مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله
بعد ستين يوما من العدوان.. ما هي الأهداف الأمريكية في إيران؟

مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 16 ذو القعدة 1447هـ
تقرير |  علي الدرواني
تتكشف ملامح العدوان الأمريكي الإسرائيلي الأخير على إيران عن أهداف تتجاوز العناوين الأمنية المباشرة لتطال عصب الاقتصاد العالمي وسيادة الدول الإقليمية، فبينما تضغط واشنطن في كواليس المفاوضات عبر الوسيط الباكستاني لفرض قيود تدميرية تصل إلى تفكيك البرنامج النووي كليا، أو وقف التخصيب نهائيا، وتجريد إيران من ترسانتها الصاروخية متوسطة المدى، تخرج تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب لترسم البعد الحقيقي لتلك الأهداف.

إن حديث المجرم ترامب عن قدرة البحرية الأمريكية على إغلاق مضيق هرمز بإحكام وتحويل بوصلة السفن لشراء النفط من الولايات المتحدة بدلا من المنطقة، يؤكد -بنظر المراقبين- أن السيطرة المطلقة على سوق الطاقة العالمي هي واحدة من أهم أهداف واشنطن، حتى وإن كان ذلك على حساب المصالح الاستراتيجية لحلفائه في الخليج الذين يجدون أمنهم في مهب المقامرة الأمريكية.

  • عقيدة العقوبات: من منع السلاح إلى محاصرة النموذج

لا يمكن فهم الإصرار الأمريكي على تقييد البرنامج النووي الإيراني بمعزل عن الرغبة في وأد أي محاولة لبناء نموذج تنموي مستقل في المنطقة. فالبرنامج النووي -برغم أبعاده التقنية والعسكرية التي تدعيها واشنطن، وتنفيها طهران- لم يكن في جوهره إلا ذريعة لفرض سلسلة من العقوبات الاقتصادية الخانقة التي هدفت طوال العقود الماضية إلى إخضاع الإرادة السياسية قبل القدرات العسكرية.

لقد اعتمدت الاستراتيجية الأمريكية على سردية تاريخية مفادها أن الرفاه والتطور هما هِبة أمريكية تمنح فقط لمن يدور في فلكها، وأن الخروج عن هذا الفلك يعني بالضرورة الانهيار والفقر. ومن هنا تحول صمود إيران وتطورها وتقدمها خلال العقود الأربعة من الحصار إلى معضلة دعائية لواشنطن، فوصول إيران إلى مراحل متقدمة في تكنولوجيا النانو، والفضاء، والطب النووي، والسيادة العسكرية بجهود ذاتية، ينسف أسطورة التبعية كشرط للتقدم.

  • العجز عن وقف التنمية وفشل العقوبات

حين وجدت واشنطن نفسها عاجزة عن وقف عجلة التطور الإيراني رغم الضغوط القصوى، أدركت أن خطر النموذج قد تحقق بالفعل. هذا النموذج الذي صنعته العقول والإرادة الإيرانية المستقلة والمؤمنة والمخلصة، أرسل رسالة لبقية دول المنطقة أن الاعتماد على النفس وتوطين التكنولوجيا ممكن خارج عباءة الوصاية الأمريكية. ومنعاً لِفهم تلك الرسالة تستميت واشنطن في محاولات تفكيك هذا النجاح عبر العدوان العسكري بعد أن فشلت العقوبات في تحطيمه، خوفاً من أن يصبح هذا الصمود ملهما لتحولات جيوسياسية أوسع تكسر احتكار القطب الواحد لمفاتيح القوة والتنمية في منطقة غرب آسيا. ولهذا رأينا أن أهداف الغارات الأمريكية الإسرائيلية على إيران كانت البنى التحية والمصانع والمختبرات البحثية والمكتبات العلمية، أكثر من استهداف القدرات العسكرية المحصنة في أعماق الجبال وتحت الارض.

بناء على المعطيات الاقتصادية والتقارير الموثقة لعامي 2025 و2026، فإن استراتيجية الاكتفاء الذاتي في إيران تعد حجر الزاوية في مفهوم الاقتصاد المقاوم، وقد وصلت إيران في بعض القطاعات إلى مراحل متقدمة جدا.

