مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 29 ربيع الآخر 1448هـ
تقرير / وديع العبسي
تتجلى إحدى أكثر صور المكابرة والإنكار خطورة في المشهد المتأزم الراهن الذي تعيشه السعودية في استمرارها في تجاهل واقع ميداني تحولت فيه أجواؤها ومجالها الجوي إلى مسرح مفتوح للعمليات العسكرية اليمنية، وما تبع ذلك من فوضى واضطراب غير مسبوقين في حركة الملاحة الجوية والطيران المدني والتجاري. وفي تطور لافت يعكس تصاعد العمليات اليمنية ضد المطارات السعودية الحيوية ومنها مطار خالد، وجّه المتحدث العسكري باسم القوات المسلحة العميد يحيى سريع في 8 أكتوبر "تحذيراً أخيراً" لكافة شركات الطيران العالمية من مغبة استمرار تسيير رحلاتها في الأجواء السعودية، مؤكدا أن الأجواء السعودية أصبحت مسرحاً للعمليات العسكرية، ومخْلياً المسؤولية عن أي تبعات نتيجة تجاهل هذا التحذير، ومستثنياً أجواء المناطق المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة فقط.
وجاء تحذير القوات المسلحة هذا بالتزامن مع تنفيذ عمليات عسكرية واسعة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، استهدفت مطار خالد الدولي في الرياض، مطار أبها الدولي، قاعدة خميس مشيط، مواقع حيوية في عسير وجيزان ونجران، ومصفاة تابعة لشركة أرامكو في رابغ، وذلك رداً على الغارات الجوية التي طالت محافظات يمنية، وتثبيتا لمعادلة "الحصار بالحصار".
-
الرياض تغرق في مظاهر الانكشاف
هذا المشهد السعودي الاستثنائي لا يمكن أن تنفرج تفاصيله لصالح طموحات الرياض مع إصرارها على مواصلة خيارات التصعيد والحصار ضد الشعب اليمني وحرمانه من حقوقه الأساسية والمكفولة. واستمرار استهداف المدنيين وتكرار ارتكاب المجازر لم ولن يُنتج لها نفوذاً أو يحقق لها استقراراً، وإنما بات هذا السلوك يتسبب في انكشاف مباشر لأحد أهم شرايين الحركة اللوجستية والاقتصادية، محولاً مطارات سعودية رئيسية إلى مراكز اضطراب دائم تحت أنظار المجتمع الدولي ومؤسسات الرصد الملاحي.
وبهذا تجد الرياض نفسها غارقة في مظاهر الانكشاف التي تزيد من تراجع أسهمها في الذهنية الإقليمية كدولة تمتلك من الإمكانات ما يجعلها عصية على أي محاولات كسر، فهذا الوهم تبدد قبل أسابيع حين فرض اليمن عليها إجراءات معادلة "الحصار بالحصار" وما استطاعت الفكاك منه، وكلما حاولت ذلك كانت تجد نفسها تغرق أكثر في الفشل.
ها هي اليوم في مواجهة معضلة جديدة؛ فَيَدُ القوات المسلحة اليمنية لم تصل فقط إلى الرياض، وإنما أثرت أيضاً على الملاحة الجوية للسعودية ولم تُعد أجواءها آمنة للحركة، ليتكرس في هذا التطور العجز السعودي عن تثبيت صورتها الوهمية كقوة لا يجرؤ أحد على استهدافها.
-
مطار خالد أكثر المطارات اضطراباً
قبلت السعودية على نفسها هذه الوضعية البائسة حين أقحمت نفسها في معركة مع شعب يرى في التعدي المستمر عليه محاولة لإخضاعه وإجباره على القبول بالوصاية وبنهب ثرواته والتحكم بسيادته والتحكم بجغرافيته. لذلك جاء التحرك اليمني عقب استفحال حالة التعنت السعودي، وإصرار الرياض على تمرير أهدافها. ورغم تخلي القوى التي ظلت طوال تاريخها تضخ لهم الأموال والنفط، تصر السعودية على الانتحار. قد تبدو اليوم في حالة تخدير لكنها حتماً ستجد نفسها يوماً وقد تراكمت الإخفاقات وسلسلة الخسائر أمام واقع سيستحيل عليها بأي حال تغييره.
