مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 6 ربيع الآخر 1448هـ
تقرير / وديع العبسي
يجتهد النظام السعودي في محاولات إيجاد ثغرة تساعده في تحشيد المواقف الدولية، ورغم تعددها يصطدم في كل مرة بالفشل، لتتأكد بذلك عزلته، ووقوفه وحيداً في مواجهة حالة العجز عن الخروج من ورطة اليمن. ومع تنامي تأثير تداعيات الحصار المفروض على ملاحته من قبل القوات المسلحة اليمنية، يزداد شعوره بأن كل تلك الأموال وشراء المواقف الدولية وضخ المليارات إلى الخزينة الأمريكية، لم تسعفه من المنزلق الذي ينحدر فيه ويهز مكانته الاقتصادية، مُهدداً واقعه ومستقبله.
استعان العدو السعودي -بشكل صريح ومباشر- بأمريكا وبريطانيا، لكنه لم ينجح في تسخير أي منهما لشن عمليات ضد الشعب اليمني؛ ليذهب إلى محاولة تدويل المأزق ودفع العالم إلى تبني فكرة تشكيل تكتل دولي من أجل الملاحة في البحر الأحمر. المحاولة بدت قاصرة، بعد أن صار العالم يعي بأن ما حاولت السعودية زرعه من قناعات حول مخاطر تتهدد الملاحة بسبب سيطرة القوات اليمنية على باب المندب، تبدو متعارضة مع منهجية اليمن المشهودة في تحركاته ضد التحالف السعودي الأمريكي لاستعادة سيادته.
-
مواجهة محتدمة في أروقة مجلس الأمن
إلى جانب تأكيدات اليمن المتواصلة حول حرية الملاحة الدولية في باب المندب باستثناء ملاحة الرياض، كانت حركة المضيق تشهد فعلياً مرور السفن من مختلف الجنسيات. وفي محاولة لتسخير مجلس الأمن لدفع المجتمع الدولي لمداولة معلومات تخالف حقائق الواقع، وبالتالي تبني فكرة الخطر اليمني، انكشف محور الشر وظهر مجرداً من أي قدرة على إقناع الآخرين.
والثلاثاء، شهدت أروقة مجلس الأمن الدولي مواجهة سياسية ودبلوماسية محتدمة حول التطورات الميدانية المتسارعة في الساحل الغربي، وسيطرة القوات المسلحة الميدانية المُحكمة على جزيرة ميون الاستراتيجية وباب المندب؛ فيما كانت الرياض تكثف جهودها لتأطير المعركة بعيداً عن جوهرها المتصل بالسيادة الوطنية وحق الدفاع عن النفس، في محاولة لإعادة إنتاج خطاب التخويف القائم على "تهديد حرية الملاحة الدولية" و"ضرب سلاسل الإمداد العالمية".
لم تأتِ نتائج الجلسة في مستوى التحشيد، واقتصرت التفاصيل على تبادل وجهات النظر التي اختلفت؛ فأحبطت كيد السعودية وأمريكا وبريطانيا وفرنسا والكيان الإسرائيلي، حيث غابت الحجة الموضوعية والواقعية لتبنّي توجه عملي عدواني ضد اليمن. لم تفلح قوى الشر في فرض رؤيتها، فجاءت المواقف عمومية عائمة، وكاشفة عن واقع جديد مفاده أن أدوات التهويل السياسي لم تعد قادرة على إعادة عجلة الميدان إلى الخلف، وأن منطق الهيمنة الذي تفرضه واشنطن وحلفاؤها بات يصطدم بجدار الحقائق الجغرافية والعسكرية على الأرض.
عُقدت الجلسة إثر طرد القوات المسلحة للتحشيدات السعودية في مديريات الساحل الغربي وسيطرتها على ميون وذوباب؛ إلا أن هذا المبرر لانعقادها افتقر إلى أي سند قانوني، ففشل المجتمعون حتى في الاتفاق على وضع توصيف ينفي حق تحرك القوات المسلحة اليمنية.
-
تكتيك قديم وخلل المعايير
لم تكن محاولة تحويل ملف الساحل الغربي لليمن إلى قضية "أمن ملاحة دولي" سوى تكتيك قديم-جديد، تحاول قوى العدوان (السعودية وباقي المجموعة) استخدامه كلما انقلبت موازين القوى في الميدان. فعندما عجزت تحشيدات الرياض عن الصمود في الجبهات الساحلية، جرى التوجه السريع نحو المنصات الدولية لتمرير خطاب إعلامي ودبلوماسي سعودي يحذر العالم من "كوارث اقتصادية وانهيار للممر المائي"، في محاولة مكشوفة لاستدعاء مباشر للقوى البحرية الغربية، وتوفير غطاء دولي للتدخل العسكري.
