآني والجهادي، أولى الناس بأن يقدِّم النموذج المهتدي بهدى الله، الملتزم بتوجيهات الله؛ فيكون حريصاً على استقامة لسانه، حتَّى في الحالات التي قد لا يلتزم فيها البعض، مثل: حالة الغضب، الانفعال، السخط، حالات الحزن أحياناً، أحوال ومقامات البعض منها يتحرَّك وفق انفعالاته، لكنَّ التقوى موطنها أن ينضبط الإنسان في مختلف الأحوال، وأن يسعى للالتزام والاستقامة حتى في الحالات التي لا يلتزم فيها الكثير من الناس، هذا جانب.
ثم أيضاً تتجلَّى الحالة السلبية في الاتِّجاه المختلف، يعني: من مسيرتهم في الحياة هي مسيرة باطل، مسيرة ضلال، مسيرة سوء، مسيرة انحراف، مسيرة فسق، ابتعاد عن الهدى، من الطبيعي أن نرى في واقعهم أنهم يعتمدون الكلمات الخبيثة، يعني: من غير الغريب في واقعهم على ما هم عليه من انحراف، ليس المقصود بالطبيعي أنه يهون، أو أنه بسيط، أو أنه لا إثم عليه، يعني: المقصود أنَّه من غير المستغرب لمن ينحرفون عن نهج الحق، لمن يتَّجهون في طريق الباطل، لمن يتَّجهون اتِّجاه الشيطان، اتِّجاه الضلال، الاتِّجاه السيء، الانحراف عن هدى الله، أن تكون كلماتهم خبيثة بكل جوانب الخبث، يعني: جزء كبير من كلامهم هو يعبِّر عن ضلال، هو يقدِّم الباطل، هو خدمة للفساد، هو محتوى فاسد، يفسد، محتوى مليء بالأكاذيب، مليء بالبهتان.
عندما نتأمل- مثلاً- في واقع اليهود، هم في المقدِّمة، اليهود في مقدِّمة المنحرفين عن هدى الله، في مقدِّمة أولياء الشيطان، الذين تمتلئ أقوالهم بالمحتوى الخبيث، الناتج عن خبثهم في كل المجالات، يعني: في مقولاتهم العقائدية:
- مقولات خبيثة جدًّا، يسيئون فيها إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، إلى رسله وأنبيائه.
- يعملون أيضاً على الاستهداف للحق، من خلال ما يقدِّمونه من محتوى مُبْطِل، وضال، ومضل، وملبّس للحقائق، يعملون على التلبيس على الناس في الحقائق، بلبس الحق بالباطل، بتزوير الحقائق... بغير ذلك.
- وكذلك محتوى خبيث، فيما يتضمَّنه من إفسادٍ للناس، من محتوى يفسد، يسعون من خلاله إلى إفساد الناس، إلى الزيغ بهم عن طريق الفطرة والحق والهدى.
- وهكذا فيما يسعون به إلى التأثير على الناس تأثيراً سيئاً: التفرقة بين المجتمعات، الظلم للناس في مختلف الأمور.
فالمحتوى الذي يقدِّمونه محتوى سيء جدًّا؛ ولهذا قال الله عنهم حتى على مستوى تاريخهم، هذا الانحراف كان فيهم منذ زمنٍ مبكِّر، قال الله عنهم: {لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}[المائدة:63]، يعني: أصبح من المظاهر الكبرى والسيئة لانحرافهم، انحرافهم عن نهج الله، عن رسالة الله، عن الحق: القول بالإثم، القول الذي محتواه محتوى إثم: افتراء على الله، لبس للحق بالباطل، خدمة للضلال، سعي لإفساد الناس؛ فيوظِّفون القول والكلام في هذا الاتِّجاه: الإساءة إلى رسل الله وأنبيائه، الدعايات والافتراءات الباطلة، الكلام البذيء والقذر، الإساءة إلى الناس بغير حق؛ بدلاً من أن يلتزموا بقول الله تعالى حينما قال: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}[البقرة:83]، يعتمدون على الكلام المسيء، والكلام السيء، والمحتوى الخبيث لكلامهم.
فهذا درسٌ مهمٌ جدًّا، علينا أن نعيه جدًّا، وعلينا أن نعي ما ينبغي أن نكون عليه كمسلمين، نحن أمَّة القرآن، نحن أمَّة رسول الله محمد "صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ"، الأمَّة التي تحمل في انتمائها للإسلام إرث الأنبياء كلَّ الأنبياء من الحق والهدى، القرآن الكريم هو خلاصة الرسالة الإلهية، والكتب الإلهية، وهدى الله على امتداد التاريخ البشري، كيف ينبغي أن نتحرَّك باعتبارنا أصحاب رسالة، أصحاب قضية مقدَّسة، الأمَّة التي عليها أن تدعو إلى الخير، وأن تأمر بالمعروف، وأن تنهى عن المنكر، وهذا يبرز بشكلٍ كبير جدًّا يعني: في كلامنا، في أقوالنا، في أفعالنا، في اهتماماتنا العملية، في مسيرة حياتنا كأمَّة لها مشروع عظيم، ومشروع مقدَّس، فلا نقبل أن يؤثِّر علينا اليهود، حتَّى نتحوَّل إلى أمَّة لا تنضبط بمسؤولياتها، بمبادئها، بقيمها، بتعليمات ربها، على مستوى القول والكلام في مختلف مجالاته، هذه مسألة مهمة جدًّا.
عندما نعود إلى المجال الإعلامي، تحدَّثنا بالأمس كيف أنَّ اليهود ومن معهم، اليهود وأعوانهم من النصارى، فريق الشر من أهل الكتاب بشكلٍ عام، هم الأكثر استخداماً للمجال الإعلامي، وتأثيراً فيه، في الاستهداف لساحتنا الإسلامية، وهذا شيء واضح، ولهم أساليب كثيرة جدًّا؛ في أن لهم امتدادات لاختراق الساحة الإسلامية من الداخل: جماعات، كيانات، أنشطة ذات طابع سياسي، ذات طابع حتى ديني يعني، هم أنشأوا فرقاً جديدة، مذاهب جديدة، اتِّجاهات جديدة، تحت عناوين دينية، فيها ارتداد عن الإسلام بكله، مثلما هو الحال بالبهائية، والأحمدية... وغيرها، مذاهب كذلك باسم الإسلام تتحرَّك، مثلما هو الاتِّجاه التكفيري الهدَّام، الوهابي، المدمِّر للأمَّة الإسلامية من الداخل، المضل ضلالاً رهيباً، العامل الكبير جدًّا في الفرقة بين المسلمين، وإثارة العداوة والبغضاء فيما بينهم بشكل فظيع جدًّا، تمزيق للأمَّة الإسلامية من الداخل بأسوأ ما يكون عليه حالٌ في كل العالم، ومستوى من التمزيق.
هم يتحرَّكون للإضلال، للإفساد، كما قال الله عنهم: {وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ}[النساء:44]، فيتوجَّهون بنشاط واسع لإضلال هذه الأمَّة من خلال المجال الإعلامي، ما كان بشكل مباشر، وما كان عبر أدواتهم وأبواقهم، اللبس للحق بالباطل، كما أخبرنا الله عنهم كثيراً في القرآن الكريم، ووبَّخهم على ذلك: {لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ}[آل عمران:71]، وكذلك في الإفساد، المحتوى الإعلامي، الذي يهدفون من خلاله إلى ضرب زكاء النفوس، إلى الإغراء بالفساد اللاأخلاقي، إلى الدفع بالناس نحو الرذائل، نحو المفاسد، نحو الجرائم... ووسائل كثيرة يستخدمونها.
والدور الهدَّام في هذا الجانب، تشكو منه المجتمعات البشرية، ليس فقط في العالم الإسلامي، الكل يشكو، يشكو مما يفعله اليهود وأعوانهم في مساعيهم لإفساد المجتمعات البشرية، في ما يتعلَّق بالانحلال من الجوانب الأخلاقية، من الالتزامات الأخلاقية، ونشر الرذائل والفواحش، ومحاولة أن تكون مقبولة ومستساغة، مع أنَّ الفطرة البشرية في كل المجتمعات، تمقتها، تستنكرها، تشمئز منها، ولها أثرها التدميري على مستوى الجانب الاجتماعي والأسرة، وهم يسعون إلى تمزيق المجتمعات البشرية، والانحطاط بها حتى عن مستواها الإنساني، لتكون في مستوى الحيوانات الأخرى.
فهذا من المجال الذي يعملون عليه، يعني: مساحة واسعة عبر وسائل الإعلام، ولهم امتداداتهم في الساحة الإسلامية، دور المنافقين في الساحة الإسلامية هو دور يخدم اليهود، يخدم النصارى من أعوان اليهود، يخدم فريق الشر من أهل الكتاب، الله قال عن المنافقين: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ}[المجادلة:14]، ومعروف في كتب التفسير بكلها أنَّ الآية تعني ولاءهم لليهود، وكذلك آيات كثيرة: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ}[النساء:139]، فهم يعملون في نفس الاتِّجاه الذي يفسد الأمَّة، يضل الأمَّة، يمزِّق الأمَّة، يفرِّق الأمَّة، يمزِّق نسيجها الاجتماعي، ينحط بها عن المرتبة التي أراد الله لها أن تكون عليها، من خلال ما قدَّمه من الهدى العظيم الذي يسمو بالناس، يسمو بالمجتمع، يسمو بالأمَّة، يسمو بالإنسان كإنسان، يسمو بالأسرة كأسرة.
فمجال الصراع معهم مجال كبير جدًّا؛ ولهذا هناك إيجابية كبيرة للجهاد في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" في الميدان الإعلامي؛ لأن فيه التصدِّي لكلِّ ما يتحرَّك فيه أولئك، يعني: المواجهة لإضلالهم، المواجهة لمساعيهم لإفساد الناس، لمساعيهم للتضليل على الناس في كل المجالات: سواء على المستوى العقائدي، أو على مستوى المواقف، أو على مستوى القيم والأخلاق... في كلِّ المجالات، في كلِّ مجالات الحياة أيضاً، فالمسألة ذات أهمية كبيرة جدًّا، يعني: ميدان من ميادين الجهاد المهمة، يتحرَّك فيه من يهتدون بهدى الله على أساس القرآن الكريم، الذي قال الله فيه: {وَجَاهِدْهُمْ بِهِ}[الفرقان:52]، يعني: بالقرآن الكريم، {جِهَادًا كَبِيرًا}[الفرقان:52]، {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا}[الفرقان:52]، جاهدهم بالقرآن الكريم، بهدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، الذي يزهق باطلهم، يكشف ضلالهم، يسقط دعاياتهم، يكشف حقيقتهم للناس، يسقط مؤامراتهم، يبيِّن زيفهم، ويكشفهم على حقيقتهم، ويبني الأمَّة لتكون في المستوى الذي تستطيع أن تواجههم بوعيٍ، ورشدٍ، وحكمةٍ، وتوجُّهاتٍ صحيحة، وتتحرَّك في أعمال صحيحة؛ لأن المسألة مرتبطة بالجانب العملي، لا نتصور- مثلاً- مجال إعلامي، أو مجال ثقافي أو فكري منفصلاً عن مسيرةٍ عملية؛ بل مرتبطاً بمسيرة عملية، وتوجُّهات عملية، ومواقف عملية.
في القرآن الكريم يقول الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" مخاطباً للذين آمنوا: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}[آل عمران:186]، هنا يبيِّن الله لنا أنَّ أعداءنا، وفي مقدِّمتهم فريق الشر من أهل الكتاب، اليهود وأعوانهم من النصارى، الحاقدين على أمَّتنا، هم يتحرَّكون لمواجهتنا، لمحاربتنا في كلِّ المجالات، يعني: يستهدفوننا حتى الاستهداف العسكري، الاستهداف الاقتصادي، حينما قال: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا}[آل عمران:186]:
- استهداف عسكري، يعني: هم يعملون على استهداف هذه الأمَّة في النفوس، كيف في النفوس؟ يعني: في القتل، في السعي لتدمير هذه الأمَّة، العداء من جانبهم هو عداء شديد، وحقد شديد جدًّا، يتحرَّكون عسكرياً لاستهداف هذه الأمَّة، وهذه حقيقة تاريخية مستمرة إلى اليوم، وتستمر إلى آخر أيام الدنيا.
- وكذلك الاستهداف الاقتصادي، من برامجهم العدائية: يعملون على الاستهداف في المجال الاقتصادي.
