مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 17 ذو القعدة 1447هـ
قبل أن توقع أي دولة خليجية نفسها في مستنقع الحرب الأمريكية العدوانية على إيران، عليها أن تقف لحظة وتتأمل ما فعله الأمريكيون بكل من آمن بوعدهم، وتعاون معهم عسكرياً وسياسياً، ودفع ثمن هذه الثقة غالياً. لقد أثبت التاريخ من فيتنام إلى كردستان، ومن كوبا إلى أفغانستان، ومن العراق إلى سوريا، أن أمريكا لا تعرف الوفاء لحليف، ولا تحمي عميلاً، ولا تلتزم بضمانة، فهي تتصدر الدول التي تستخدم حلفاءها كورقة رخيصة، ثم تتخلى عنهم عند أول ريح معاكسة، أو أول تغيير في المصالح، أو أول مكالمة هاتفية من خصم إقليمي.
اليوم، دول الخليج هي الأداة الجديدة على طاولة أمريكا، تستخدم أراضيها في العدوان على إيران وتدفعها لأن تخوض حروباً بالوكالة، مقابل وعود أمنية وصفقات سلاح، لكن التاريخ الأمريكي يؤكد أن لا ثقة بوعد أتى من واشنطن.
إن استمرار أي دولة خليجية في الرهان على "الحماية الأمريكية" دون أن تعدل سياستها هو بمثابة من يشتري سلعة معيبة يعرف مقدماً أنها ستنهار. أمريكا انسحبت من الاتفاق النووي رغم التزام إيران، وانسحبت من اتفاق باريس رغم توقيعها عليه، وانسحبت من معاهدة الأجواء المفتوحة والصواريخ، فكيف إذا تعلق الأمر بـ "حليف خليجي" قد يصبح عبئاً أو قد يعرقل صفقة؟ العبرة ليست في الوعود، بل في المصائر، ومصير كل من وضع ثقته في أمريكا صفعة على الخد أمام العالم.
لذا، وقبل فوات الأوان، على دول الخليج أن تقرأ التاريخ، وأن تدرك أن الضمان الأمريكي ليس سوى غطاء مؤقت ينزع في أول عاصفة، وأن الردع الحقيقي لا يُبنى على كلمة رئيس متقلب، بل على قوة ذاتية، وتنويع للتحالفات، وعقلية لا تضع كل البيض في سلة "الشيطان الأكبر".
-
تاريخ طويل من نقض الاتفاقيات
من يتأمل تاريخ الولايات المتحدة الخارجي، يجد فصلاً بعد فصل، ومعاهدة تلو أخرى، ودماء شعب بعد شعب، تؤكد كلها أن واشنطن لا تعرف الوفاء، فمنذ أن وطأت أقدام المستوطنين البيض أراضي الهنود الحمر، وهم يوقّعون الاتفاقيات بأيديهم ثم ينكثون بكل سهولة عندما تلوح سبائك الذهب أو النفط أو الممرات المائية. لقد حوّلت الإمبريالية الأمريكية نقض العهود إلى استراتيجية ثابتة، وصاغت الازدواجية المعيارية كأداة لتدمير كل من يعتمد على كلمتها.
هذا التقرير (المستند إلى ملف التوثيق الذي أمامنا) يكشف 25 نموذجاً من خيانة الوعود الأمريكية، شملت هذه الخيانة التخلي عن الحلفاء في لحظة الحاجة، واستخدام الأقليات كورقة ضغط ثم التخلص منها، والانسحاب من أي اتفاقية دولية بمجرد أن تتعارض مع شهوة الهيمنة.
إبادة الهنود الحمر: قبل أن يرتدي الدبلوماسيون الأمريكيون بدلاتهم، كانوا يرتدون جلد البيسون ويوقعون معاهدات "إلى الأبد" مع قبائل الهنود الحمر، أكثر من 368 معاهدة –معظمها أقسم فيها المسؤولون الأمريكيون– كُسرت واحدة تلو الأخرى. ونشير هنا إلى قصة قبيلة "سيو" البشعة، حيث وعدتهم معاهدة عام 1868 بأن أراضي "بلاك هيلز" ملكهم إلى الأبد، لكن، عندما اكتُشف الذهب في السبعينيات من القرن التاسع عشر، لم تتردد الإدارة الأمريكية لحظة في انتهاك المعاهدة، وقتل من قاوم من الهنود، والاستيلاء على الأرض. وهذه الحادثة تكشف النهج الأمريكي المتأصل القائم على إبرام المعاهدات ثم انتهاكها بوقاحة، لأن القانون المرتجل على ورق لا يساوي شيئاً أمام شهوة التوسع.
