مـوقع دائرة الثقافة القرآنية – تقارير – 4 ربيع الآخر 1448هـ
تقرير / وديع العبسي
أكدت سيطرة القوات المسلحة على الساحل الغربي وطرد التحشيدات السعودية من المخا والجزر المحيطة بباب المندب، إرادة الشعب اليمني وتحركه الصارم نحو تحرير الأرض والسيادة، وإسقاط رهانات الرياض وواشنطن على تفكيك النسيج الاجتماعي وزرع كيانات الوصاية؛ كمدخل لفرض الهيمنة وبسط السيطرة على جغرافية البلد بجزرها الاستراتيجية ومنافذها البحرية.
وأربك هذا الإنجاز العسكري النوعي كل الحسابات الإقليمية والدولية، وعمّق شعور قوى العدوان بالعجز عن إحداث أي اختراق استراتيجي في صلابة الأمة اليمنية، وقوة إيمانها، وثباتها على الحق؛ فاستعاد اليمنيون قرارهم السيادي على كامل مضيق باب المندب (أكثر الممرات المائية حساسية في العالم)، وصنعوا هذا التحول الضامن لقطع يد التدخلات السافرة التي استهدفت سيادة البلاد، ووحدة أراضيها، وقرارها المستقل لعقود.
-
قلق من طيّ صفحة الهيمنة للأبد
في خضم هذا التحول الاستراتيجي، ظهرت التفاعلات والمواقف في الدوائر السياسية والعسكرية الأمريكية و"الإسرائيلية" والدولية مرتبكة؛ ليس فقط لما يمثله الساحل الغربي من أهمية جيوسياسية، وإنما أيضاً -وهو الأهم- لأن اليمن ما زال -رغم كل أشكال الاستهداف المستمر- يُظهر عنفواناً في الدفاع عن حقوقه وشعبه الصابر، ويسجل حضوره القوي والمفاجئ في حلبة القوى التي احتكرت طويلاً الشهادات بقوتها واقتدارها.
يشير الباحث في الشأن اليمني "آدم بارون" لصحيفة "واشنطن بوست" إلى أن لهذا التحول دلالتين متداخلتين: الأولى يمنية ترتبط بتغير ميزان القوى بإسقاط مواقع استراتيجية كانت خاضعة للتوجيهات السعودية، والثانية إقليمية تتمثل في دخول باب المندب ضمن أوراق الضغط التي بات محور المقاومة يمتلكها في مواجهته مع محور الشر، واشنطن وحلفائها.
من جهتها، أكدت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن دخول القوات المسلحة إلى ذوباب وجزيرة ميون منح اليمن سيطرة فعلية على واحدة من أخطر نقاط الاختناق البحرية في العالم، وفاقم مباشرة مأزق الصادرات السعودية؛ إذ اعتمدت الرياض على خط أنابيب شرق–غرب وموانئ البحر الأحمر لتجاوز المخاطر التي تحيط بالملاحة في الخليج ومضيق هرمز، إلا أن وصول المجاهدين إلى المضيق وضع هذا الممر البديل تحت الضغط المباشر.
وفي السياق ذاته، وصفت شبكة "CNN" جزيرة ميون بأنها "الجائزة الاستراتيجية" في المواجهة الإقليمية، موضحة أن موقعها في أضيق نقطة يمنح القوة المتمركزة فيها قدرة متقدمة على مراقبة السفن وتتبع حركتها والتحكم بمسارات العبور بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي.
-
هلع في الكيان الصهيوني
في مقلب العدو "الإسرائيلي" سادت حالة من الهلع والاستنفار غير المسبوق؛ حيث عكست التغطيات الإعلامية الصهيونية الرعب من تداعيات تثبيت صنعاء حضورها العسكري على مستقبل الملاحة إلى ميناء أم الرشراش المحتلة "إيلات"، فأشارت تقارير وتحليلات وسائل إعلام العدو كالقناة 12 العبرية- إلى أن التطورات في باب المندب وجزيرة ميون تُمثّل "أزمة أشد خطورة من أزمة مضيق هرمز".