حققت إيران نسبة اكتفاء ذاتي إجمالية في القطاع الزراعي وصلت إلى 87% بحلول نهاية 2025، حيث وصلت إيران إلى الاكتفاء الذاتي المستدام في إنتاج القمح المخصص للخبز، حيث بلغ الإنتاج في المواسم الأخيرة مستويات تغطي الحاجة المحلية، مع استيراد كميات محدودة لتعزيز المخزون الاستراتيجي أو لأغراض إنتاج المعكرونة. وفي ذات الوقت تعد إيران من أكبر عشر دول منتجة لأكثر من 15 نوعاً من الفواكه مثل الرمان، الفستق، التمور، والتفاح ، وتحقق اكتفاء ذاتيا كاملا مع فائض للتصدير. فيما تبلغ نسبة الاكتفاء في اللحوم والدواجن حوالي 90%، ووضعت الحكومة خططا للوصول إلى الاكتفاء الكامل بنسبة 100% خلال العامين القادمين عبر تطوير سلالات مواشي أكثر إنتاجية، وتوفير الأعلاف محلياً.

وفي الأعوام الأخيرة -وبفضل وفرة الغاز الطبيعي- أنتجت إيران كميات ضخمة من اليوريا والأمونيا تفي بحاجة قطاعها الزراعي، وتصدر الفائض من تلك الأسمدة للخارج.

في قطاع الأدوية تنتج إيران أكثر من 97% من احتياجاتها الدوائية محليا، بما في ذلك أدوية الأمراض المستعصية والسرطان والمضادات الحيوية. وقد وصلت نسبة إنتاج المواد الخام الداخلة في صناعة الأدوية والمنتجات الصحية إلى مستويات قياسية بأكثر من 70%، ما قلل الاعتماد على العملة الصعبة بشكل كبير.

وفي مجال التشييد والبناء احتلت إيران مراكز عالمية متقدمة في إنتاج الصلب والأسمنت، وتحقق اكتفاءً ذاتياً كاملاً يوفر احتياجات مشاريع البنية التحتية والنمو العمراني.

يرى الخبراء أن هذا التطور في الاكتفاء الذاتي هو ما جعل سياسة الضغوط القصوى تفشل في تحقيق الانهيار الاقتصادي الذي كانت تسعى له واشنطن مع تعاقب الإدارات الجمهورية والديمقراطية منذ انتصار الثورة في 1979، حيث تحول الاقتصاد من اقتصاد ريعي يعتمد على الاستيراد، إلى اقتصاد إنتاجي متنوع.

  • المفارقة النووية: التاريخ يُكذِّب واشنطن

في عام 1967، وتحت شعار الذرة من أجل السلام، كانت الولايات المتحدة هي القابلة القانونية للمشروع النووي الإيراني، حيث زودت مفاعل طهران البحثي بوقود يورانيوم عالي التخصيب وصل إلى  نسبة 93% حينها، ولم يكن التخصيب العالي يمثل تهديدا للأمن العالمي في المنظور الأمريكي، لأن النظام الإيراني "الشاهنشاهي" آنذاك كان يمثل "شرطي الخليج" الموالي للغرب وكيان "إسرائيل".

اليوم تنقلب الآية تماماً، فتسعى واشنطن بكل ثقلها الدبلوماسي والاقتصادي لفرض حظر مطلق على أي عمليات تخصيب ذاتية في إيران، مقابل وعود بتوفير وقود منخفض التخصيب للأغراض الطبية والبحثية من مصادر خارجية. هذا التحول لا يعكس حرصا على منع الانتشار النووي بقدر ما يعكس رغبة في نزع أي أداة من أدوات القوة عن نظام لم يقبل لنفسه أن يدور في الفلك الأمريكي والصهيوني.