كوبا 1961 الغدر الذي علم كاسترو كيف ينتصر: تُعتبر حادثة "خليج الخنازير" مثالاً دراسياً ملهماً لكل من يظن أن واشنطن ستقف إلى جانبه، فقد دربت المخابرات المركزية (CIA) قوات من المنفيين الكوبيين، ووعدتهم بالدعم الجوي الكامل للإطاحة بفيدل كاسترو، وعند لحظة الصفر، تراجع كينيدي خوفاً من "تورط أمريكي مباشر". ماذا جرى للمنفيين؟ قُتل أكثر من 1100، وأسر الباقون، وهذا كان درساً قاسياً للمرتزقة المنفيين بعدم الوثوق بالوعد الأمريكي. وإلى اليوم، يُستخدم في ميامي مصطلح "الخيانة" كصفة ملازمة للرئيس الأمريكي كينيدي.
فيتنام 1973-1975: في يناير 1973، تم توقيع اتفاقيات باريس، ونصّت على وقف إطلاق النار وانسحاب القوات الأمريكية. لكن سراً، أرسل نيكسون رسائل إلى رئيس جنوب فيتنام "نغوين فان ثيو" يعد فيها بمواصلة الدعم العسكري وباستخدام "القوة الكاملة" إذا انتهك الشمالُ الاتفاق. هنري كيسنجر نقل هذه الوعود إلى سايغون.
ولكن، بعد فضيحة ووترغيت واستقالة نيكسون، أدار الكونغرس ظهره للوعد، وعندما دخلت دبابات الشمال سايغون عام 1975، لم تتحرك واشنطن لإنقاذ مرتزقتها، وألقى الرئيس العميل ثيو خطاب استقالته الذي اتهم الولايات المتحدة بالخيانة وبكى قائلاً: "لم تفِ أمريكا بوعدها". وبعد أسابيع، سقطت سايغون وكانت النتيجة توحيد فيتنام، وآلاف الفيتناميين العملاء للأمريكيين أُرسلوا إلى معسكرات "إعادة التعليم".
اسم هذا الحدث في الكتب المدرسية الأمريكية هو "الهزيمة"، أما في ذاكرة الجنوب الفيتنامي فهو "غدر بلا حدود". ومنذ ذلك اليوم، أصبحت كلمة "وعد أميركي" كناية عن عدم الثقة.
الأكراد في العراق 1975: كيسنجر يطلق عليهم ثم يتركهم للمذبحة: في بداية السبعينيات، أبرمت واشنطن (بزعامة نيكسون وكيسنجر) صفقة سرية مع الشاه الإيراني لدعم متمردي الأكراد بقيادة "مصطفى البارزاني" ضد نظام بغداد، والهدف إضعاف العراق المتعاون مع السوفييت، ولم يكن الهدف أبداً "استقلال الأكراد"، بل مجرد ضغط وابتزاز. وفي مارس 1975، وافقت إيران والعراق على تسوية في "اتفاقية الجزائر"، وعندها، قطعت واشنطن كل دعم عنهما فوراً، تاركة الأكراد عُرضة لهجوم عراقي واسع قُتل فيه الآلاف، وفر الباقون إلى إيران وتركيا كلاجئين، وأرسل البارزاني رسالة إلى واشنطن: "نشعر بأن لدى الولايات المتحدة مسؤولية أخلاقية وسياسية تجاه شعبنا الذي التزم بسياسة بلدكم". لم تأت أي مساعدة.
تقرير لجنة بايك (الكونغرس) بعد ذلك وصف العملية بـ "الساخرة"، وأشار إلى أن المتمردين "استُخدموا كبيادق ثم تم التخلي عنهم فجأة".
نكث العهد مع روسيا وتوسيع "الناتو":
في لحظة تفكك الاتحاد السوفيتي (1990-1991)، كان السؤال مصيرياً: هل يتوسع الناتو شرقاً؟ وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر قال صراحة لغورباتشوف (وذلك في فبراير 1990) كلمته الشهيرة: "لن يتزحزح الناتو شبراً واحداً نحو الشرق". ضمانات أخرى جاءت من دولة ألمانيا الغربية، وكول، وغيرهم.
بناءً على هذه الضمانات اللفظية (الموثقة في مذكرات عدة) وافق السوفييت على توحيد ألمانيا داخل الناتو، وسحبوا جيوشهم من أوروبا الوسطى، وفي غضون سنوات قليلة انقلبت الإدارات الأمريكية على كلمتها. بدءاً من عام 1999، انضمت بولندا، المجر، والتشيك، ثم دول البلطيق، رومانيا، وبلغاريا. وبات الناتو الآن على حدود روسيا مباشرة.
ومن منظور روسيا فهذا هو أكبر خيانة سياسية بعد الحرب الباردة، وبوتين نفسه يستشهد بهذا "الوعد المنكسر" لاستنهاض الشعور القومي الروسي. أما وجهة نظر أمريكا فتقول إنها "لم توقع معاهدة ملزمة قانونياً". هذا هو التبرير الحقير الذي تستخدمه دائماً عندما تُتهم بالغدر: "لم يكن التزاماً قانونياً".