- وأيضاً الاستهداف الإعلامي، الاستهداف بالحرب النفسية، بالدعاية والإعلام، في مجالات الإعلام الرئيسية.
{وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا}[آل عمران:186]، فهذا الأذى الكثير يعني يبيِّن مستوى النشاط الإعلامي الواسع من جانبهم، يعني: أنَّهم يركِّزون على هذا المجال: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا}[آل عمران:186]، وأنهم يعملون على ما يؤذي الناس، يعني: حرب دعائية واسعة، تستهدف التشويه، تستهدف الناس بالحرب النفسية، تستهدف التشكيك، يعني: يعملون في نطاق واسع، مثلاً: مجال التشكيك، التشكيك بالمواقف، التشكيك بالناس، مجال واسع، التشويه مجال واسع، الحرب النفسية لزرع حالة اليأس، مجال واسع.
وهذا ما ينبغي أن نقابله بتحركٍ صحيح، بالجهاد في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"؛ ولهذا يأتي التوجيه بماذا؟ أولاً: بالصبر، والصبر في مقام العمل، ليس المقصود بالصبر أن نكون أمَّة [مُوزِخَة]، [مُوزِخَة] للأعداء، يعني: خاضعة، خانعة، وفي حالة استسلام، وتترك المجال للأعداء لاستهدافها في النفس، في الاقتصاد، في المجال الإعلامي والدعائي... في أي مجال، لا، صبر في مقام ثبات على الحق، ثبات على الموقف الحق، استمرار في طريق الحق، ونهج الحق، ومواصلة لذلك، وفي ميدان المواجهة لِمَا يأتي من جانب الأعداء.
ولهذا أتى الأمر بالتقوى، والتقوى فيها مسؤوليات عملية، يعني: أوامر من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" أن نجاهد أولئك في كل المجالات، أن نتحرَّك لمواجهة باطلهم، لدفع شرِّهم، لدفع باطلهم، لدفع إفسادهم في الأرض، أن نكون أمَّة آمرة، ناهية، مجاهدة، {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}[آل عمران:110]، أمر ونهي، وفي موقف عملي، وتحرُّك جاد، وأداء جهادي واسع؛ ولهذا نكون في مقام التصدِّي لِمَا يأتي من جانبهم من شر، سواءً فيما يستهدفوننا به عسكرياً، أو اقتصادياً، أو إعلامياً، أن نسعى لأن نكون في مقام التصدِّي بثبات على ذلك وصبر.
الصبر في مقام العمل وأداء المسؤوليات هو مثمر، هو مهم من جهة؛ لأن البعض من الناس حينما لا يتربَّون تربية الإيمان، ولا يصغون لهدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، يحملون نفوساً ضعيفة، وحالة انهزامية، فبمجرَّد أن تأتي- مثلاً- حملة دعائية من جهة الأعداء، يكون التوجُّه السائد في أوساطهم هو: أنَّهم يتصوَّرون أنَّ الحل هو التنازل عن الحق، أو محاولة التنصُّل عن الموقف الحق؛ لأن الحملات الإعلامية والدعائية تتوجّه نحو مواقف، مواقف عملية، تحرُّكات عملية، مبادئ إسلامية، قيم معيَّنة، يعني: هي تنزل إلى التفاصيل في الميدان، مثلاً: حملة دعائية على مبدأ إسلامي، حملة دعائية وهجمة منظَّمة على المستوى الإعلامي، وعلى مستوى الدعايات، نحو قيمة وأخلاق من الأخلاق الإسلامية، أو قضية من القضايا المحقة، أو موقف من مواقف الحق، فهم ينظِّمون، الأعداء: اليهود والذين أوتوا الكتاب، فريق الشر من أهل الكتاب، ومن يواليهم من المنافقين، يتحرَّكون معهم تماماً في نفس الاتِّجاه، يتحرَّكون بحملات دعائية كبيرة، البعض لا يريد أن يصبر، البعض يحمل روحاً انهزامية ضعيفة، يرى أنَّ الحل هو التنصُّل من ذلك المبدأ الإسلامي، أو التراجع عن ذلك الموقف الحق، أو ترك أمور مهمة وأساسية من دين الله، الأمَّة بحاجة إليها للنجاة في الدنيا وفي الآخرة؛ لأن الأعداء يوجِّهون فيها حالة الحملات الدعائية الهائلة، ومعها مواقف عسكرية أحياناً، ومواقف عدائية في المجال الاقتصادي، محاربة اقتصادية.
فتجاه ذلك كله، القرآن الكريم يربِّينا أن نكون بالمستوى الذي لا نخاف لومة لائم، وهذا من عظيم ما أثنى الله به على المؤمنين في آخر الزمان، المؤمنين الإيمان الحق، المهتدين بهدى الله، القوم الثابتين في مرحلة وزمن الارتداد: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ}[المائدة:54]، أن يكونوا أقوياء، أن يكونوا هم من يتحرَّك باللوم لأهل الباطل.
يعني: حينما تأتينا هجمات دعائية، حملات دعائية باطلة، ظالمة، مسيئة، مشحونة بالأكاذيب، والافتراءات، والتشويه، من اليهود، ومن أعوانهم من النصارى، ومن أعوانهم من المنافقين، فهل ننكسر؟ ننهزم؟ نتراجع عن الموقف الحق؟ أو نتوجُّه ونحن في إطار الموقف الحق، الذي هو في أصله موقفٌ عظيم، موقفٌ مقدَّس، موقفٌ ينسجم مع الفطرة، موقفٌ على أساسٍ من هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، موقفٌ مشرِّف يدخل في إطار: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ}[المائدة:54]، موقفٌ يبعث على الاعتزاز، على الشعور بالفخر والشرف بالتوفيق الإلهي لذلك، فنتجه الاتِّجاه الصحيح بأن نواجه باطل أولئك، دعاياتهم السيئة، التي هي في محتواها مشحونة بالافتراءات، والأكاذيب، والتزييف للحقائق، واللبس للحق بالباطل، ومحتوى خبيث، سيء، فاسد، نتصدى لها بقوَّة، بصبر وثبات، بعزَّة إيمانية، بقوَّة الحق الذي يزهق الباطل، يكشف ما فيه من تناقض، من بُعدٍ عن الحقيقة، ويتصدى له بكل قوَّة الحق، وعنفوان الحق، وجاذبية الحق، وجمال الحق، باعتزاز، بشموخ، هذا هو الذي ينبغي، وأن نصبر، يعني: قد يجرح الإنسان ما يسمع- مثلاً- من دعايات باطلة، من أكاذيب مشوِّهة، من افتراءات فظيعة، قد تؤلم الإنسان، تجرح مشاعره، لكن ذلك ينبغي أن يكون حافزاً للتوجُّه للتصدِّي لها بالحق، بمنطق الحق، بأدلة وبراهين الحق، بقوَّة الحق، هذا ما ينبغي أن يكون يعني، فالصبر هنا هو صبر في مقام العمل، في مقام الموقف.
