مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 20 رمضان 1447هـ
تقرير | علي الدرواني
القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة، ولا سيما في دول الخليج المحيطة بإيران، تمثل العمود الفقري لأي تحرك عسكري أمريكي أو إسرائيلي، وبدونها تصبح فرضية الحرب مقامرة استراتيجية غير محسومة النتائج. إن هذه القواعد ليست مجرد نقاط تمركز، بل هي رئة لوجستية توفر ميزة القرب الجغرافي التي تكسر عائق المسافات الشاسعة، ما يمنح الطيران الحربي والمنظومات الصاروخية قدرة على التنفيذ والعودة في زمن قياسي، مع تقليل الاعتماد الكلي على تزويد الوقود جواً، أو حاملات الطائرات التي تظل أهدافاً ضخمة وبطيئة في الممرات المائية الضيقة. ومن هنا، فإن الجرأة على التفكير في مواجهة إيران تنبع أساساً من وجود منصات ثابتة ومحمية، توفر عمقاً دفاعياً وهجومياً لا يمكن تعويضه عبر البحار أو القارات، وبدون هذه المزايا، ستجد القوى المهاجمة نفسها أمام استنزاف تقني ومالي وبشري، يجعل من كلفة الحرب انتحاراً سياسياً وعسكرياً لا يمكن الإقدام عليه.
-
احتجاجات خليجية تتجاهل جوهر المشكلة
تتسابق عواصم خليجية إلى إرسال برقيات الاحتجاج إلى الأمم المتحدة تنديداً بالقصف الإيراني الذي يستهدف القواعد الأمريكية على أراضيها، لكنها -في هذا المسار الدبلوماسي- تتناسى عمداً الدور الخبيث والخطير الذي تلعبه هذه القواعد في إدارة وشن العدوان المباشر على إيران. إن هذه الاحتجاجات، بقدر ما تحاول تصوير تلك المنشآت كمرافق سيادية خاصة بها، إلا أنها تثير سؤالاً جوهريا لا يمكن القفز عليه، هو: لماذا تضع إيران ضرب هذه القواعد كأولوية قصوى لا تراجع عنها؟ ولماذا ترى أن تعطيل هذه المنصات هو الشرط الرئيس لكسر حلقة العدوان؟
إن الحقيقة التي تحاول برقيات الاحتجاج طمسها هي أن هذه غرف عمليات متكاملة، ومستودعات بارود وُضعت لتكون خنجراً في خاصرة الأمة؛ ومن هنا، فإن استهدافها يُعَد ضرورةً لا بد منها، تدرك إيران من خلالها أن أمريكا بلا هذه القواعد هي مجرد قوة تائهة خلف البحار، عاجزة عن الجرأة أو الفعل.
القواعد الأمريكية: غرف عمليات للعدوان وليست منشآت سيادية
تعد القواعد في دول الجوار المعادلَ الموضوعي لقوة إيران الصاروخية وطائراتها المسيرة؛ فهي تعمل كشبكة إنذار مبكر وخط دفاع أول لاعتراض التهديدات قبل وصولها إلى أهدافها البعيدة أو الحيوية. إن غياب هذه القواعد يعني تجريد الولايات المتحدة و"إسرائيل" من التفوق المعلوماتي والميداني، واضطرارها لخوض حرب من خلف البحار. وبناء عليه فإن القول بأن أمريكا ما كانت لتجرؤ على المواجهة لولا هذه القواعد هو استنتاج منطقي يفرضه الواقع العسكري؛ ما يجعل أي قرار بالحرب في ظل غياب التمركز الإقليمي قراراً يفتقر إلى أبسط مقومات النجاح العسكري المستدام.
لقد حوّلت هذه القواعد دول الجوار إلى حاملة طائرات ثابتة لا يمكن إغراقها، ووفرت للقوات الغازية عمقاً آمناً للانسحاب وإعادة التزود بالوقود والذخيرة، وهو ما أكد المؤكد عسكرياً: أن العدوان على إيران لم يكن ممكناً تقنياً أو عسكرياً دون هذا الانتشار الجغرافي الكثيف في المحيط.
