مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله

أصيل علي البجلي
تتجلّى الذكرى السنوية للشهيد في الوجدان الإيماني والواقع السياسي كأعظمِ مدرسةٍ استراتيجيةٍ تصوغُ فلسفةَ الوجود، وتدكُّ عروشَ الاستكبارِ في موازينِ الصراع.

إنّ الشهادةَ في المنظورِ القرآنيِّ ليست محضَ حادثةٍ عابرةٍ في جبهاتِ الفداء، بل هي مقامٌ تشريفيٌّ شامخ، واصطفاءٌ ربانيٌّ محتوم، يُعيدُ صياغةَ الوعيِ الجمعي، ويرسمُ بمدادِ المجدِ جغرافيا العزةِ والسيادة.

يقولُ الحقُّ تبارك وتعالى: «وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ»، ليرتسمَ في فعلِ "الاتخاذ" أوجُ القربِ والاجتباء، حيث يُنتزعُ الشهيدُ من ضيقِ الفناءِ الترابيِّ إلى ذروةِ الخلودِ السرمدي: «أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ». وفي هذا الصنيعِ الإلهيِّ الباهر تتجلّى الحكمةُ البالغةُ في تمحيصِ الأمة؛ فالشهادةُ تهبُ المستضعفينَ زخيماً روحيّاً ينسفُ عُتُوَّ الترساناتِ المادية، وتثبتُ أنَّ جمرَ العقيدةِ أعتى من أوهامِ الهيمنةِ وأبقى من عروشِ الطغاة.

إنّ ما يسطّرهُ اليمنُ اليومَ من موقفٍ مبدئيٍّ يمانيٍّ نصرةً لمقدساتِ الأمة، وثباتٍ أسطوريٍّ في وجهِ تحالفاتِ العدوانِ والغطرسة، ليسَ إلا الثمرةَ الزكيةَ لتلكَ الدماءِ الطاهرةِ التي صنعتْ معادلةَ الردعِ الشامل. فالشهداءُ همُ الذينَ خَطُّوا بنحورِهِمْ أبعادَ الموقفِ الحق، وجعلوا من التضحيةِ جسراً أشمَّ لصناعةِ النصر، وتثبيتِ أركانِ الاستقلالِ والكرامة.

وفي هذا الفلكِ الفلسفيِّ المَهيب، يُجلّي أميرُ المؤمنينَ الإمامُ عليُّ بنُ أبي طالبٍ عليه السلام ذروةَ هذا المقامِ الباذخِ بقوله: «فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَتَحَهُ اللَّهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ»، معلناً أنَّ الشهادةَ هي الاصطفاءُ الأسمى الذي تتقاصرُ دونهُ كلُّ الرتب. ويصوغُ الإمامُ عليٌّ عليه السلام فلسفةَ الثباتِ بيقينٍ يزلزلُ الأفئدةَ قائلاً: «وَأَكْرَمُ الْمَوْتِ الْقَتْلُ، وَالَّذِي نَفْسُ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ بِيَدِهِ لَأَلْفُ ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ أَهْوَنُ مِنْ مَوْتَةٍ عَلَى الْفِرَاشِ»، لِيُبَيِّنَ أنَّ الشرفَ الإنسانيَّ والخلودَ الأبديَّ يُنتزعانِ بوهجِ المواجهةِ وبسالةِ الإقدام. كما يسكبُ الإمامُ عليٌّ عليه السلام جوهرَ البُعدِ الوجوديِّ للدماءِ بقوله: «بِالْجِهَادِ تُسْتَدَرُّ النَّصْرُ»، موضحاً أنَّ حريةَ الشعوبِ لا تُستجدى على موائدِ التفاوضِ الخانع، بل تُنتزعُ بصادقِ الفداءِ وعظيمِ التقديم.

وعن رسولِ اللهِ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليه وعلى آله، يسطعُ الحديثُ الشريف: «فَوْقَ كُلِّ ذِي بِرٍّ بِرٌّ حَتَّى يُقْتَلَ الرَّجُلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِذَا قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَيْسَ فَوْقَهُ بِرٌّ»، لِيُجسِّدَ أسمى مراتبِ الصدقِ مع الله، والوفاء الصارم بعهدِ الميثاق: «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ».

إنّ دماءَ الشهداءِ العظماءِ في اليمن تُعيدُ اليومَ رسمَ الخارطةِ الحضاريةِ والسياسيةِ للمنطقةِ برمتها، وتبرهنُ للعالمِ أجمعَ أنَّ الأمةَ التي تهبُ أرواحَ أزكيائها في سبيلِ الحقِّ هي أمةٌ حيةٌ عصيةٌ على الانكسار، قادرةٌ على سحقِ عروشِ الظلمِ وإشعالِ بيارقِ النصرِ المظفرِ للأجيالِ القادمة.


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر