مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 6 ربيع الآخر 1448هـ
تقرير / علي الدرواني
تتداعى السرديات الإعلامية للعدوان السعودي على اليمن أمام التطورات الميدانية والواقع الإنساني الذي فرضه الحصار الظالم على مدى 12 عاما، فمن ذرائع "الشرعية" المزعومة وتأمين الملاحة، إلى محاولات التغطية على أكبر كارثة إنسانية عرفها العالم المعاصر، بالحديث عن استهداف مكة والأماكن المقدسة، تواصل الرياض سياسات المناورة والمماطلة والسعي لشراء الوقت، إلا أن التحول في معادلات الردع العسكرية والتكتيكية فرض واقعًا جديدًا على الأرض لصالح القوات المسلحة اليمنية، وأربك الحسابات، وأثبت أن أوراق الضغط السياسية والإعلامية تتهاوى أمام إنجازات الجبهات وانتصارات الميدان.
-
ورقة الملاحة والاستعطاف الديني
بدأت السعودية عدوانها في العام 2015 تحت شعار مخادع وهو مزعوم إعادة الشرعية المتمثلة في الخائن الهالك عبدربه منصور هادي، غير أن هذه الذريعة سرعان ما انهارت مع قيام الرياض بإزاحته وفرض الإقامة الجبرية عليه، واستبدلت به مجلساً من ثمانية من عملائها، ما أفرغ هذا التبرير من محتواه أمام الرأي العام. ومع تهاوي هذه الذريعة، انتقل الخطاب إلى استدعاء المجتمع الدولي تحت يافطة "تأمين الملاحة الدولية" وتخويف العالم من سيطرة القوات المسلحة اليمنية على باب المندب، بغرض تجييش قوى غربية، أو جر جيوش عربية أو إسلامية وتدويل الحروب نيابة عنها.
لم تقف محاولات الاستعطاف عند هذا الحد، بل لجأت السعودية إلى كرت الاستقطاب العاطفي والديني من خلال الترويج لمزاعم استهداف الأماكن المقدسة في "مكة المكرمة" بطائرات مسيرة، وهي ادعاءات عارية عن الصحة تماماً، ولم تقدم عليها الرياض أي دليل ملموس، والغرض واضح، هو محاولة كسب تضامن إسلامي وتبرير سنوات من العدوان بالقصف والحصار الشامل على الشعب اليمني، ورغم تهاوي هذه السردية كشفت بعض العواصم العربية والإسلامية عن اندفاع وسذاجة سياسيتين بالتعاطي مع هذه الـ"بروباغندا" وتكرار الإدانات المجهزة مسبقاً دون تمحيص أو تدقيق.
-
محاولات التغطية على الكارثة الإنسانية وتداعيات الحصار السعودي
تعد الأزمة الإنسانية التي احدثتها السعودية بعدوانها على اليمن، وهي من أشد الأزمات الإنسانية في التاريخ الحديث، وقد وصفتها تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الدولية بأنها أسوأ أزمة إنسانية من صنع البشر، وبناء عليها وضعت الأمم المتحدة اسم السعودية أكثر من مرة على لائحتها السوداء لمنتهكي حقوق الأطفال، حيث أدت سنوات العدوان والحصار المفروض إلى الخسائر البشرية المباشرة وغير المباشرة، من استهداف المدنيين وتدهور القطاع الصحي، وتفشي الأوبئة، إلى تقييد حركة الملاحة وإغلاق المنافذ والمطارات.
وتسببت الحرب العسكرية والحصار المستمر في حصاد بشري مؤلم طال العشرات من الآلاف بين شهيد وجريح، أغلبهم من الأطفال والنساء، فضلاً عن الآلاف ممن قضوا نتيجة التداعيات المباشرة وغير المباشرة للحصار والتجويع ونقص الرعاية الطبية، ومنع السفر وإغلاق المنافذ ونقص مصادر الدخل. وتأتي الدعاية والبروبغاندا السعودية للتغطية على تلك التداعيات والهروب من المساءلة الأخلاقية والإنسانية، والتستر على ملف إنساني قاتم. كل هذه الجرائم يجري التغطية عليها بذريعة حماية الملاحة أو ادعاء تعرض المقدسات للخطر.
-
المماطلة في الهدنة والمناورة الغادرة
والمماطلة التي لم تقتصر على البعد الإعلامي، بل امتدت إلى المسار السياسي والدبلوماسي، فبعد أن وقّعت الرياض على اتفاق الهدنة الذي أعلنته الأمم المتحدة لبدء المعالجات الإنسانية (في مقدمتها صرف مرتبات الموظفين، فتح الطرقات المغلقة، تخفيف الحصار، وتبادل الأسرى) ظلت تماطل وتتنصل من التزاماتها، وهدفت من هذه المماطلة لشراء الوقت واستكمال الاستعدادات العسكرية لإعادة الهجوم على صنعاء من خلال تحريك المليشيات والتحشيدات على الأطراف، وفي مختلف الجبهات.
غير أن القوات المسلحة اليمنية كانت تنبهت لهذه المخططات؛ فبمجرد أن بدأت السعودية بتحريك أدواتها ومحاولة إحداث اختراقات ميدانية، باغتتها الضربات والعمليات العسكرية المضادة، ما أدى إلى إفشال المخطط وتحقيق انتصارات ميدانية كبيرة دفعت بالرياض إلى البحث عن حماية واستجدائها من عدة أطراف إقليمية ودولية، على رأسها كيان العدو الاسرائيلي.
-
الرد اليمني يربك حسابات الرياض
الرد اليمني لم يتوقف عند حدود المواجهة الميدانية في الجبهات المختلفة، بل تجاوزها ضمن معادلة استراتيجية فرضها على الأرض: الحصار بالحصار، والتصعيد بالتصعيد، كانت هذه المعادلة ردا عملياً ومباشراً على سياسة الخنق الاقتصادي والمماطلة في الملفات الإنسانية، وقد ترجمت القوات المسلحة اليمنية هذه المعادلة عبر سلسلة من عمليات في العمق السعودي طالت الشرايين الحيوية والاقتصادية لقرن الشيطان، فشنت هجمات مركزة استهدفت المنشآت النفطية والمحطات والمستودعات التابعة لشركة أرامكو في عمق المناطق الحيوية، شملت نجران وجيزان وصولاً إلى الموانئ والمصافي النفطية في ينبع على ساحل البحر الأحمر، ما وجه ضربة مباشرة لأسواق الطاقة، ورسخ رسالة مفادها أن استمرار الحصار على موانئ اليمن يعني تعطيل الموانئ والمنشآت النفطية المقابلة.
ولم تقتصر الضربات على البعد الاقتصادي، بل استهدفت المراكز العسكرية والإدارية للعدوان، وفي مقدمتها قاعدة خالد الجوية، وحظائر الطائرات، ومربض الطائرات، ومستودعات الأسلحة في خميس مشيط، إلى جانب المواقع العسكرية في المناطق الحدودية.
وقد جاءت الصور التوضيحية والملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية لتوثق حجم الدمار والأضرار الكبيرة التي لحقت بخزانات أرامكو ومستودعاتها في نجران وجيزان، بالإضافة إلى الأضرار في خميس مشيط، لتؤكد أن معادلة الردع باتت واقعا فرضته قوة الميدان والقدرات التكنولوجية والعسكرية اليمنية المتصاعدة.
-
خاتمة
إن الانتقال المستمر في السرديات، من البحث عن شرعية مفقودة إلى تخويف العالم بالملاحة، ثم استخدام الورقة الدينية ومناورات الهدنة الفاشلة، تعكس كلها حجم العجز والارتباك السعودي، والخيبات المتوالية التي أصابت الرياض أمام إرادة وصمود الشعب اليمني. ورغم صفقات السلاح الهائلة والأموال الطائلة والتحالفات مع واشنطن ولندن، أثبتت الوقائع الميدانية أن السلاح والمال لا يمكنهما فرض واقع سياسي على شعب مؤمن متوكل على الله، يتسلح بالحق ويركب الصعب في سبيل الله، وهاهي الشواهد من الميدان تصنع المعادلة الحقيقية في النهاية.






.jpg)