وتُظهر الأرقام حجم الاختلال التشغيلي الذي باتت تعانيه حركة الطيران السعودية في المنطقة. ووفقاً لبيانات موقع "فلايت رادار 24" (Flightradar24) المتخصص في تتبع حركة الطيران العالمي، صُنّف مطار خالد الدولي بالعاصمة الرياض كأكثر المطارات اضطراباً في حركة الطيران على المستوى الإقليمي، وقد جاء في المرتبة الثانية عالمياً من حيث حجم المشاكل التشغيلية والتأخيرات. فيما سجل المؤشر الرقمي القياسي للاضطرابات في مطار الرياض المستوى الأحمر (5.0)، وهو المستوى الأعلى الذي يعبر عن تعطل هيكلي حاد وتأثير مباشر على انتظام رحلات الوصول والمغادرة. وبحسب الأرقام ذاتها، بلغت الرحلات المتأخرة في مطار خالد الدولي -الأربعاء- 384 رحلة، وهو ما يعادل نحو 56% من إجمالي الرحلات اليومية المجدولة للمطار، وبمتوسط تأخير زمني وصل إلى 68 دقيقة للرحلة الواحدة ، فيما ارتفع عدد الرحلات الملغاة في مطار الملك خالد الدولي اليوم السبت إلى 221 رحلة، ولم تتوقف آثار هذا الارتباك عند حدود التأخير، وإنما امتدت لتشمل إلغاء عشرات الرحلات بشكل كامل، بينما وجدت العديد من الطائرات نفسها عالقة في الأجواء لمُدد طويلة قبل أن تجري عمليات تحويل مساراتها للهبوط الاضطراري في مطارات أخرى داخلية وخارجية، وفي مقدمتها مطار فهد الدولي بالدمام.
-
تداعي الثقة في أمان المسارات الجوية
هذا الانكشاف التشغيلي الموثق بالبيانات لم يعد ممكناً احتواؤه أو التعمية عليه؛ إذ تناولت وسائل إعلام ومجلات عالمية متخصصة تفاصيل هذا المشهد، حيث أفادت مجلة "كوندي ناست ترافيلر" (Condé Nast Traveler) الأمريكية المتخصصة في السفر والسياحة بوجود تأخيرات واسعة وإلغاءات في حركة الرحلات الجوية بين الرياض والعواصم الخليجية، وربطت بشكل مباشر بين هذه الاضطرابات والضربات الصاروخية والهجمات المنطلقة من اليمن وتأثيرها على المجال الجوي السعودي.
وأوضحت المجلة أن شركات مثل "فلاي دبي" واجهت إلغاءات للرحلات المتجهة إلى أبها، إلى جانب تحويل رحلات أخرى نحو الدمام. وفي السياق ذاته، انعكس الحظر الجوي المعلن على حركة شركات الطيران الدولية التي بدأت في اتخاذ إجراءات احترازية مباشرة؛ حيث أعلنت شركات عالمية مثل "كي إل إم" (KLM) الهولندية تعليق رحلاتها إلى الرياض والدمام، ليصعد عدد الشركات الدولية التي أوقفت أو عدلت رحلاتها إلى ما يقارب الـ15 شركة طيران، في مؤشر واضح على تداعي الثقة في أمان المسارات الجوية.
هذه المعطيات الرقمية والتشغيلية الميدانية لا شك بأنها تفرض واقعاً يتجاوز قدرة السعودية على إدارة الأزمة بالأساليب التقليدية أو الصمت الإعلامي، وتضع بيئة الطيران والنقل الجوي أمام أزمة حقيقية تتصاعد كلفتها الاقتصادية والسياسية يوماً بعد يوم.
وفي تطور يعكس خطورة الوضع الأمني، أصدرت سفارات أجنبية في السعودية ، السبت، تحذيرات لرعاياها، دعتهم فيها إلى الابتعاد عن المطار وتجنب السفر إليه حتى إشعار آخر.
ونقلت وكالة "فرانس برس" أن سفارات كندا وألمانيا وإسبانيا دعت مواطنيها إلى الابتعاد عن مطار الملك خالد الدولي عقب الهجوم، فيما أوصت السفارة الأمريكية رعاياها بتجنب المطار والمناطق المحيطة به، ودعت السفارة البريطانية مواطنيها إلى الابتعاد عنه عقب ما قالت إنها واقعة خطيرة.
وفي السياق ذاته، أظهرت بيانات مواقع تتبع حركة الطيران توقف حركة الملاحة الجوية في مطار الرياض، مع تغيير مسارات الطائرات المتجهة إليه وتحويل عدد من الرحلات إلى مطارات أخرى، وسط اضطرابات طالت مطارات سعودية أخرى، بينها مطارا الدمام وأبها.
كما أعلنت الخطوط الجوية الكويتية إلغاء رحلتين من الرياض وإليها، بسبب إغلاق المطار نتيجة الأوضاع الأمنية، فيما أفادت تقارير ملاحية بتحويل رحلات أخرى إلى مطارات بديلة، في ظل اتساع نطاق الاضطرابات التي أصابت حركة الطيران.
-
الشلل الملاحي يضرب الصورة الاستثمارية
وتبعاً لذلك تتجاوز تأثيرات الشلل الملاحي حدود التعطيل التشغيلي اليومي في المطارات لتضرب في الصورة الاستثمارية والاستراتيجية التي تسعى الرياض إلى ترسيخها دولياً. فالاقتصاد الحديث والخطط التنموية الطموحة لا يمكن لهما الازدهار في ظل بيئة أمنية غير مستقرة وبنية تحتية معرّضة للانكشاف المستمر. وتكشف حالة الفوضى التي شهدتها الأجواء السعودية كيف أن محاولات الالتفاف على الاستحقاقات السياسية والإنسانية الشاملة عبر التكتم الإعلامي أو التسكين الميداني لم تعد مجدية أمام حجم الانعكاسات المباشرة على حركة المال والتجارة والسياحة.
على الصعيد الدفاعي والأمني، تكشف هذه التطورات عن هشاشة القدرات الدفاعية والخيارات التحالفية المعقّدة، إذ تستهلك السعودية جهدها بصورة عبثية تشير إلى ضعف الاستفادة من التجارب. وقد أظهرت قراءة لموقع "ناتسيف نت" العبري للحدث اتجاه الرياض نحو تعزيز مجالات التنسيق الأمني والاستخباري مع أطراف إقليمية ودولية كباكستان وتركيا والعدو الإسرائيلي، لمواجهة التهديدات الملازمة لحركة المسيرات والصواريخ الباليستية. إلا أن هذه الترتيبات لم تنجح في منع تحويل الأجواء إلى منطقة مخاطر مرتفعة بشهادة شركات الطيران العالمية ومؤسسات التقييم الملاحي.
أما البعد الأكثر خطورة في هذه المعادلة فيكمن في التكلفة الاقتصادية المترتبة على ارتفاع كلفة المخاطر؛ إذ إن اضطراب الجدول الزمني للرحلات، وإلغاء الملاحة الدولية، وتغيير المسارات الجوية، تؤدي جميعها إلى زيادة مطردة في أقساط التأمين، وفرض أعباء إضافية على شركات النقل والخدمات اللوجستية. وهذه الضغوط المالية والتأمين المباشر تؤثر سلباً على طموحات جعل الرياض مراكز ترانزيت إقليمية ودولية، وتضع المراهنة على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة أمام تحديات حقيقية يتعلق أهمها بضمان السلامة والأمان.
-
جادون في صناعة التحول
وإعلامياً، أحدثت هذه الاضطرابات شرخاً كبيراً في السردية التي جرى الترويج لها سنواتٍ حول الامتلاك المطلق لتقنيات السيطرة وعزل الشرايين الاقتصادية عن تبعات الحرب. وواجهت الرواية الرسمية للرياض صعوبة بالغة في إقناع المؤسسات المالية وشركات التأمين الدولية بأن ما يجري لا يتعدى "أعطالاً فنية" أو "إرباكاً تشغيلياً عابراً"، ولا سيما بعد أن أصبحت البيانات الملاحية متاحة للعلن أولاً بأول عبر منصات التتبع والمجلات المتخصصة. هكذا نجحت العمليات اليمنية في جعل السعودية تستعير المبررات التي يمكن أن تعلق عليها أسباب هذا الواقع الذي تعيشه من انسحاق للحضور وتلاشٍ للسمعة أمام الآخرين. وقد يتصاعد ذلك أكثر مع حالة الإصرار والثبات لموقف اليمنيين.
اليمنيون اليوم، وبعد أن خسروا الكثير لم يعد أمامهم إلا الانتصار، وهُم حين يرفعون راية الجهاد حتى الاستشهاد، فإنهم لا يزايدون أو يطمعون بكسب شهرة، وإنما جادون في صناعة التحول لبلادهم وواقعهم بعد عقود من القيود والمنع عن التطلع كباقي شعوب العالم لوطن مستقل حديث بكامل السيادة وينعم بكل مظاهر التطور.
في المحصلة، تؤكد معطيات الواقع المتصاعد أن الأمن والاستقرار الاقتصادي في السعودية يتناقضان تماماً مع استمرار حربها وحصارها على اليمن. فإبقاء المنافذ اليمنية مغلقة والأجواء محظورة إنما يرتد مباشرة على أمن أجوائها وحركة طيرانها؛ والشلل الذي ينتاب الملاحة السعودية ليس سوى رسالة ميدانية جليّة مفادها أن استعادة الموثوقية والأمان تتطلب قراراً سياسياً شجاعاً ينهي الحرب ويرفع الحصار الكلي عن كافة المنافذ اليمنية، ويعترف بالحقوق السيادية والإنسانية للشعب اليمني.
ودون هذه الخطوات المفصلية، ستظل الترتيبات الأمنية والتحالفات الخارجية عاجزة عن توفير الحماية المرجوّة، ليبقى الاستقرار الإقليمي رهيناً لمعادلات الميدان الذي أثبت فيه اليمن تفوقاً ملحوظاً عجزت عن كسره ما تسمى بالقوة العظمى أمريكا.