وأوضحت القناة العبرية أن ضيق الممر وقربه الجغرافي يمنحان القوات اليمنية قدرة عالية على رصد واستهداف حركة الملاحة والتجارة بأسلحة مباشرة ومدفعية، دون الحاجة لتقنيات معقدة أو صواريخ بعيدة المدى. وحذرت من أن تزامن الضغط اليمني في باب المندب مع الضغط الإيراني في مضيق هرمز يضع ملاحة القوى المعادية أمام كُمّاشة استراتيجية تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر.
وفي السياق ذاته، تناولت صحيفة The Times of Israel تقارير أكدت أن هذا الوضع يضع خطوط الإمداد والملاحة المرتبطة بالكيان تحت ضغط مباشر ومستمر. واعتبرت الصحيفة العبرية هذا التطور تحولاً استراتيجياً يمنح اليمن ورقة ضغط جغرافية تؤثر على عصب اقتصاد "الكيان الإسرائيلي" عبر البحر الأحمر، ما دفعه لمطالبة الحلفاء الغربيين بإنقاذه بالتحشيد البحري لمواجهة ما وصفته الصحيفة بـ "التهديد المباشر" لخطوط التجارة العابرة نحو الموانئ المحتلة.
فيما زعمت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن التحركات اليمنية جزء من معادلة إقليمية أوسع، ونقلت عن مسؤول رفيع محاولة الكيان التنصل من الانهيار السعودي بوصف التطورات بأنها "شأن سعودي" تجنباً للمواجهة المباشرة مع اليمن. كما شككت صحيفة "معاريف" في تصريحات رئيس أركان "جيش" العدو "إيال زامير" بقدرة ما وصفها بـ "الذراع الطويلة" للكيان على الوصول لباب المندب، مؤكدة تزايد المخاطر على ميناء "إيلات".
وحذرت صحيفتا "جيروزاليم بوست" و"تايمز أوف إسرائيل" من أن إحكام اليمن السيطرة على باب المندب يمنحه قدرة أكبر في الضغط على الملاحة وعزل دول خليجية منتجة للنفط، وفي مقدمتها السعودية. ووصف موقع "كيكار شبات" العبري التطورات بـ "الخطيرة والمقلقة"، مؤكداً أنها قد تدفع شركات الشحن لتجنب باب المندب واعتماد طرق أطول، ما يرفع تكاليف الشحن والتأمين ويزيد الضغط على سلاسل الإمداد.
وفي مقابل هذا الهلع لدى الأطراف المعادية، تؤكد المعطيات الميدانية استمرار حركة الملاحة والتجارة الدولية بشكل طبيعي وآمن لجميع السفن وناقلات البضائع التابعة لمختلف دول العالم، باستثناء الملاحة التابعة للجانب السعودي؛ باعتبارها خاضعة للحصار اليمني، رداً على الحصار المالي والاقتصادي والإغلاق المفروض على الموانئ اليمنية، وتأكيداً على أن استقرار سوق النفط العالمي باستمرار تدفق النفط السعودي مرتبط برفع الحصار عن اليمن وإنهاء كافة أشكال العدوان.
-
تراجع الردع الأمريكي
بالتوازي، تحاول الولايات المتحدة كتم غيظها من المستجدات التي ترسخ واقعية انتهاء عصر حضورها وتأثيرها في المنطقة، والاكتفاء بتقديم الدعم اللوجستي للسعودية، وتفادي الانخراط المباشر في أي مواجهة جديدة غير محسوبة، خصوصاً بعد مواجهات البحر الأحمر مع اليمن والتي كشفت حدود القدرة الأمريكية في التحكم بمسارات المواجهة، ودشنت مرحلة تراجعها في البحر الأحمر، وبعد فشلها في تحييد القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة، ما أدى في النهاية إلى إعادة تموضع قواتها.
وعندما يعجز الموقف الأمريكي عن تجاوز حدود القلق إلى تحرك عملي كانت تأمله الرياض عبر اتصالاتها المستمرة مع واشنطن؛ فإن ذلك يُعد إقراراً ضمنياً بتحول باب المندب من ممر تحت المظلة الغربية والسيطرة الأمريكية الأحادية المحمية بسياج البوارج وحاملات الطائرات، إلى منطقة تدار بإشراف وإرادة يمنية كاملة. وهو الواقع الجديد الذي يكرس قدرة صنعاء على حماية أمن الملاحة كحق سيادي بدلاً عن التواجد العسكري الأجنبي.
وأكدت صحيفة "هآرتس" العبرية أن ما كشفته مكالمة بن سلمان لترامب يحمل مدلولاً واحداً هو أن "أنصار الله يعيدون رسم خريطة المنطقة في ظل تراجع الدور الأمريكي". ولفتت الصحيفة إلى أن قرار ترامب عدم التدخل بشن غارات مساندة للسعودية في حربها على اليمن ترك الرياض وحيدةً في مواجهة اليمنيين.
واعتبرت الصحيفة العبرية أن المكالمتين الهاتفيتين اللتين أجراهما "بن سلمان" مع "ترامب" مثّلتا تحولاً استراتيجياً لم يسبق أن شهدته المنطقة في مسار علاقات واشنطن بأحد أهم حلفائها؛ إذ أوضح الرئيس الأمريكي -بجلاءٍ- عدم وجود نية لديه للقيام بأي تدخل عسكري مباشر في اليمن.
-
تهاوي مشاريع العسكرة الغربية
لا شك في أن هذا الإيقاع المتصاعد للمتغيرات يفتح الباب أمام توصيفات دقيقة تؤكدها تقارير الاستخبارات ومراكز الدراسات الاستراتيجية الدولية، بكون محاولات العسكرة الغربية والتحالفات البحرية المتعددة الجنسيات ظلت دائماً هي أصل التوترات، وقاعدة الأعمال العدائية ضد شعوب المنطقة، ما ولّد حالة احتقان شديد، وباتت اليوم تواجه تكلفة باهظة وعجزاً عملياً وميدانياً عن تأمين خطوط ملاحتها دون إقرارها بحق الآخر في الأمن والاستقرار.
وفي ظل تطور القدرات الردعية وصلابة الإرادة اليمنية التي لا تستكين أمام التهديد والوعيد، والذي يُقر به الجميع، سيكون على التحالف السعودي الأمريكي العدواني القناعةُ بأن هذا التدحرج الحاد في المتغيرات والمعاكس لاتجاه سفينتهم المعادية يوجب التسليم بحق اليمنيين بوقف كل مظاهر العدوان والحصار بشكل شامل وكامل، يضمن للبلاد استعادة كل حقوقها دون أي نقصان أو إملاءات خارجية تهيمن على مقدرات القرار الوطني المستقل.
عدا ذلك، فإن اليمن يتجه -بالتوكل على الله سبحانه وتعالى- إلى تكريس مكانته كدولة ذات سيادة كاملة غير منقوصة على بواباتها البحرية وممراتها الدولية، وقطع دابر أي محاولات مستقبلية لفرض الوصاية أو إعادة تقسيم البلاد. كما يتجه بكل ثقة إلى التأسيس لمرحلة تاريخية جديدة تنفكّ فيها البلاد عن قيود التخلف والاستعمار، نحو أفق تنموي واستراتيجي يليق بعظمة التضحيات الجسام التي قدمها اليمنيون، ومستوى التطلعات الشعبية، ويجعل من الجغرافيا اليمنية رقماً صعباً وثابتاً لا يمكن تجاوزه في صياغة معادلات الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي برمتها. وإثر ذلك ستسقط كل أحلام الهيمنة وتتكسر أطماع الغزاة.