-
"العديد".. مركز القيادة الجوية وإدارة مسرح العمليات
على سبيل التفصيل فإن قاعدة "العديد" في قطر، هي أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة، وتضم المقر المتقدم للقيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، ومنها تُدار وتنطلق معظم العمليات الجوية. كما يوجد فيها مركز العمليات الجوية والفضائية المشترك (CAOC) ، الذي يمنح الولايات المتحدة سيطرة كاملة على مسرح العمليات الممتد من أفغانستان إلى شمال أفريقيا. فمن خلال نظام مراقبة ميكروسكوبي دقيق للأجواء الإيرانية والخليجية، يعمل المركز على دمج سيل من البيانات الواردة من الأقمار الاصطناعية، ورادارات السفن الحربية، والمنظومات الأرضية في دول الجوار، لينسج منها صورة رادارية موحدة ولحظية. هذا الربط التقني الفائق هو ما يحول الجغرافيا المشتتة إلى شبكة رصد متكاملة قادرة على كشف أي جسم طائر بمجرد إقلاعه من العمق الإيراني.
وبدون هذا المركز ستكون القواعد والسفن والمصالح الأمريكية في المنطقة عمياء عسكرياً، ما يجعل خيار الحرب مستحيلاً تقنياً؛ لأن المخاطرة بتلقي ضربة صاروخية مفاجئة دون إنذار مبكر تعني هزيمة محققة في الساعات الأولى للمواجهة.
وبناءً على هذا التدفق المعلوماتي، يبرز المركز كحجر زاوية في استراتيجية الدفاع الصاروخي المتكامل؛ إذ يتولى تحليل مسارات الصواريخ البالستية والمسيرات في غضون ثوانٍ معدودة من رصدها، ليصدر أوامر الاعتراض الفورية لمنظومات "باتريوت" و"ثاد" والمدمرات البحرية المتمركزة في المنطقة. ولولا هذه السرعة الفائقة في التنسيق، لكانت الاستجابة لضربات الصواريخ الجوالة —التي تصل أهدافها في دقائق معدودة— بطيئة وغير مجدية، ما يجعل من المركز الدرعَ الحقيقي الذي يمتص صدمة أي هجوم صاروخي، ويحمي القواعد والمصالح الحيوية من التدمير.
ولا تتوقف أهمية "العديد" عند الرصد والدفاع، بل تتعداها لتكون المركز السيادي للقيادة والسيطرة (C2)، حيث تُدار المعارك الجوية من غرف عمليات محصنة، تضم قادة عسكريين يراقبون تحركات العدو والصديق عبر شاشات عملاقة توفر معلومات لحظية. من هنا، يتم توجيه الطائرات المقاتلة الأكثر تطوراً مثل (F-15) و(F-35) بدقة متناهية، ما يعني أن القرار العسكري بالهجوم أو المناورة ينطلق من هذا المركز، وهذا ما يؤكد أن وجود هذا الهيكل القيادي في دول الجوار هو ما يمنح واشنطن القدرة العملية على التفكير في خيار الحرب، فبدونه تصبح القوات الأمريكية مشتتة وفاقدة للقدرة على إدارة صراع عالي الكثافة مع دولة بحجم إيران.
