مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 9 رمضان 1447هـ
في الوقت الذي تتلاطم فيه أمواج الفتن، وتشتد فيه وطأة الصراع بين الحق والباطل، يبقى القصص القرآني مناراً يضيء دروب المؤمنين، ويمدهم بزاد من اليقين والثبات في مواجهة التحديات.
إن الحديث عن قصة نبي الله موسى عليه السلام هو استحضار لنماذج حية من التدبير الإلهي، ورعايته لعباده المؤمنين، في أحلك الظروف وأشدها قسوة، في المحاضرة السابعة من ليالي شهر رمضان المباركة، يواصل السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي -يحفظه الله- تقديم قراءة متعمقة لهذه القصة العظيمة، مستنطقاً آياتها لتكون دليلاً عملياً للأمة في معركتها الوجودية مع طغيان أمريكا و"إسرائيل"، فما بين مشهد أم موسى التي ربط الله على قلبها بعد أن كادت تنهار تحت وطأة القلق، ومشهد أخت موسى التي أدت دورها الأمني بكل اقتدار، ومشهد امرأة فرعون التي ألهمها الله حب هذا الطفل فكانت سبباً في نجاته، نجد دروساً عظيمة في الثبات، والسرية، والتخطيط، ودور المرأة المؤمنة في مواجهة الطغيان.
-
الرعاية الإلهية للقلوب.. دروس في الثبات عند الشدائد
بعد أن نفذت أم موسى المهمة العظيمة التي كلفها الله بها، وألقت وليدها الرضيع في اليم، عادت إلى منزلها وقد غاب عنها مشهد ابنها، وأصبحت لا تدري ماذا حل به، هنا يصور لنا القرآن الكريم الحالة النفسية التي تعيشها تلك الأم المؤمنة، في قوله تعالى: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}، إنها حالة من القلق والاضطراب النفسي الشديد، بلغت ذروتها حتى كادت أن تصرخ وتفضح السر كله، لولا أن تدخلت العناية الإلهية وربطت على قلبها.
هذا المشهد يحمل في طياته دروساً عظيمة للأمة المسلمة اليوم، وهي تواجه أشرس هجمة في تاريخها. فالإنسان مهما بلغ من قوة الإيمان، يظل بشراً تتحكم فيه المشاعر، وتؤثر فيه الضغوط. ولكن الله سبحانه وتعالى، الذي وعد عباده المؤمنين بالنصر والتمكين، لا يتركهم وحدهم في خضم هذه الضغوط، بل يمدهم بعونه وتأييده، فالربط على القلوب هو تدخل إلهي مباشر ليمنح الإنسان طاقة إضافية من الصبر والثبات، تجعله قادراً على تجاوز اللحظات العصيبة التي قد تنهار فيها النفوس.
إن ما يعيشه أبناء الأمة اليوم في غزة وفلسطين، وفي كل ساحات المواجهة مع الطغيان الصهيوني الأمريكي، هو تكرار لهذا المشهد الإيماني العظيم، هناك أمهات يفقدن أبناءهن، وآباء يُقتل أطفالهم بين أيديهم، وشعوب تحاصر وتجوع، ولكن الثبات العجيب الذي نراه في الميدان، والصمود الأسطوري الذي يضرب أروع الأمثلة في التاريخ، ما هو إلا ثمرة هذا الربط الإلهي على القلوب. إنها الرعاية التي وعد الله بها الذين يستجيبون له، ويتوكلون عليه حق توكله.
-
المرأة في مواجهة الطغيان.. نماذج مشرقة من قلب القصة
تتميز قصة نبي الله موسى عليه السلام بإبراز أدوار نسائية عظيمة، كانت محورية في تحقيق الخطة الإلهية لإنقاذ النبي وتمهيد الطريق لرسالته، ففي هذه القصة نلتقي بثلاث نساء مؤمنات، كل منهن تؤدي دوراً مختلفاً، ولكنها جميعاً تتكامل في إطار المشروع الإلهي الكبير.
أما الأولى، فهي أم موسى، التي ضربت أروع مثال في التسليم لله والثقة بوعده، حين ألقت بفلذة كبدها في البحر، امتثالاً لأمر الله، وإيماناً بوعد الله أنه الله سيرده إليها سالماً، وهي في الوقت نفسه نموذج للأم التي تتحمل مسؤولياتها العظيمة، ولا تستسلم لعواطفها الجياشة، بل تظل ممسكة بزمام الأمور.
أما الثانية، فهي أخت موسى، التي قدمت لنا درساً رائعاً في الأداء الأمني الناجح، وعندما كلفتها أمها بمهمة تتبع أخبار أخيها، قالت لها: {قُصِّيهِ}، أي تتبعي أثره بحذر ودون لفت للنظر. فنفذت المهمة ببراعة، {فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}، إنها صورة مشرقة للمرأة التي تعمل في الظل، في أصعب الظروف وأخطرها، محافظة على السرية، مدركة لحساسية الموقف، تؤدي دورها الوطني والإيماني بكل اقتدار، فكانت نموذجا لكل من يعمل في ميادين العمل السري والجهاد المستتر، حيث النجاح مرهون بالصبر والحذر وعدم استفزاز العدو.
أما الثالثة، فهي امرأة فرعون، التي جعلها الله قدوة للمؤمنين، رغم أنها تعيش في قصر ألد أعداء الله. لقد ألقى الله عليها محبة هذا الطفل الرضيع، فتحركت عواطفها الإنسانية، وتشفعت له عند فرعون، قائلة: {قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} فكانت نموذجا للمرأة التي تحافظ على فطرتها السليمة، ولا تطمس هويتها الإيمانية، حتى في أحضان الطغيان.
وهي التي ستنتهي بهجران قصر فرعون، والإيمان بموسى، والثبات على هذا الإيمان حتى لاقت ربها شهيدة صابرة.
هذه النماذج الثلاثة تؤكد مكانة المرأة في مشروع الله، ودورها المحوري في مواجهة الطغيان، بعيداً عن التوظيف الاستغلالي الذي مارسته قوى الطغيان، من فرعون قديماً إلى أمريكا و"إسرائيل" اليوم، فالمرأة في المنهج الإلهي مصانة مكرمة، تؤدي دورها في إطار الأسرة والمجتمع، بحشمة وعفّة، وفي الوقت نفسه هي عنصر فاعل ومؤثر في مسار الأحداث التاريخية الكبرى.
-
التدبير الإلهي والعمل السري.. نحو فهم أعمق لخطوات النجاح
يبرز في هذه الحلقة من القصة عنصران مهمان: التدبير الإلهي العجيب، والعمل السري الدقيق، فالله سبحانه وتعالى لا يتدخل ليعطل الأسباب، بل يجري سننه من خلال الأسباب وبالوسائل البشرية، ولكن بطريقة تظهر قدرته ورعايته لعباده.
لقد أوصل الله نبيه موسى عليه السلام إلى قصر فرعون، وألقى عليه المحبة في قلوب آل فرعون، وحرَّم عليه المراضع، {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ}، أي منعه تكويناً من قبول الرضاعة من أي امرأة. وهنا نجد التدبير الإلهي العجيب: فالطفل الرضيع الذي يحتاج إلى الرضاعة ليعيش، يمتنع عن الرضاعة من أي مرضعة، مما يوقع القصر في حيرة ومشكلة، حتى تكون الفرصة مواتية لأخته للتدخل وتقديم الحل: {فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ}. وهكذا تعود أم موسى إلى ابنها، ليس بطريقة سرية تخشى فيها على حياتها، بل بطريقة رسمية وبطلب من القصر نفسه، وبحماية فرعون ورعايته، {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ}.
-
هذا المشهد يحمل رسائل للأمة في صراعها مع الطغيان الصهيوني الأمريكي:
- أولاً: أن العمل في سبيل الله يحتاج إلى صبر وثبات، وقد تمر لحظات عصيبة يظن فيها الإنسان أن كل شيء انتهى، ولكن فرج الله قريب.
- ثانياً: أن النجاح لا يأتي بالعشوائية، بل بالتخطيط الدقيق والحفاظ على السرية، كما فعلت أم موسى وأختها.
- ثالثاً: أن العدو مهما بلغت قوته، يمكن اختراقه واستدراجه لخدمة المشروع الإلهي، دون أن يشعر. ففرعون نفسه هو الذي سيحتضن موسى، وهو الذي سيوفر له الرعاية والحماية، ثم هو نفسه الذي سيلقى على يديه هلاكه.
-
ختاما
إن قصة نبي الله موسى عليه السلام مع فرعون، كما يقدمها السيد القائد في هذه المحاضرات، ليست مجرد تاريخ يُروى، بل هي مدرسة متكاملة في الإعداد والثبات والمواجهة. إنها ترسم للأمة طريقها نحو النصر، وتبشرها بأن العاقبة للمتقين، وأن وعد الله حق.
في واقعنا المعاصر، حيث يمارس الطغيان الصهيوني الأمريكي أبشع جرائمه ضد الشعب الفلسطيني، وحيث تحاصر المقدسات وتهان الحرمات، تبقى هذه القصة نوراً يهدي الخطى. إنها تعلمنا أن المراحل الصعبة تحتاج إلى صبر عظيم، وإلى ربط على القلوب، وإلى عمل دقيق يحافظ على السرية ويستثمر الفرص. وتعلمانا أن المرأة المؤمنة لها دور لا يقل عن دور الرجل في هذه المعركة، وأنها تستطيع أن تصنع التاريخ من موقعها، بحكمتها وعفّتها وإيمانها.
لقد ربط الله على قلب أم موسى، فاطمأنت وثبتت. وهو اليوم يربط على قلوب أمهات الشهداء في غزة، وأمهات الأسرى في الضفة، وأمهات المجاهدين في كل مكان. ووعد الله لا يتخلف، ونصره قريب، مهما طال الليل واشتد الظلام. وما علينا إلا أن نأخذ بالأسباب، ونثق بوعد الله، ونعمل بصبر وثبات، حتى يأتي الفرج من عند الله، وحتى تتحقق البشرى التي لا تخيب.


.jpg)