يؤكد الخبراء -وفق التعامل السعودي الاستعلائي مع اليمن، كما أمريكا والعدو الإسرائيلي- أن هذا المحور ينظر إلى مضيق باب المندب وكأنه مساحة معزولة عن جغرافيتها السيادية؛ ويُراد -على أساس ذلك- أن يكون اليمن مجرد حارس خامل لمرور سفن الكيانات المعادية (السعودية، "الإسرائيلية"، والأمريكية) المستمرة في استهداف الشعب اليمني منذ اثني عشر عاماً، دون أن يمتلك حق الاستفادة من موقعه الجغرافي الاستراتيجي للرد على العدوان أو حماية أمنه القومي.
-
صفعة دبلوماسية لواشنطن والرياض
جاءت الدعوة لعقد الجلسة الطارئة لمجلس الأمن بتنسيق أمريكي-سعودي مكثف، عقدت من خلاله الرياض الأمل في الخروج بقرار أممي صريح يُدين التواجد العسكري للقوات المسلحة في ساحلها الغربي وجزيرة ميون، ويطالب بالانسحاب الفوري تحت عنوان "حماية السلامة البحرية"؛ غير أن الرياح الميدانية جرت بعكس ما اشتهت تلك الأطراف، إذ أظهرت مداولات المجلس تبايناً حاداً كشف حدود النفوذ الأمريكي-البريطاني داخل المنظمة الدولية؛ حيث حاولت واشنطن ولندن وحلفاؤهما التركيز التام على ملف حركة السفن ومطالبة العودة إلى ما كان عليه الوضع سابقاً، لكن المحاولة لم تكن أكثر من جُملة انقطعت صلتها بالواقع الميداني المتغير.
في المقابل، رفضت موسكو وبكين الانصياع لرغبة واشنطن في استخدام المجلس كأداة لتغطية الفشل الميداني، وأكدتا أن جذور الأزمة إنما تكمن في الصراع الإقليمي وعدم معالجة قضايا المنطقة بشكل شامل، داعيتين إلى مسار سياسي، وتجنب التصعيد العسكري. ونتيجة لذلك، خرجت الجلسة دون إصدار أي قرار أو بيان ملزم، واقتصرت المخرجات على إحاطات مقتضبة وبيانات شفهية تعبر عن القلق، ما شكل صفعة دبلوماسية للرهانات التي عُقدت على هذا التجييش.
في السياق أيضاً، اعتادت الولايات المتحدة وحلفاؤها، عند تعقُّد التفاعلات من أجل الخروج بنص أممي ناجز يخدم مصالحها وحلفائها، على الاستشهاد باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والحديث عن حق المرور العابر؛ إلا أن هذا التوظيف القانوني -وفق مراقبين- بات يواجه انتقادات جوهرية تكشف ازدواجية المعايير الدولية. تنطلق واشنطن في طرحها من أن أي تغيير في خريطة السيطرة على باب المندب يُعتبر تحدياً مباشراً لنفوذها البحري الممتد منذ عقود، بما يؤكد أنها لا تدافع عن الملاحة البحرية كمبدأ مجرد، وإنما تدافع عن هيمنتها التي تضمن حرية حركة أساطيلها وحماية حليفتها "إسرائيل".
والأصل -حسب دارسين وقانونيين، ووفق المعايير السيادية والأعراف التاريخية- أن الدول المحاذية للممرات المائية، عندما تتعرض لعدوان وحصار، يغدو من حقها الطبيعي الاحتكام إلى موقعها الجغرافي كأداة ردع وضغط سياسي وعسكري، وأن ادعاء عزلة المضايق البحرية تماماً عن تداعيات الحروب ليس إلا منطقاً تم ابتداعه لخدمة القوى الاستعمارية، وتجريد الطرف المدافع من أبرز أوراق قوته الجيوسياسية.
-
الموقف الرسمي اليمني ومعادلة الميدان
الموقف الرسمي اليمني من هذا التحرك السعودي الأمريكي في اتجاه مجلس الأمن جاء ناسفاً لمروياتهما القاصرة. تجسد ذلك بوضوح في تصريحات رئيس الوفد الوطني المفاوض، محمد عبد السلام، الذي أكد بوضوح أن العمليات والسيطرة الميدانية في البحر الأحمر وباب المندب لا تستهدف سوى السفن المرتبطة بالعدو السعودي حتى وقف العدوان ورفع الحصار، مشدداً على أن الملاحة الدولية لبقية دول العالم آمنة تماماً ولا خطر عليها، وأن التهويل الأمريكي والسعودي يسعى فقط لحماية المصالح الإسرائيلية وتدويل المنطقة.
وفي الاتجاه ذاته، جاءت تصريحات نائب وزير الخارجية لتؤكد أن السيادة اليمنية على المياه الإقليمية والمضايق الاستراتيجية حق سيادي غير قابل للمساومة، وأن محاولات مجلس الأمن لتغطية العجز الميداني عبر بيانات قلقة لن تفرض واقعاً جديداً يربك معادلة الردع، بل إن على المجتمع الدولي أن يدرك أن أمن الملاحة الحقيقي ينطلق من إيقاف العدوان واحترام سيادة الدول المشاطئة.
-
المعركة لا تُدار بـ إرهاب البيانات والتهديدات
أثبتت المستجدات في الساحل الغربي والسيطرة على جزر البحر الأحمر (مثل ميون وزقر) أن المعركة لم تعد تُدار بإرهاب البيانات والتهديدات كما اعتادت واشنطن لعقود، وإنما بمدى القدرة على الصمود وفرض التواجد الميداني. ومنذ دخول الولايات المتحدة في مواجهة مباشرة لحماية الملاحة "الإسرائيلية"، ظهرت حدود القوة البحرية الغربية؛ وتبين أن أحدث المدمرات والبارجات لا تملك حلاً جذرياً لمواجهة العمليات البحرية والمسيرات والصواريخ الساحلية. والانسحاب التدريجي أو الإخفاق في تحقيق أهداف التحالفات البحرية، مثل "حارس الازدهار" و"أسبيدس"، أكد أن القوة المفرطة لا تضمن السيطرة عندما تتسلح الأطراف المحلية بالحق الجغرافي والوطني.
أصبح واضحاً أن المتأثر الحقيقي والأكبر من سيطرة القوات المسلحة الميدانية هو محور الشر؛ فالسعودي يرى في الأمر تعقيداً لوضعه الملاحي، خصوصاً مع الإعلان اليمني الصريح عن الاستمرار في فرض الحصار عليه حتى رفع الحصار عن الشعب اليمني. والـ "إسرائيلي" (الذي يَفترض تكيف كل المنطقة وفق ما يخدم أهدافه ومصالحه) يرى في الأمر خطراً على شريانه البحري الجنوبي في ميناء "إيلات" المتوقف أصلاً منذ حصار معركة "الفتح الموعود والجهاد المقدس"، وهو ما يفسر الصراخ الدائم الصادر من "تل أبيب" وواشنطن، مقابل حالة الهدوء والترقب لدى معظم دول العالم، بما فيها الصين والدول الآسيوية، التي تدرك أن مصالحها لن تُستهدف طالما لم تنخرط في العدوان.
ولا شك في أن فشل المحاولة السعودية والغربية في استصدار قرار أممي يدين التطورات في باب المندب والساحل الغربي يعيد أطراف العدوان جميعاً إلى حجمهم الطبيعي. وقد أثبتت التجربة أن قواعد اللعبة تتشكل في الميدان، وليس في أروقة المنصات الدولية؛ فالسيطرة على جزيرة ميون وذوباب وباب المندب أصبحت واقعاً يصعب تغييره ببيانات صحفية أو جلسات مغلقة. كما أن عدم استجابة المجتمع الدولي للدعوات التهويلية السعودية الأمريكية "الإسرائيلية" يكشف أن العالم بات يتفهم أبعاد الصراع ويرفض أن يُسحب إلى مواجهة عسكرية لحماية أهداف ضيقة استعمارية استحواذية لآخرين. وأضحت حركة الملاحة في البحر الأحمر مرتهنة بإنهاء العدوان والحصار، وعلى واشنطن والرياض استيعاب أن باب المندب لم يعد ساحة مفتوحة للنفوذ الأجنبي، بل هو ممر سيادي يخضع لإرادة صاحبه الجغرافي والسياسي.






.jpg)