وبما أنَّ اللوم كثير في هذا الزمن، أتى التعبير القرآني: {وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ}[المائدة:54]، ومعناه: أنهم لا يخافون من ذلك فيؤثِّر عليهم في ثباتهم على الموقف الحق، في تبنيهم للموقف الحق بكل اعتزاز؛ لأنه عظيم، لأنه مشرِّف، ليس مخجلاً، ليس مسيئاً، ليس عاراً ولا فضيحة، العار، الفضيحة، الخزي، الدناءة، للذين هم في الموقف الباطل، للمنافقين الذين يوالون الكافرين، ويخدمونهم في داخل الأمَّة، ولليهود كلُّ العار، كلُّ الخزي، كلُّ اللعنات عليهم ولهم، فيما هم عليه من باطل، من سوء، من إجرام، من طغيان، من إفساد في الأرض، الله لعنهم على ألسن أنبيائه وفي كتبه، وهم من يتحمَّلون العار والخزي، فأن نحمل قوَّة الموقف الحق، ونصبر في إطار مقام العمل، في إطار الموقف الحق، في إطار التصدِّي لِمَا يأتي من جهة الأعداء، وأن نكون أقوياء في ذلك، بقوَّة الحق، وجماله، وجاذبيته، ومنطقه الصادق، منطقه الذي يستند إلى الحق، وإلى الحقائق، ويفضح ما عليه أولئك، {فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}[آل عمران:186]؛ لأنه الذي يجدي، هذا الذي يفيد.
مما يركِّز عليه الأعداء- وأشرنا إليه كثيراً في سياق الحديث اليوم وبالأمس- في الاستهداف الإعلامي للأمَّة، هو: الاستهداف بالحرب النفسية: الإرجاف، التخويف، التهويل، حتى على مستوى التصريحات، مثلاً: نجد في هذه المرحلة معظم تصريحات الكافر (ترامب)، هي في محتواها إرجاف، وتهويل، وتخويف تجاه الموقف مع إيران، تجاه الاستهداف للجمهورية الإسلامية في إيران، في إطار الاستهداف للمنطقة بشكل عام، وكل التعبيرات والمفردات تأتي في هذا السياق: إرجاف، تهويل، تخويف، ومعها تأتي الحملات الدعائية الواسعة، في وسائل الإعلام التابعة لليهود، التابعة للصهيونية في المستوى العالمي في الغرب، وكذلك من جهة المنافقين، الموالين لأمريكا وإسرائيل، في نفس الاتِّجاه: تهويل، تخويف، وكأن الحال بالنسبة لأمريكا وإسرائيل أنهم سيقضون على من لا يستسلم لهم، من لا يخضع لهم، وأنَّ مصيره المحتوم هو النهاية، لا يبقى له أثر في هذه الحياة.
في كل ما يأتي من معارك، من جولات على المستوى العسكري، أو في السياق العام؛ لأن الحالة حالة الصراع مستمر، وساخن، نجد أنَّ هذا مسار مستمر من جهة الأعداء: الإرجاف، والتهويل، والتخويف، سواءً بالوسائل الإعلامية، أو عبر من يتحرَّك معهم من المنافقين، والذين في قلوبهم مرض، في أوساط المجتمعات نفسها، مثلاً: عندنا في اليمن في مقايل القات، في التجمُّعات، في الجلسات، في المناسبات الاجتماعية، يأتي من يسعى لإخافة الناس، لدفعهم نحو الاستسلام، لزرع اليأس في نفوسهم، للتهويل من حجم إمكانات الأعداء وقدراتهم العسكرية وغيرها؛ لمحاولة أن ييأس الناس من نصر الله ومعونته، وألَّا يثقوا به إطلاقاً في وعوده الصريحة لهم بالنصر، إذا استجابوا له، وتحركوا من منطلقٍ إيمانيٍ وفق توجيهاته وتعليماته، بالتنكُّر لكل وعود الله في كتابه:
- {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}[محمد:7].
- {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}[الحج:40].
- {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}[الروم:47]،
وحتى بالتنكُّر للحقائق التي قد عاشها الناس في الواقع، من مصاديق الوعد الإلهي، فيما حقَّقه الله لعباده المؤمنين المستضعفين من انتصارات عظيمة.
فمجال الحرب النفسية، والإرجاف، والتهويل، والسعي لتحطيم الروح المعنوية، والسعي لأن تكون الحالة السائدة في أوساط الأمَّة، في صراعها مع اليهود وأعوان اليهود، هي الهزيمة النفسية، وهذا ما كانوا يعملون عليه في كل عصر، وفي كل مِصر، وفي كل زمن: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ}[آل عمران:173]، كانوا يقولون هكذا حتى للمؤمنين المجاهدين مع رسول الله "صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ"، يحاولون أن يرجفوا بين الناس.
الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" مما ذمَّ عليه المنافقين، والذين في قلوبهم مرض، وتوعَّدهم عليه، ومما وجَّه إلى أن يمنعوا منه، وأن يعاقبوا عليه، وأن يكون هناك تصدٍ لهم فيه، هو: الإرجاف، الحرب النفسية، زرع الشائعات، وترسيخ الحالة الانهزامية في أوساط الأمَّة؛ ولهذا قال "جَلَّ شَأنُهُ": {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا}[الأحزاب:60-61]، وفعلاً هذه اللعنة من الله لهم في كلِّ زمن، في كلِّ مكان، أينما وجدوا في إطار نشاطهم الهدَّام، المسيء، الذي يخلخل وضع الأمَّة من الداخل، الذي ينشط في اتِّجاه الفساد، في اتِّجاه الشائعات السيئة، في اتِّجاه نشر الفرقة بين الأمَّة، في اتِّجاهات تخدم الأعداء، وتؤثِّر على مستوى الأخوَّة، روح الأخوَّة، روح التعاون على البر والتقوى، السَّلامة والحالة الإيجابية في العلاقات بين المجتمع المسلم من الداخل، فهم يشتركون في دورٍ هدَّام.
هنا يجب أن يكون هناك سعي لكشف حملاتهم المشتركة؛ لأنها- كما قلت- حملات مشتركة، إلى درجة التبنِّي لنفس مصطلحات الأعداء، يعني: تجد مثلاً مصطلحات- كما أشرنا بالأمس- المجرم الكافر (نتنياهو)، تجدها على ألسن منافقين، سواءً منافقين من اليمن، منافقين من السعودية، منافقين من أيِّ بلد عربي، نفس المصطلحات، نفس التوجُّهات، نفس المواقف العدائية تجاه المؤمنين المجاهدين، وتجد نفس المساعي للتعبئة العدائية والتشويه، ونفس التوجُّهات التي عليها اليهود، تجدها دائماً متزامنةً مع أحداث معيَّنة، مع تصعيد في المواجهة العسكرية، تصعيد في الصراع، تجدها مشتركةً بشكلٍ واضح، يتحرَّكون بشكلٍ متزامن، في حملات منظَّمة، الموجِّهات تأتي من غرف إعلامية، ومطابخ إعلامية واحدة، وينظِّمون حملات حتى في مواقع التواصل الاجتماعي، لمن يسمُّونهم بـ [الذباب الإلكتروني]، الذين ينشطون في خدمة الأعداء بشكل منظَّم، وحملات منظَّمة، وينساق معهم من في قلوبهم مرض، من يحملون العقد، الأنانيات، التوجُّهات السيئة في أوساط المجتمع؛ ولهذا يقول الله: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ}[محمد:29-30].
البعض من الناس عنده عقدة، عقدة على المؤمنين، عقدة على المجاهدين، عقدة على الصالحين من أبناء الأمَّة؛ لأن لديه اعتبارات شخصية، أطماع شخصية، أهداف شخصية، إشكالات، وهو ممن يتمحور حول ذاته، أو يغرق في أنانيته وحساباته الشخصية، أو عنده ارتباط بالأعداء بشكل أو بآخر، فهؤلاء مثلما قال الله: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ}[محمد:30]، قولهم قولٌ يلحن بالإساءة، يلحن بالتثبيط، يلحن حتى في أحرج الظروف، في أصعب المراحل، التي يفترض فيها أن يكون التوجُّه من الجميع توجُّهاً يساعد على وحدة الصف الداخلي، على التعاون بين أبناء المجتمع، أن تكون الجهود من الجميع هي رفع المعنويات، والدفع بالكل في الاتِّجاه الصحيح لدفع الخطر عن الأمَّة، عن الشعوب هذه، يأتي دائماً في اتِّجاه مناوئ، يخدم الأعداء، يثبِّط، يوهن من العزائم، يرجف، يشكِّك، يشوِّه، هذه حالة مرض في قلبه، مرض في قلبه بشكل أنانية، عقدة، خبث في نفسه، المعيار عنده، والانطلاقة قائمة على حسابات شخصية، على مطامع شخصية، على اعتبارات شخصية؛ ولهذا يتَّجه الاتِّجاه الذي لا يعير للقضايا الكبرى، للمسائل المقدَّسة، للأمور المهمة، للقضايا المصيرية، أي اعتبار، هو منغلق على ذاته، على نفسه، معقَّد، يتَّجه بالحالة المرضية التي تتجلَّى في أطروحاته، في كلامه، في تعليقاته على الأمور.
فالمنافقون والذين في قلوبهم مرض، هم مرتبطون إعلامياً دعائياً بنفس توجُّهات اليهود، التي تسعى إلى الفرقة بين المجتمع المسلم، إلى التثبيط عن الموقف الحق، إلى التخذيل، إلى الهزيمة النفسية، إلى زرع حالة اليأس، إلى الدفع بالناس نحو الانهيار، نحو التراجع عن الموقف الحق، عن الاتِّجاه الحق، هذه عناوين تشملها، إلى الانحراف في الولاءات والعداوات، إلى معاداة المؤمنين، بدلاً من المعاداة للكافرين وأعداء الأمَّة.
وهناك دور سلبي لأصحاب الخدمات المجانية، من المغفلين، والأغبياء، والسذج، والمستهترين بالأمور، يعني: هناك فئة من هذه النوعية، هو إنسان مستهتر بالأمور، لا يعي، لا يهتدي بهدى الله، لا يعي قيمة القضايا المهمة، المواقف المُحِقَّة، الاتِّجاهات التي هي قائمة على أساس هدى الله، وأنَّه ينبغي أن يسير فيها بشرف، ويتشرَّف بذلك؛ لأن الاتِّجاه الذي هو قائم على الاستجابة لله في إطار هدى الله، في إطار تعليمات الله، هو مشرِّف للإنسان، هو صراط العزيز الحميد، عزَّة، وحمد، وشرف، وفضل، وكرامة، فيتَّجه البعض ممن هم في مثل هذه الحالة من الاستهتار، في حالة من الغفلة، في حالة من انعدام الوعي، للتفاعل غير الواعي مع شائعات، مع دعايات، مع عقد، مع افتراءات، مع أكاذيب، بكل بساطة، وبشكل عاجل، يعني: من دون تريُّث، من دون تثبُّت، وهذه الآفة يلحظها الناس- مثلاً- في مواقع التواصل الاجتماعي، وحتى خارج مواقع التواصل الاجتماعي، في الواقع الاجتماعي، في مجالس الناس، مقايلهم، مناسباتهم الاجتماعية.
البعض بمجرَّد أن يسمع- وللوهلة الأولى- أي دعاية، يتفاعل معها، وينساق وراءها، ويروِّج لها، ويتوجَّه بناءً على ذلك لإطلاق المزيد من الافتراءات، من التحريض السيء، من السعي لإثارة الفرقة، وهذه حالة سلبية جدًّا لدى الإنسان، حالة غير واعية، غير مسؤولة، غير حكيمة، لا أخلاقية، لا إنسانية، وحالة غبية، ويتحمَّل الإنسان بها الكثير من الأوزار.