  • أمن الخليج ورقة مقامرة أمريكية

لا تتوقف المفارقات عند الملف النووي، بل تمتد لتشمل هندسة البرنامج الصاروخي إقليميا، حيث تحاول السياسة الأمريكية فرض قيود تضمن تقليص مديات الصواريخ الإيرانية لتقتصر على قصيرة المدى فقط، وهنا تبرز الحقيقة المُرة لدول الخليج، فهذه القيود تضمن حماية العمق الصهيوني لكنها تترك دول الخليج ضمن المدى العملياتي لهذه الصواريخ، مع ضرورة الإشارة هنا إلى أن إيران تؤكد دائما أن برامجها الصاروخية هي دفاعية وليست عدائية ضد أحد من جيرانها أبدا.

إن هذه الاستراتيجية الأمريكية لا يمكن وصفها إلا بأنها مقامرة صريحة بأمن دول الخليج، حيث لا تهتم واشنطن، بل تريد إبقاء المنطقة في حالة توازن قلق تكون فيها التهديدات قائمة بما يكفي لضمان تدفق صفقات السلاح والحاجة للمظلة الأمنية الأمريكية، ولكنها مقيدة بما لا يمس أمن الحليف الاستراتيجي الأول، كيان "إسرائيل".

  • حرب الطاقة والنفوذ العالمي

في بعد آخر لا يقل أهمية، تعمل واشنطن على تقويض استقلالية قطاع الطاقة العالمي عبر فرض سيطرة أحادية على السوق العالمي، حيث تسعى لضرب عدة عصافير بحجر واحد: فمن خلال التحكم في إمدادات وأسعار الطاقة، تحكم واشنطن خناقها على الاقتصادين الروسي والصيني، ويمتد هذا الحصار ليشمل أوروبا التي باتت اليوم تحت العقاب الاقتصادي الأمريكي. ويرى مراقبون أن واشنطن قد تلجأ لرفع أسعار الطاقة كأداة ضغط وتأديب للقارة العجوز، ردا على "تعنت" الموقف الأوروبي في ملف "جرينلاند" الاستراتيجي، وانتقاماً من برود حلفائها الأوروبيين وعدم انخراطهم الفعال في دعم العدوان على إيران.

إن هذا المخطط لا يتأتى إلا بإضعاف قدرة دول الخليج على تصدير النفط، وهو ما يفسر السعي الأمريكي لجر المنطقة نحو حافة الهاوية، إذ إن إغلاق مضيق هرمز وإحكام السيطرة العسكرية عليه سيؤدي فعلياً إلى وقف شريان التصدير الخليجي، وهبوط مستويات تدفق النفط من المنطقة إلى أقل من النصف. هذا الشلل المتعمد للإمدادات الإقليمية يهدف -في جوهره لا سيما بعد السيطرة على نقط فنزويلا- إلى تحويل الطاقة إلى سلاح أمريكي حصري، يستخدم لضمان استمرار القطبية الواحدة وإخضاع الجميع -خصوماً وحلفاء- للرغبات الشيطانية الأمريكية، عبر إجبار العالم على الارتهان للمصادر البديلة التي تسيطر عليها واشنطن.

  • خاتمة

في المحصلة يتضح أن ما تشهده المنطقة اليوم هو أبعد من مجرد نزاع على تخصيب اليورانيوم أو مدى الصواريخ، حيث يصل إلى مستوى معركة كسر إرادةٍ بين مشروعين: الأول يسعى لتأبيد الهيمنة القطبية على العالم لصالح واشنطن، وتحويل المنطقة إلى مجال حيوي للنفوذ الصهيوني، والثاني يمنع هذا المشروع الخبيث من خلال إثبات أن السيادة تُنتزع ولا تُمنح، وأن التنمية الحقيقية ليست تلك التي تهبها أمريكا، بل هي التي تنبع من الداخل، وتتحصن بالاكتفاء الذاتي.

ومع فشل سلاح العقوبات في تحطيم النموذج الإيراني، وتوجه واشنطن نحو العدوان العسكري المباشر على البنى العلمية والتحتية، يظهر جليا أن الخطر الأكبر الذي يهدد المصالح الأمريكية ليس السلاح النووي الذي لا تسعى إليه إيران أصلا، بل هو الإرادة المستقلة والعقل المستنير القادر على كسر أسطورة التبعية.


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر