نبيل الجمل
في قراءة فاحصة للتحول الاستراتيجي الذي أحدثه السابع من أُكتوبر، يتجلى أن ما حدث كان تتويجًا لعملية بناء تراكمي شاقة، وإدارة ذكية للصراع تفهم عقلية العدوّ الصهيوني أكثر مما يفهم هو نفسه.
يقينُ الاشتباك.. الأنفاقُ كشرايين حياة
إن الادِّعاء بأن العملية كانت "مغامرة" يسقط أمام حقيقة التجهيزات التي سبقتها بسنوات:
عقيدة الإبادة: أدركت المقاومة أن وحشية كَيان الاحتلال ليست رد فعل، بل هي "عقيدة متأصِّلة" تنتظر اللحظة المواتية، فأعدت لها ما استطاعت من قوة.
الترسانةُ من المستحيل: الأنفاق والأسلحة التي صُنعت تحت الحصار لم تكن لتوجد لولا اليقين المطلق بأن الصدام الوجودي قادم لا محالة.
فشل الردع: كانت عملية العبور إعلانًا رسميًّا عن سقوط أُسطورة "الجيش الذي لا يقهر" وتحطيمًا لنظرية الأمن الصهيوني في عقر دارها.
من "خانةِ الضحية" إلى "مقامِ الند"
لم تصنع المقاومة الحرب، بل كانت الحرب مفروضة على الفلسطيني منذ نكبته الأولى:
الانفجار الضروري: كان العبور انفجارًا في وجه سنين من المجازر الصامتة والحصار والتجويع بعيدًا عن أضواء الإعلام.
الكرامة أَو الإذلال: قرّر المقاوم الفلسطيني أن يموت واقفًا بكرامته بدلًا من الموت ببطء تحت وطأة الإذلال المعيشي والسياسي.
تغيير المعادلة: المقاومة نقلت الإنسان الفلسطيني من "ضحية مستسلمة" تطلب الشفقة إلى "ند مقاتل" يفرض شروطه بالبارود والكمائن.
الجغرافيا السياسية.. كبحُ جماحِ التوسع
على الصعيد الإقليمي، كان السابع من أُكتوبر العائق الوحيد أمام استكمال "الوهم الاستعماري":
حماية الجغرافيا: صمود المقاومة كبح الزحف الصهيوني الذي كان يخطط لالتهام ما تبقى من فلسطين واستكمال الهيمنة الإقليمية.
انتهاء زمن "المجازر بلا ثمن": حين امتلك المقاوم القوة والوعي، أدرك العدوّ أن كُـلّ قطرة دم فلسطيني سيكون لها ثمن باهظ يهدّد وجود كَيان الاحتلال نفسه.
فضح النظام الدولي: كشفت الملحمةُ عورةَ النظام الاستكباري الذي يشرعن للمحتلّ وحشيته ويستكثر على الضحية حقها في المقاومة.
الخلاصة: إن السابعَ من أُكتوبر لم يكن رصاصةً انطلقت فحسب، بل كان ملحمةَ وعي سبقت الرصاصة.
المقاومة اليوم لا تدافعُ عن غزة وحدَها، بل تدافعُ عن أصل فكرة "البقاء" والسيادة في وجه مشروع استئصالي لا يرى في هذه الأرض إلا مساحة لمستوطنيه.
إنه زمنُ الأحرار الذين يحفرون قبورَ أعدائهم بأيديهم، متسلحين بالإيمان قبل التكنولوجيا.

.png)


.jpg)

.jpg)