واجب الإنسان أولاً وقبل كلِّ شيء هو التبيُّن، التبيُّن، التثبُّت، {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}[الحجرات:6]، والكثير ممن ينشرون الدعايات، هم من الفاسقين، من الفاسقين، يعني: كثير في مواقع التواصل الاجتماعي ممِّن ينشرون الدعايات الكاذبة، الأباطيل، الافتراءات، هم من الفسقة، بل البعض منهم- كما قلنا- من المنافقين، ممن هم امتداد لليهود والنصارى، والبعض فاسق، اتِّجاهه باطل، القضية التي تدفعه إلى إطلاق افتراء معيَّن، أو أكاذيب معيَّنة، هي حالة فسق يعني.
واجب الناس التَّبيُّن، ثم التعامل بحكمة، برشد، بمسؤولية، الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" علَّمنا في القرآن الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا}[الأحزاب:70]، حتى حينما يكون هناك قضايا معيَّنة، مثلاً: مظلمة اجتماعية، أو قضية معيَّنة، أو مطلب معيَّن، قد يكون مطلباً في أساسه مُحِقّاً، لا يستدعي الحال أن نتعامل مع كل جزئية من قضايانا، أو قضايا معيَّنة، مثلاً في المجتمع، ينبغي المعالجة لها بروح عملية، فنترك المعالجة العملية، الاهتمام العملي، الاتِّجاه العملي لإصلاح الأمور، ونتَّجه إلى أسلوب الدعايات، الافتراءات، الإساءات، التحريض الإعلامي، هذا يدل على أنَّ التوجُّه ليس توجُّهاً صادقاً في إطار معالجة عملية؛ وإنما هو تعبير عن حقد، وتعبير عن عقد، وتعبير عن استهتار بالأمور؛ لأن بعض الناس يتَّجه- في نفس الوقت- الاتِّجاه الذي يتماهى فيه مع الأعداء، مع اليهود وأولياء اليهود، مع أنصار الصهاينة، مع أبواق الصهيونية، فيتماهى معهم.
الشيء المهم: أن تكون النظرة العامة إلى مثل هذه الظاهرة، إلى أنَّها ظاهرة خاطئة، باطلة، سيئة، لا ينبغي التفاعل الإيجابي معها؛ لأن التفاعل معها خطأ، وحالة سلبية، وأن تكون النظرة إلى هذه النوعية من الناس، إلى أنهم ليسوا راشدين، ليسوا حكماء، ليسوا ممن يقبل المجتمع أن ينساق وراءهم، هم يجنون على أنفسهم، يعبِّرون عن أنفسهم، بما يشهد على حقيقة مستواهم المتدني في الوعي، في المسؤولية الإنسانية، الأخلاقية، الدينية، فلينظر الإنسان إليهم بمستواهم، هم يكشفون عن حقيقتهم.
ثم يكون التعامل مع الأمور الواقعية بروح عملية مسؤولة، واتِّجاه صحيح، في إطار الحكمة، والقول السديد، الذي لا يفتح ثغرات للأعداء، والاتِّجاه العملي، ثم لتكن جبهة الحق في الراشدين، والواعين، والمصلحين، والمهتمين، والجادِّين، ممن يحملون الروح الإيجابية، والروح المسؤولة، والروح العملية، الاتِّجاه الصحيح، الذي يقدِّم النموذج، ويقدِّم الصورة الصحيحة في الساحة، والبقية، التي هي حالات شاذة، حالات تافهة، حالة سلبية:
- منها ما يتلاشى تلقائياً.
- ومنها ما يكون الموقف منه إجرائياً، يعني: من جهة القضاء، من الجهات المسؤولة.
- ومنها أيضاً ما يأتي التصدِّي له في إطار كذلك الجهاد في الميدان الإعلامي، في إيضاح الحقائق... وغير ذلك.
التفاعل غير الواعي مع الأكاذيب، والدعايات، والحملات الباطلة، مذموم جدًّا في القرآن، الله قال: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ}[المائدة:41]، قال أيضاً: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ}[التوبة:47]، حينما يكون الإنسان سمَّاعاً للمنافقين، والحاقدين، والمغرضين، والتافهين، فهذه حالة سيئة فيه، يعني: بعيدة عن حالة الرشد، والحكمة، والاهتداء، النظرة الواعية هي نظرة مسؤولة مع الأمور.
أيضاً جانبٌ آخر يأتي في المجال الإعلامي، ولاسيَّما في مواقع التواصل الاجتماعي: التفاعل غير الواعي مع الأخبار، الترويج لأخبار معيَّنة، قد تكون أخبار من جهة الأعداء، مثلاً: مسرَّبة لجس النبض، أو لها أهداف معيَّنة، أحياناً أهداف عملية خطيرة، هذه أيضاً مما ركَّز عليها القرآن الكريم: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا}[النساء:83]، يعني: البعض من غير مسألة الدعايات، والحملات المشحونة بالأكاذيب والافتراءات، في إطار آخر، هو هذا الجانب: الأخبار، عنده حرص أن ينشر أي خبر، يتلقَّف أي خبر يراه، ويروِّج له، ويقوم بنشره، دون أن يتأمل في محتوى ذلك الخبر، قد تكون البعض من الأخبار بهدف- كذلك- بهدف ضرب الروح المعنوية للناس، أو قد تكون للتبرير لجريمة يريد العدو أن يُقْدِم عليها، فيستفيد من الترويج لذلك الخبر، في التمهيد لما يريد أن يقوم به من جرائم، وهذه مسألة خطيرة جدًّا.
هذه الثغرة هي ثغرة تخدم الشيطان؛ ولهذا حينما نتأمل في الآية القرآنية المباركة: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ}[النساء:83]، يعني: أنَّ في هذه الحالة من التَّسرع في إشاعة الأخبار، دون تمعن، دون تثبت، دون انتباه، وأنَّ البعض من الأخبار هي تسريبات، يستفيد العدو من الترويج لها، والنشر لها، أو حتى أحداث لا ينبغي نشرها؛ لأن نشرها يخدم العدو.
والمعيار الكبير المهم الأساس: أن نحذر مما يخدم العدو، في ما نقوله، في ما ننشره، حتى على مستوى الأخبار، يعني: ليس كل ما يحدث يستدعي نشراً في وسائل الإعلام؛ لأن البعض من الأخبار قد تخدم العدو، ولنلحظ ما يعمله الأعداء، يعني مثلاً: في ظل ذروة المواجهة، في جولة المواجهة بين الجمهورية الإسلامية في إيران ومحور الجهاد والمقاومة، والجولة التي حصلت من شهر رمضان إلى شوال، في المواجهة مع العدو الإسرائيلي، كيف كان العدو الصهيوني يحرص جدًّا على التكتُّم عن حجم خسائره، وحجم ما يحدث من تأثير للعمليات العظيمة، بالقصف الصاروخي من الجمهورية الإسلامية في إيران لاستهداف العدو الإسرائيلي، لا يريد أن يرى الناس حجم التأثير والأضرار، لماذا؟ لأن لديه اعتبارات معنوية في الموضوع، يحسب حساب ألَّا تسود في النظرة العامة حتى في أوساط شعوبنا، نظرة إليه أنه لحق به خسائر كبيرة، أنه تضرَّر نتيجةً لعدوانه، نتيجةً لجرائمه، نتيجةً لما قام به من عدوان هو والأمريكي ضد الجمهورية الإسلامية في إيران، لا يريد أن يرى الناس حجم الأثر المهم للموقف الإيراني، للثبات الإيراني، للتصدِّي الإيراني، يريد أن يقلِّل من تأثير الرد الإيراني من جهة، وأن يغطِّي على مستوى تأثره؛ لتبقى الصورة العامة في الذهنية العامة، حتى في أوساط شعوبنا ومنطقتنا، أنَّه في الموقف القوي، الأكثر تأثيراً، والأقل تضرراً، وأنَّه في الموقف الذي يحاول من خلاله أن يرسِّخ حالة اليأس في أوساط الأمَّة بكلها.
يجب أن نكون أكثر وعياً من اليهود في خدمة قضايانا كمسلمين، وأن نكون أكثر إدراكاً للتعامل بمسؤولية ووعي، سواءً مع الأخبار، أو مع مسألة الدعايات، التي تأتي من هنا أو هناك، هذا جانب مهم جدًّا.
كذلك البعض من الدعايات في قضايا اجتماعية، في أمور شخصية، أو قضايا عامة، قد يكون فيها بهتان، والبهتان هو من أخطر الأمور، يعني: نسبة أشياء باطلة، مسيئة، إلى مؤمن، أو مؤمنين، أو مؤمنات، أو أمَّة مجاهدة، هي بريئة من ذلك، {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا}[الأحزاب:58]، يعني: من أكبر الجرائم، من أكبر الذنوب، والبعض يتسرَّع مع دعايات من هذا النوع.
بقي لنا نقطة مهمة جدًّا نؤكِّد عليها في هذا السياق، وهي: جانب المقاطعة الإعلامية، هناك قنوات فضائية، سواءً منها ما كانت:
- قنوات إخبارية سياسية، وهي تخدم اليهود بشكل واضح، تخدم اليهود، والصهيونية، وأمريكا وإسرائيل بشكل واضح، لا شك في ذلك، محتواها الذي تقدِّمه من الأخبار، حتى الصيغة الخبرية تخدم اليهود، تبرر لإسرائيل كل ما تفعله، وتحمِّل دائماً الوزر، والإشكالات، والمسؤولية على المجاهدين، على أبناء هذه الأمَّة، على المظلومين في كل شيء، حتى في أحداث غزَّة، كانت تحمَّل المجاهدين في غزَّة مسؤولية جرائم العدو الإسرائيلي، وتبرِّئ العدو الإسرائيلي، وتقدِّم ما يفعله من إجرام وكأنها أمور عادية جدًّا، وموقفها من القضية الفلسطينية من أكثر ما يكشف حقيقتها، موقفها من المجاهدين في فلسطين من أكثر ما يكشف حقيقتها؛ وبالتالي بشكل عام، موقفها من بقية مجاهدي الأمَّة، قد كشفتها أحداث فلسطين، التي هي واضحة لا لبس فيها عند أحد، وهذا كافٍ في أن يعرف الإنسان توجُّهها السلبي بشكل عام، مثل هذه الوسائل الإعلامية، في محتواها الخبري والسياسي، الذي هو خدمة لليهود، تجعل من نفسها بوقاً للصهيونية، وخادماً للصهاينة.
- وكذلك البعض من القنوات المضلَّة، التي تروِّج كذلك للضلال، للباطل، بمحتواها العقائدي، أو محتواها الثقافي والفكري، هذا الاتِّجاه ينبغي أن يقاطع، أن يقاطع، يعني: لا يليق بالناس أن يرتبطوا بوسائل إعلامية تخدم اليهود، تخدم الضلال، تخدم الباطل، هي صوتٌ للضلال، صوتٌ للشيطان، صوتٌ للشيطان بكل ما تعنيه الكلمة، {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ}[الإسراء:64]، صوت الباطل، صوت الضلال.
- كذلك قنوات أخرى ذات محتوى مفسد، لا أخلاقي، يروِّج للرذيلة، للفاحشة، يضرب زكاء النفوس.
كل هذه الأنواع من وسائل الضلال الإعلامية يجب مقاطعتها، أن يكون الإنسان على قطيعة معها؛ ولهذا يقول الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" في القرآن الكريم: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}[الأنعام:68]، حتى على مستوى المجالس، مقايل القات، الأماكن التي هي بؤر، بؤر للضلال، قرناء السوء، الجلساء الذين هم بؤر للترويج للضلال، للباطل، للدعايات الكاذبة، للصدِّ عن سبيل الله، للتثبيط عن الموقف الحق، للسعي للتفرقة بين الأمَّة، مثل هذه يجب مقاطعتها وتركها.
كثير من الناس يحضر فيها؛ يتأثر مع الوقت، ليس لديه ما يتحصَّن به من الوعي، ولن يكون في إطار الموقف المتصدِّي؛ أمَّا البعض منها فيجب مقاطعته على كلِّ حال، مثل: القنوات والوسائل الإعلامية ذات المحتوى الرذيل، المفسد، المميع للناس، الذي يستهدف الكرامة الإنسانية، سواءً قنوات، مواقع في التواصل الاجتماعي، أو في الإنترنت... أو في غير ذلك.
يقول الله: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ}[النساء:140]، لاحظوا هذا الموقف، هذا الحكم الإلهي: {إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا}[النساء:140]، يعني: حالة خطيرة جدًّا على الإنسان، الإنسان يصبح شريكاً معهم في الجرم والإثم، وهو جرم كبير، ويجمعه الله معهم في نار جهنم، كان يجتمع بهم في مجلس، أو مقيل، أو اجتماعات سلبية هدَّامة، ترسِّخ الباطل، تنشر الضلال، تعمِّق الفرقة، تروِّج للمساوئ، والدعايات الباطلة، تصدُّ عن سبيل الله، تثبِّط عن الموقف الحق، يجتمع في نار جهنم مع الكافرين والمنافقين.
أو كذلك من هذه الاجتماعات: الارتباط بقنوات إعلامية، بوسائل إعلامية، هو شبيه بهذه الحالة تماماً، وله نفس النتيجة، ونفس الحكم، ومخاطره أحياناً أكثر؛ لأن الذين يخاطبونك من القنوات هم أناس يعني، إما مذيعين، أو مذيعات، مقدمي برامج رجال أو نساء، من أولئك الذين يقدِّمون مثل ذلك النمط، ذلك المستوى من المحتوى المضل، أو المفسد، أو المزوِّر للحقائق، أو الصاد عن الموقف الحق، وعن سبيل الله، أو المثبِّط عن المواقف المهمة التي أمر الله بها، وهذا من الكفر بآيات الله والاستهزاء بها، في محتواها الذي تدعو إليه، وتهدي إليه: صد عن الجهاد في سبيل الله، عن الموقف من أعداء الله، من الظالمين، الكافرين، المستكبرين، من اليهود، التثبيط عن ذلك، تحويل لبوصلة العداء نحو المؤمنين... أشياء كثيرة هي تدخل في مسألة التنكُّر لمحتوى آيات الله، لما تهدي إليه، لما يأمر الله به، ويدخل فيها أيضاً الاستهزاء، مساحة كبيرة هي مساحة ساخرة، مستهزئة، تقدِّم أو تستخدم أسلوب السخرية والاستهزاء من الموقف الحق، ومن الدعاة إلى الموقف الحق.
يبقى لنا أن نذكِّر أنفسنا جميعاً بقول الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى": {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا}[الأحزاب:70]، {قَوْلًا سَدِيدًا}: بمقتضى الحق، والحكمة، والعدل، وفي نفس الوقت ليس فيه ثغرات يستغلها الأعداء، يستغلها الكافرون، يستغلها المنافقون.
{يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}[الأحزاب:71]، للقول السديد هذه الثمرة: في صلاح الأعمال؛ لأن القول السيء يخرِّب الأعمال، يؤثِّر سلباً في الواقع العملي، ليس له نتيجة عملية إيجابية.
{يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}[الأحزاب:71]، أهم من الإعجابات التي ينجر لها البعض في مواقع التواصل الاجتماعي، للتماهي مع كلام مسيء، كلام باطل، كلام حاقد، كلام مخرِّب، وأصبح من الوسائل التي يعتمد عليها الأعداء: أنهم ينظِّمون مسألة الإعجابات، يعني مثلاً: البعض يقدِّم في مواقع التواصل الاجتماعي محتوى سيء، يعبِّر عنه تذمر بما يثير الفرقة، بما يسيء إلى الموقف الحق، بما يعبِّر عن حالة زيغ عن الاتِّجاه الصحيح، فيرى إعجابات بالآلاف، وهي حملة منظَّمة، حتى أحياناً حملة مزيفة، يطرحون له رقم معين من الإعجابات؛ فيزداد تفاعلاً وانجذاباً نحو الاتِّجاه المنحرف والزائغ، الذي يتَّجه فيه بعيداً عن نهج الحق، طريق الحق، والموقف الحق.
بدلاً من تلك الإعجابات الوهمية، وحتى لو كانت حقيقية، فالذين يعجبون بالمواقف السيئة، بما يعبِّر عن زيغ، وعن اتِّجاه خاطئ، هم من الزائغين، {مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (162) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ}[الصافات:162-163]، ممن هو بنفس الحالة، من السيئين، المعقَّدين، من الذين في قلوبهم مرض، من المنافقين، من الموالين لليهود والنصارى، من المنحطين، التافهين، الذين لا يحملون القيم والمبادئ الراقية.
هذا الأهم، أنت عندما تطيع الله ورسوله، فتقول القول السديد، تحظى برضى الله، الكلمة الطيِّبة من منطلق إيماني، أنت تحظى عليها بالأجر العظيم، بالفضل الكبير عند الله، {فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}[الأحزاب:71]، أعظم من لو حصلت على مائة مليون إعجاب، هذا إغراء كبير، وتشجيع عظيم على أن نلتزم عملياً في القول السديد.
ننبِّه أيضاً ونعود إلى الآيات القرآنية المباركة: {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا}[البقرة:104]، لنتذكَّر معياراً مهماً فيما نقوله، أن نقول ما يفيد ولا يخدم الأعداء، وأن نحذر ما يخدم الأعداء، وأن نرسِّخ هذا المعيار، وأن نذكِّر أنفسنا دائماً بالمسؤولية الإيمانية، والدينية، والأخلاقية، فيما نقول.
لا يفوتني في ختام هذه المحاضرة أن أشيد بالذين يقومون بدورٍ عظيم، وإسهامٍ كبير في المجال الإعلامي، بنشر الوعي، بالكلمة الطيِّبة، بالمحتوى النافع والمفيد للناس، ويتجنَّبون الأشياء السيئة، بالذين يجاهدون في ميدان الإعلام، ويقدِّمون الحق، ويخدمون القضية العادلة للأمة، ويسعون إلى اتِّجاه الأمَّة في الاتِّجاه الذي يرضي الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وفيه الخير لها في الدنيا والآخرة.
الكلام حول هذا الموضوع يطول كثيرة، لكن- إن شاء الله- في مناسبات، في مقامات نتحدَّث أكثر، وهذا الموضوع مما يجب أن يحظى بالاهتمام في خطب الجمعة، في التوعية، في الدورات، في مقايل الناس، المجالس والمناسبات الاجتماعية، أن يكون هناك اهتمام مستمر بالتوعية، وتوسيع نشر الوعي حول هذا الموضوع؛ لأنه من المواضيع التي لها تأثير كبير في حياة الناس، في واقع الناس، إمَّا إيجابي، حينما يكون التوجُّه إيجابياً؛ وإمَّا سلبيٌ حينما يكون التوجُّه والأداء سلبياً.
نَسْألُ اللَّهَ "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّجَ عَنْ أَسْرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيْعُ الدُّعَاء.
وَالسَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛





