مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 7 رجب 1447هـ
تقرير: يحيى الربيعي
يمثل التحول الزراعي خلال الفترة ما بين 2020 و2025 مرحلة مفصلية في التاريخ الاقتصادي الحديث للبلاد، حيث انتقلت السياسة التنموية من الارتهان الهيكلي لمخازن القمح العالمية -التي تُستخدم كسلاح للتركيع- إلى تبني استراتيجية السيادة الغذائية كترجمة عملية لمبدأ "كمال الإيمان" والتحرر من هيمنة قوى الاستكبار، وجبهة صمود سيادية ومساراً تصحيحياً لمواجهة التبعية المذلة التي فُرضت على البلاد لعقود.
هذا التوجه، والذي يربط بين حبة القمح وكرامة الموقف، يفرض ضرورة ملحة لاستغلال المساحات الشاسعة التي ظلت مهملة بفعل سياسات التدمير الممنهج، والبدء بموسم زراعي "غير مسبوق" يجعل من القمح العمود الفقري للاقتصاد الوطني.
وفي هذا السياق، يحلل التقرير التالي التحولات الرقمية والميدانية في قطاع الحبوب، وبالأخص محصولي القمح والذرة الشامية، كاشفاً زيف العوائق المصطنعة التي وضعتها السياسات الصهيو-أمريكية لتجويع الشعب اليمني، ومسلطاً الضوء على الفجوة القائمة والآليات الثورية المتبعة لتقليصها، في إطار رؤية شاملة تهدف إلى تحويل المدن والوديان إلى ورش عمل زراعية كبرى تنهي حقبة التفريط وتؤسس لعصر الاكتفاء الذاتي.
-
الفلسفة الاقتصادية للثورة الزراعية وتحدي السيادة
تستنهض لغة الأرقام في اليمن معركة سيادية صامتة تجري فصولها فوق موائد الطعام وفي حقول الإنتاج، منطلقة منذ العام 2020 من مبدأ صلب يرى في الأمن الغذائي الركيزة الأساسية للأمن القومي، فبينما يستهلك المواطن اليمني ما يقارب 115 كيلوجراماً من القمح سنوياً بإجمالي استهلاك وطني يتراوح بين 2.9 إلى 3.5 مليون طن.
هذا الاختلال مثل ثغرة استراتيجية استثمرت فيها سياسات التبعية لعقود لتحويل رغيف الخبز إلى رهينة بيد القوى الدولية التي تدير سلاح الغذاء، مسببةً استنزافاً دائمًا وممنهجاً للكتلة النقدية عبر فاتورة استيراد تتجاوز المليار دولار للقمح وحده، وقرابة 302 مليون دولار للذرة الشامية المستخدمة كأعلاف.
فيما يقف الإنتاج المحلي من القمح قبل عام 2020 عند عتبة خجولة لا تتجاوز 150 ألف طن، وفي ذات السياق، يبرز ملف الذرة الشامية كوجه آخر لهذا الحصار الإنتاجي، إذ يقدر الاستهلاك الوطني بنحو 750 إلى 850 ألف طن، بينما لم يتجاوز الإنتاج المحلي حدود 50 ألف طن، وهو ما كشف عن فجوة استيرادية خانقة بلغت 94% للقمح و86% للذرة الشامية.
ولم يكن هذا الاختلال الهيكلي وليد صدفة عابرة، بل جاء كإفراز حتمي لاستراتيجيات "الإفقار الممنهج" التي هندستها القوى الاستعمارية لتفكيك البنية الزراعية اليمنية، غايتها إبقاء رغيف الخبز أسيراً للحاويات القادمة من وراء البحار، وضمان ارتهان القرار السيادي لتقلبات السوق التي تديرها المركزية الرأسمالية بقيادة واشنطن؛ إذ تسببت هذه التبعية في استنزاف دائم وممنهج للكتلة النقدية عبر القيمة الباهظة لفاتورة الاستيراد، ما حول الغذاء إلى أداة ضغط سياسي وعسكري فتاكة بيد قوى الاستكبار العالمي، تتلاعب بلقمة عيش الملايين وفقاً لأجندات الصراعات الدولية.
في المقابل، يركز السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي -في العديد من خطاباته ومحاضراته- على أن الزراعة عمود فقري للاقتصاد اليمني وأساس للصمود وتحقيق الاكتفاء الذاتي، داعياً للتوجه الكبير نحوها وتقليل الاستيراد، خاصة القمح، وتخفيف كلفة الإنتاج مع تحسين الجودة وتطوير الممارسات الزراعية، والتخطيط العمراني ليراعي وجود المساحات الخضراء والمزارع، معتبراً الاهتمام بالثروة الحيوانية والموارد الطبيعية جزءاً من كمال الإيمان وضرورة للأمن القومي في مواجهة الحصار.
وهو المسار والموجه الذي وضع القيادة السياسية ممثلة بالمجلس السياسي الاعلى وحكومة التغيير والبناء، بل والمجتمع اليمني بأسره أمام حتمية المواجهة لكسر هذا الارتهان الذي صممته واشنطن لإبقاء القرار اليمني تحت رحمة لقمة العيش المغموسة بالذل؛ ومن هنا، اكتسبت التحركات اليمنية الراهنة نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي أبعاداً ثورية عميقة تتجاوز المفهوم التقليدي للزراعة لتستقر في صلب "معركة التحرر من الهيمنة"، حيث تتحول حبات القمح في التربة إلى رصاصات في صدر الأمة ضمن سياسة التجويع والحصار، وبرزت الجهود الوطنية كفعل مقاوم يهدف إلى صياغة استقلال حقيقي يبدأ من امتلاك القوة الإنتاجية لتحصين الجبهة الداخلية وفضح زيف المنظومة الدولية التي تدعي حقوق الإنسان بينما تمارس أبشع أنواع الإبادة الاقتصادية.
وعلى وقع الأزمات العالمية واضطراب سلاسل التوريد، تسارعت وتيرة العمل الميداني في اليمن، حيث بدأت المؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب، بالشراكة مع الاتحاد التعاوني الزراعي ومؤسسة بنيان التنموية، تنفيذ برامج طارئة لتحويل التحديات إلى فرص؛ فشرعت في تنفيذ مسح شامل للأراضي البكر والمدرجات والصحاري الصالحة للزراعة، وبناءً على نتائج هذه الدراسات، انطلق المسار الثوري نحو استنهاض المجتمع ورفع مستوى الوعي بالاستثمار الأمثل للموارد البشرية والطبيعية، وتفعيل الطاقات وتكثيف الجهود نحو تحقيق نهضة تنموية شاملة تعيد للحقل اليمني سيادته وللقرار الوطني استقلاله.
-
إنتاج القمح.. محافظة الجوف أولى البشارات
تعد محافظة الجوف النموذج الأبرز لنجاح السياسات الزراعية الجديدة خلال الفترة 2020-2025. فقد تحولت المحافظة من مساحات صحراوية مهملة إلى "سلة غلال اليمن" بفضل توفر المياه الجوفية والأراضي السهلية الخصبة. تشير الأرقام إلى أن المساحة المزروعة بالقمح في الجوف شهدت قفزات متتالية؛ ففي موسم 2024 بلغت المساحة حوالي 13,000 هكتار أنتجت 59,000 طن، لترتفع في موسم 2025-2026 إلى 17,600 هكتار، من المتوقع أن تنتج حوالي 80 طناً.
هذا النمو بنسبة 40% في المساحة المزروعة خلال عام واحد فقط يعكس نجاح برنامج "القروض البيضاء" الذي تنفذه المؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب، حيث تم توزيع أكثر من 680 طناً من البذور المحسنة كقروض لحوالي 7,563 مزارعاً في الجوف. ولم يقتصر الهدف الاستراتيجي في الجوف على الكمية الإنتاجية فحسب، بل امتد إلى خفض كلفة الإنتاج؛ حيث أعلنت وزارة المالية بصنعاء أن من المتوقع ألا يتجاوز سعر كلفة إنتاج كيس القمح المحلي في الجوف 10,000 ريال يمني، وهو سعر ينافس كلفة القمح المستورد التي تتصاعد من فترة إلى أخرى بتصاعد الزيادة في تكاليف الشحن والتأمين.
-
الحديدة.. فرص زراعية واعدة
وبينما تتربع محافظة الجوف على عرش إنتاج الحبوب كخزان استراتيجي لليمن، تنبعث من وديان تهامة في محافظة الحديدة ملحمة زراعية تعيد صياغة خارطة الغذاء الوطنية؛ حيث شهدت وديان "زبيد" و"مور" و"سردود" عودة تاريخية لزراعة القمح بعد عقود من التغييب المتعمد والتعطيل الممنهج الذي فرضته سياسات الارتهان للخارج. هذه العودة لم تكن مجرد استصلاح لمساحات متروكة، بل كانت برهاناً عملياً كشف زيف الادعاءات التي حاولت إقصاء التربة التهامية عن دورها السيادي، لتثبت هذه الأرض قدرة فائقة على إنتاج قمح عالي الجودة يتفوق في خصائصه على الأصناف المستوردة التي أغرقت بها واشنطن الأسواق اليمنية لسنوات.
وتعكس البيانات الميدانية قفزة ديناميكية في معدلات التوسع الزراعي بالحديدة، حيث سجلت المساحات المزروعة بالقمح نمواً لافتاً بنسبة بلغت 70% منذ عام 2022، وهو ما يمثل تحولاً دراماتيكياً في مسار معركة الاكتفاء الذاتي. هذا الاندفاع نحو الزراعة في الوديان التهامية يكسر الحصار النفسي والمادي الذي حاولت القوى الصهيو-أمريكية فرضه عبر إيهام اليمنيين بعدم جدوى الزراعة في المناطق الحارة، لتأتي النتائج وتؤكد أن الإرادة اليمنية -حين تقترن بالبحث العلمي والتوظيف الأمثل للموارد المائية والتربة- قادرة على اجتراح المعجزات تحت وطأة أقسى الظروف.
إن نجاح تجربة القمح في تهامة يمثل ضربة قاصمة لاستراتيجية "التبعية الغذائية"، حيث تحولت هذه الوديان من مجرد ممرات مائية إلى جبهات إنتاجية مفتوحة تعزز صمود الدولة اليمنية وتدعم موقفها في مواجهة قوى العدوان. بل إن هذا التوسع بنسبة 70% يمثل مؤشراً قوياُ على استعادة الشعب لسيادته على قراره الزراعي، وتحويل الجغرافيا اليمنية بكل تنوعها المناخي إلى ترسانة لإنتاج الغذاء، ما يضيق الخناق على محاولات الابتزاز السياسي الذي تمارسه دول الاستكبار عبر التلاعب بإمدادات القمح العالمي.
-
الذرة الشامية من الارتهان إلى السيادة الإنتاجية
تنتقل اليمن اليوم من وضعية "المتلقي السلبي" إلى وضعية "المبادر الفاعل" في معركة الذرة الشامية، التي تمثل حجر الزاوية في سلسلة القيمة الزراعية، وصمام أمان قطاع الدواجن والماشية؛ فبعد عقود من التهميش الذي حصر الإنتاج المحلي في حدود 50 ألف طن سنوياً مقابل استيراد هائل يناهز 600 ألف طن، أحدث العامان (2024 و2025) تحولاً نوعياً بفضل تفعيل "الزراعة التعاقدية" كآلية ثورية لتحطيم قيود التبعية.
وتكشف الخارطة الإنتاجية الجديدة عن حراك ميداني متسارع، تصدرته محافظة إب بمساحة 7,901 هكتار وإنتاجية تجاوزت 21 ألف طن، تلتها تهامة بـ 186 هكتاراً وبإنتاجية تصل 4,044 طن، وبمتوسط إنتاجية متميز بلغ 3 أطنان للهكتار الواحد، والجوف التي دخلت خط المواجهة الإنتاجية بزراعة ما يقارب 748 هكتاراً بإنتاجية بلغت 1,870 طناً، وبمتوسط إنتاجية بلغ 2.5 طن للهكتار، في إطار وطني طموح يستهدف استصلاح 200 ألف هكتار لردم فجوة الاستيراد بالكامل.
وبخطوات واثقة تتجاوز النظريات الاقتصادية العقيمة، صاغت الجمعيات التعاونية في الحديدة، وتحديداً في "بيت الفقيه"، أنموذجاً حياً لـ "الاقتصاد المقاوم" عبر التعاقد لتسويق 1,000 طن من الذرة الشامية المحلية لموسم 2025؛ وهي الخطوة التي تمثل ضربة استباقية لكسر هيمنة كبار المستوردين وسياسات إغراق السوق التي تنتهجها القوى الرأسمالية.
هذا التوجه الاستراتيجي القائم على "الربط المباشر" بين المزارع والمصانع ومربي الدواجن، يقطع الطريق على الوسطاء وسلاسل الإمداد التي توظفها واشنطن كفخاخ لنهب العملة الصعبة وإبقاء اليمن تحت رحمة التقلبات الدولية، محولاً الحقول اليمنية من مجرد مساحات خضراء إلى ترسانة إنتاجية تحصن القرار السيادي وتواجه سلاح التجويع الصهيو-أمريكي بإرادة وطنية صلبة.
-
السيادة على البذور ببناء القاعدة الوراثية المحلية
تتجسد عقيدة التحرر اليمني في إدراك حقيقة بنيوية مفادها أن السيادة لا تكتمل إلا بامتلاك مفاتيح التربة، حيث لا يمكن اجتراح اكتفاء ذاتي مستدام دون انتزاع السيادة الكاملة على البذور من براثن الشركات العابرة للقارات، وفي هذا المضمار، خاضت المؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب خلال الفترة من 2020 إلى 2023 معركة مفصلية لكسر احتكار البذور المستوردة، متخذةً من "بنك البذور" والإنتاج المحلي للأصناف المحسنة منطلقاً لتقويض التبعية الزراعية التي كبلت الحقل اليمني لعقود.
وتكشف لغة الأرقام عن تصاعد ديناميكي في إرادة التغيير؛ ففي عام 2023، نجحت الجهود الوطنية في إنتاج 3,000 طن من بذور القمح المحسنة، ما يعادل 60,000 كيس، ليرتفع سقف الطموح في موسم 2024 نحو مضاعفة هذا الرقم ليصل إلى 6,000 طن، أي 120,000 كيس، في خطوة استراتيجية تهدف إلى توطين إنتاج المدخلات الزراعية وتأمين مستلزمات الإنتاج لمساحات شاسعة تصل إلى 40,000 هكتار في المواسم القادمة، وهو ما يمثل اختراقاً حقيقياً في جدار الحصار الاقتصادي المفروض على اليمن.
هذا التحول نحو البذور المحلية لا يقف عند حدود الوفرة الكمية، بل يتجاوزه إلى عمق التحليل الفني والبيئي، عبر التركيز على استنباط أصناف تتواءم مع المناخ اليمني الفريد وتمتاز بمقاومة فطرية للآفات والجفاف، بعيداً عن ارتهان "البذور العقيمة" التي تفرضها السياسات الصهيو-أمريكية لإبقاء المزارع في دائرة الاحتياج الدائم، ولضمان هذه الجودة، تحركت المؤسسة ضمن شبكة شراكات استراتيجية تضم 60 مستثمراً ومجموعة من كبار المزارعين المتخصصين، لصياغة نظام إنتاجي يحمي نقاوة البذرة اليمنية ويحولها إلى صمام أمان للقمة العيش الكريمة، بعيداً عن إملاءات قوى الاستكبار التي جعلت من "الجينات الزراعية" سلاحاً في حروبها القذرة.
-
التحديات ودور الجمعيات الزراعية
على الرغم من القفزات الرقمية في الجوف وتهامة، يواجه القطاع الزراعي تحديات بنيوية تعيق الوصول السريع للاكتفاء الذاتي. تتمثل هذه التحديات في ندرة الموارد المائية، وتفتت الحيازات الزراعية، وضعف الاستثمار الحكومي الذي لا يتجاوز 1.63% من الموازنة العامة. كما أن إجمالي المساحة الكلية للأراضي الزراعية المستغلة حتى 2023م لا يتجاوز 1,609,484هكتار.
وفي قراءة مجهرية للخارطة المحصولية، توضح بيانات كتاب الإحصاء الصادر عن الإدارة العامة للإحصاء بوزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية أن المساحة المزروعة فعلياً لا تتجاوز 1,218,754 هكتاراً يتوزع عليها 1,191,981 حائزاً زراعياً، حيث تعتمد 564,004 هكتارات منها على الأمطار، فيما تتقاسم المياه الجوفية والسطحية بقية المساحات. وتستحوذ الحبوب على نصيب الأسد بـ 587,323 هكتاراً، تنتج سنوياً 861,409 طناً، تتصدرها "الذرة الرفيعة" بمساحة 354,849 هكتاراً وإنتاجية تتجاوز نصف مليون طن، يليه "الدخن" و"القمح" و"الذرة الشامية" و"الشعير" بنسب متفاوتة، بينما تفرض "الحديدة" نفسها كقلعة للحبوب بصدارة إنتاجية بلغت 189,698 طناً.
وفي خضم هذه المعركة، برزت الجمعيات التعاونية الزراعية -المنشأة أو التي أُعيد بعثها بروح ثورية بعد الـ 21 من سبتمبر 2014م- كذراع تنفيذي ضارب يفكك حلقات الوساطة التقليدية ويصل مباشرة إلى صغار المزارعين، ففي تهامة الصمود، تحولت "الزراعة التعاقدية" إلى واقع ملموس عبر توزيع قروض عينية ضخمة شملت 70 طناً من الذرة الشامية و14,000 طن من الدخن، مدعومة بـ 59,900 لتر من الديزل لدعم عمليات الري والحراثة، في خطوة عملية لرفع مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي، والتي تراوح مكانها حالياً بين 13.7% و20%. وعلى طريق ثورة استثمارية منتظرة وشاملة تليق بحجم التضحيات والفرص المتاحة.
-
تطوير أساليب الإنتاج وتوطين الصناعات
يكشف التحليل العميق لمسار السيادة الغذائية أن اليمن استطاع تاريخياً الحفاظ على اكتفاء ذاتي مستقر في محاصيل الذرة الرفيعة والدخن والشعير، مستفيداً من مهارة المزارع اليمني في تطويع المدرجات والاعتماد على الأمطار، إلا أن المعركة الكبرى التي خاضتها البلاد بين عامي 2020 و2023 تركزت في نقل هذا النجاح إلى مربعي "القمح والذرة الشامية"؛ وهي المحاصيل التي تتطلب إدارة مائية دقيقة وتقنيات ري حديثة لمواجهة محاولات التعطيل الاستعمارية. ويمثل التوجه الاستراتيجي نحو المناطق الساحلية كـ "الحديدة" والشرقية كـ "الجوف" إعادة تشكيل جذرية للخارطة المحصولية، حيث برهنت الحديدة منذ عام 2020 على قدرات إنتاجية هائلة بتجاوزها عتبة 190ألف طن من الحبوب سنوياً، مؤكدةً أن العائق لم يكن يوماً في التربة، بل في غياب التنظيم والدعم الذي دأبت الأنظمة المرتهنة للخارج على تغييبه.
ولا تقتصر جدوى الاستثمار في الإنتاج المحلي على تحطيم فاتورة استيراد القمح المليارية، بل تتجاوز ذلك إلى تحريك 58 سلسلة قيمة زراعية، تمتد من القطن والسمسم وصولاً إلى الحبوب والبقوليات، ما يخلق دورة اقتصادية متكاملة تخدم 70% من أبناء الشعب اليمني الذين يمثل القطاع الزراعي ملاذهم الأخير في وجه الحصار. هذا المسار الثوري لم يتوقف عند الحقل، بل امتد لكسر التبعية التقنية عبر بدء المؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب في توطين تصنيع المعدات والآلات الزراعية محلياً؛ وهو "التوطين التقني" الذي يهدف إلى خفض كلف الإنتاج وجعل المنتج الوطني الخيار الأول للمستهلك بجودته وسعره المنافس، ضارباً بذلك جوهر السياسات الصهيو-أمريكية التي سعت لجعل اليمن سوقاً استهلاكياً تابعاً ومجرداً من أدوات الإنتاج.
إن استعادة السيادة على "الآلة والبذرة" هي الرد الحاسم على محاولات كسر الإرادة الوطنية، حيث يتحول الجرار الزراعي المصنع محلياً وسنابل القمح التهامية إلى أدوات ردع اقتصادية تفضح زيف المنظومة الرأسمالية التي تقتات على تبعية الشعوب، وتعلن رسمياً انحياز اليمن الكامل لخيار "الاكتفاء" كفعل مقاوم لا تراجع عنه.
-
الخلاصة بالتوقعات المستقبلية
إن ما حققته الجمهورية اليمنية على طريق الاكتفاء الذاتي في محاصيل القمح والذرة الشامية خلال الأعوام 2020-2025 يمثل قصة صمود اقتصادي فريدة. فبالرغم من الفجوة الغذائية العميقة (94% في القمح)، إلا أن التحول من إنتاج 150,000 طن سنوياً إلى استهداف مساحات زراعية تتجاوز 60,000 هكتار على المستوى الوطني، وبمتوسط انتاج يقدر بـ 3-4 أطنان للهكتار الواحد هو مؤشر على تغيير هيكلي حقيقي يحقق إنتاجية تقديرية تصل إلى 180.000 -240.000طن سنوياً.
تؤكد البيانات الرقمية عن وزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية والمؤسسات التابعة لها أن التوسع في الجوف والمتمثل في (زيادة 40% في مساحة القمح) ونجاح الزراعة التعاقدية في تهامة هما المفتاحان للسنوات القادمة. ما يؤكد أن الوصول إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي قابل للتحول من حلم مستحيل إلى هدف يتطلب استمراراً حثيثاً في التنسيق بين المؤسسات الرسمية والجمعيات التعاونية والمبادرات المجتمعية، مع التركيز المكثف على إنتاج البذور المحسنة وتطوير أنظمة الري، لاسيما وأن الأرقام الصادرة في الاحصائيات الرسمية لا تبشر بمستقبل واعد مع استمرار زخم "الثورة الزراعية" فحسب، بل ويعزز من سيادة القرار اليمني ويحقق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي المنشود. لاسيما وأن التحليل الاستراتيجي، يؤكد أن المساحة المستغلة لا تمثل سوى 2.5% فقط من مساحة البلاد، والتي توجد بها مساحات شاسعة تقدر بـ 46 مليون هكتار قابلة للاستغلال في حال توفرت الاستثمارات والتقنيات المناسبة، وأن كسر قيود التبعية الغذائية ممكن تقنياً وعملياً، إذ تشير الدراسات إلى أن استغلال 211 ألف هكتار إضافي سنوياً لزراعة القمح كفيل برفع المساحة المستغلة إلى مليون و55 هكتاراً خلال خمس سنوات، وباعتماد إنتاجية 3 أطنان للهكتار، يمكن رفد الإنتاج الوطني بـ 630 ألف طن سنوياً وصولاً إلى سقف 3.5 مليون طن، وهو ما يعني تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل من رغيف الخبز. بل إن المقارنة مع تجارب دولية، مثل إثيوبيا التي رفعت إنتاجها من القمح من 300 ألف هكتار إلى 669 ألف هكتار في عامين، تعطي دفعة معنوية وفنية لصناع القرار في القطاع الزراعي اليمني لإمكانية تحقيق المستحيل في ظروف مشابهة.