-
الأسطول الخامس في البحرين: السيطرة البحرية على الخليج
المركز الرئيسي للقيادة البحرية وإدارة العمليات في الخليج. هذه القاعدة تمثل الوجه الأكثر فجاجة للبلطجة الأمريكية في المياه الإقليمية؛ فهي أشبه بغرفة عمليات للقرصنة الدولية. إن تمركز هذا الأسطول على بعد مرمى حجر من السواحل الإيرانية يكشف عن حقيقة الذعر لدى واشنطن والكيان الصهيوني. لقد حوّلت هذه القاعدة جغرافيا البحرين إلى "حاملة طائرات ثابتة" ومخزن للبارود، لا وظيفة لها سوى حماية تدفق النهب الاستعماري، وضمان أمن الكيان الصهيوني عبر شبكة رادارات "إيجيس" التي تعمل كدرع متقدم يتلقى الصدمات بدلاً من تل أبيب. إن هذه الجرأة الأمريكية في التهديد والوعيد هي جرأة مستعارة ومزيفة، تستند كلياً إلى احتلال الممرات المائية وارتهان أمن الشعوب، ولو رُفع هذا الغطاء البحري لوجدت الأساطيل الأمريكية نفسها تائهة في محيطات لا ترحم، عاجزة عن حماية نفسها فضلاً عن شن عدوان على دولة بحجم إيران.
-
الظفرة.. رأس الحربة في الحروب الجوية والتكنولوجية
مركز حيوي لطائرات الاستطلاع، والطائرات المقاتلة المتقدمة مثل (F-35)، وطائرات التزويد بالوقود. وتمثل رأس الحربة في ترسانة الغدر الأمريكية، فهي تدير أقذر أنواع الحروب التكنولوجية في المنطقة. ومن مدرجات هذه القاعدة تنطلق الطائرات الاستراتيجية، من طائرات (F-35) الشبحية إلى مسيرات (Global Hawk) التي لا تكف عن انتهاك السيادة واختراق الأجواء لرصد المواقع وتغذية بنك الأهداف الصهيوني بالمعلومات اللحظية. إن وجود هذا الثقل الجوي النوعي على مقربة من إيران يثبت أن أمريكا لا تستطيع خوض حرب نظيفة أو مواجهة مباشرة وجهاً لوجه، بل تعتمد على التسلل من قواعد جارة استُنزفت سيادتها لتكون منطلقاً للضربات الغادرة. إن "الظفرة" هي الدليل القاطع على أن الجرأة الأمريكية هي مجرد تفوق يتخفى في جغرافيا الآخرين؛ فبدون هذه المنصة القريبة ستفقد واشنطن قدرتها على التقديرات والقرارات، وبالتالي تنفيذ الضربات في العمق، وستتحول طائراتها الشبحية إلى مجرد قطع حديدية باهظة الثمن عاجزة عن الوصول أو المناورة، ما يكشف مجدداً أن آلة الحرب الأمريكية لا تملك قدماً لتقف عليها إذا ما انتُزعت منها هذه القواعد الوظيفية.
-
قواعد الكويت: شرايين الدعم اللوجستي للحرب
تُستخدم كمنطلقات مهمة للدعم اللوجستي والعمليات القتالية القريبة. وتعد قاعدة علي السالم الشريان اللوجستي الأخطر الذي يضمن استدامة أي هجوم بري أو جوي واسع النطاق. إن موقعها الاستراتيجي القريب من العراق وإيران يجعل منها جسرا لا غنى عنه لنقل القوات الخاصة والذخائر والمؤن في زمن قياسي، ما يوفر للعدوان الأمريكي القدرة على البقاء في الميدان لفترات طويلة. إذ تدرك واشنطن أن طائراتها وقواتها سينفد منها الوقود والذخيرة في ساعات قليلة لو اضطرت للانطلاق من قواعد بعيدة. ومن هنا، فإن قاعدة علي السالم تمكن القوات الامريكية من الاحتماء خلف خطوط إمداد قريبة ومحمية داخل أراضي الآخرين، وبدونها ستتحول أي محاولة أمريكية للتقدم إلى كابوس لوجستي ينتهي بالانسحاب أو الهزيمة الساحقة.
-
قاعدة السلطي حلقة الوصل الاستخباراتية والعسكرية
تلعب دوراً محوريا في العمليات الجوية الإقليمية، وتمركُز الطائرات المقاتلة. ولا تقل اهمية عن ما سبقاها، إذ إن هذه القاعدة شريك أساسي كحلقة وصل تقنية وعسكرية بين المنظومات الدفاعية الأمريكية والمنظومات الصهيونية، حيث يتم تبادل البيانات الاستخباراتية حول التحركات الجوية الإيرانية، ما يجعلها غرفة عمليات مشتركة غير معلنة للعدوان الجوي. وفي ذات الوقت تعمل القاعدة كخط دفاع خلفي لاعتراض الصواريخ والمسيرات الإيرانية المتجهة نحو الكيان الصهيوني، وهو نشاط برز بوضوح في التصدي للهجمات الإيرانية على الكيان.
-
قاعدة سلطان.. العمق الاستراتيجي للحرب الجوية
تُعد مركزاً استراتيجياً للدفاع الجوي والعمليات القتالية عند الحاجة، وقد أعيد إحياء هذه القاعدة لتكون منطقة الحشد الخلفية القادرة على استيعاب أسراب الطائرات ومنظومات الدفاع الجوي "باتريوت" و"ثاد" بعيداً عن المرمى المباشر والسهل للضربات والصواريخ قصيرة المدى.
إن نشاطها في العدوان على إيران يتمثل في كونها مركز ثقل لإدارة الحرب الإلكترونية وعمليات التزود بالوقود جواً، وهي المهمة التي بدونها لا يمكن للطائرات المقاتلة أن تصل إلى العمق الإيراني أو تعود منه. إن لجوء واشنطن لهذه القاعدة يكشف عن حقيقة ضعفها؛ فهي تدرك أن قواعدها الساحلية مكشوفة ومهددة بالسحق، لذا تتخذ من عمق الجزيرة العربية خندقاً للاحتماء ومنطلقاً لشن هجمات العدوان، مستغلة المساحات الشاسعة لتوفير حماية لآلتها العسكرية التي تخشى المواجهة وجهاً لوجه على خطوط التماس.
-
خيار الدول المضيفة بين السيادة والتحول إلى دروع بشرية
بناءً على ما سبق يصبح واضحاً ما الذي تريده إيران من قصف هذه القواعد بشكل متواصل، وذلك أن مفتاح كسر الغطرسة الأمريكية وإسقاط العدوان يكمن في تركيز الضربات الصاروخية على هذه القواعد تحديدا، وتحويلها إلى ركام غير قابل للاستخدام. إن إسكات مركز القيادة في العديد، وشل حركة الأسطول الخامس في المنامة، وتعطيل مدارج الظفرة وموفق السلطي وعلي السالم، يؤدي إلى تفكيك بنية العدوان من جذورها. فبمجرد خروج هذه المنصات عن الخدمة، ستجد القوات الأمريكية نفسها في حالة الضعف والشلل، حيث ستفقد القدرة على الإنذار المبكر، وتفشل طائراتها في الإقلاع أو التزود بالوقود، وتتحول بوارجها إلى أهداف معزولة في عرض البحر.
إن تعطيل هذه القواعد يعني عملياً نفي الوجود العسكري الأمريكي من المنطقة، وإجبار واشنطن والكيان الصهيوني على مواجهة واقع مرير، بحيث تدرك الدول المستضيفة أن القواعد الأمريكية ليست موجودة للدفاع عنهم، بل هي مصدات وخطوط دفاع أمامية لحماية أمن الكيان الصهيوني والمصالح الأمريكية، وإن كان ذلك على حساب أمن دول الخليج.
الاستنتاج المر هو أن الدول المعنية قد وجدت نفسها في خضم مخاطر عالية، وتحولت إلى دروع بشرية في صراع لا ناقة لها فيه ولا جمل، حيث ستكون المتضررَ الأول، وهو ما يضعها أمام خيار تاريخي: فإما الاستمرار كمنصات للعدوان وانتظار ساعة الدمار، أو استعادة جغرافيتها، وتفكيك هذه القواعد لتأمين مستقبلها.

.jpg)