-
العصر الذهبي لنقض العهود
-
ترامب والانسحاب من الاتفاقيات:
مع وصول دونالد ترامب للسلطة، تحول نقض الالتزامات من فاصل تاريخي إلى برنامج عمل يومي:
الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني (JCPOA) 2018: رغم تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأن إيران ملتزمة، إلا أن ترامب شق الاتفاق وفرض عقوبات قاسية على إيران.
الانسحاب من معاهدة الصواريخ متوسطة المدى (INF) 2019: بدعوى أن روسيا تنتهكها انسحبت أمريكا، وأعلنت بعدها أنها ستختبر صواريخ كانت محظورة سابقاً، وانهارت واحدة من أهم اتفاقيات الحد من التسلح.
الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ 2017: كذبة "الاتفاق يضر الاقتصاد" كانت ذريعة لرفض تحمل أي مسؤولية تجاه الأرض. ثاني أكبر دولة ملوثة تنسحب بكل برود من الجهود العالمية. أوروبا صُدمت، والدول الفقيرة خسرت تمويلات المناخ.
الانسحاب من معاهدة الأجواء المفتوحة 2020: تقويض الشفافية العسكرية مع روسيا، ما أجبر روسيا لاحقاً على الانسحاب أيضاً.
وعد بفتح 66 اتفاقية دولية (2025): بعد عودته الثانية، بدأ ترامب حملة منظمة لتمزيق أي إطار متعدد الأطراف لا يخضع لإملاءات واشنطن.
هذا هو الوجه الحقيقي لأمريكا المتمثل في عدم وجود أخلاقيات عالمية، فقط مصالح أنانية. وإذا كانت الاتفاقية جيدة، توقعها؛ وإذا شعرت بأي انتقاد، تمزقها أمام الكاميرات.
-
الأفغان والأكراد ضحية "الانسحاب الجبان"
1. خيانة الأكراد في سوريا:
على مدى سنوات، حاربت "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) إلى جانب القوات الأمريكية ضد تنظيم "داعش"، وقدّموا أكثر من 11 ألف قتيل، ووعدتهم أمريكا بالحماية من هجوم تركي محتمل، وفي أكتوبر 2019، بعد مكالمة هاتفية بين ترامب وأردوغان، انسحبت القوات الأمريكية فجأة، تاركة الجيب الكردي مكشوفاً، وشن الأتراك عملية "نبع السلام"، المدنيون قُتلوا، وأكثر من 100 ألف كردي نزحوا. وفي العام الماضي ومع سيطرة المليشيات المسلحة على سوريا بدأت بتصفية حساباتها مع كل المناوئين، منهم الأكراد الذين أخضعتهم أمريكا للسلطات الجديدة رامية بكل تضحياتهم عرض الحائط بمجرد التزام السلطات الجديدة بحماية أمن الكيان الإسرائيلي.
-
2. انسحاب أفغانستان (2021):
بعد 20 عاماً من الحرب، آلاف الجنود الأمريكيين، وحلفاء أفغان (مترجمين، جنود، مسؤولين) تعاونوا مع واشنطن ووُعدوا بتأشيرات وحماية، وفي أغسطس 2021 انسحبت القوات الأمريكية بسرعة مخزية، تاركة هؤلاء العملاء يواجهون مصيرهم، ووثقت عدسات الكاميرات واحدة من أفظع صور الخذلان الأمريكي للعملاء بالرغم مما قدموه من خدمات.
هذا هو الإرث الذي تخلفه واشنطن في كل مكان، فلا صديق دائم، ولا عدو دائم، فقط مصلحة متغيرة تُسفك من أجلها الدماء ثم تُترك الأشلاء لتجف في الريح.
-
ختاما
لا وعد أمريكي يستحق الحبر الذي كُتب به، ولا ضمانة أمريكية تساوي وزن الورقة التي حملتها، فالولايات المتحدة ليست دولة تلتزم بالاتفاقيات، بل دولة تستخدم الاتفاقيات كأدوات مؤقتة لخدمة مصالحها، ثم تتخلص منها عندما تتغير الحسابات. استخدم الحلفاء ثم ارمهم، وقّع المعاهدة ثم انسحب منها، احمِ من تريد مؤقتاً، ثم تخلَّ عنهم .
في النهاية، تنكشف الأقنعة، فأمريكا هي الناقضة الكبرى للعهود، دولة بلا ضمير في علاقاتها الدولية، تستخدم الدبلوماسية كغطاء للغدر، وسيظل هذا الإرث الثقيل يلاحقها في كل عاصمة وكل قرية تعلمت -بالطريقة الأصعب- أن الوعد الأمريكي مجرد كذبة مؤجلة.






