مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله

عبدالمؤمن محمد جحاف
تتجاوز المحاضرة الرمضانية الرابعة عشرة لسماحة السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي "يحفظه الله" حدود السرد القرآني لقصة نبي الله موسى عليه السلام، لتقدّم قراءة تحليلية عميقة في سنن الصراع بين الاستكبار والاستضعاف، وتكشف كيف تتحول حادثة فردية إلى محطة مفصلية في مسار أُمَّـة بأكملها.

 

الخوف الواعي.. لا التراجع

ينطلق الحديث من قوله تعالى: ﴿ فَأصبح فِي الْـمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ﴾

لم يكن خوف موسى خوف الجبان، بل خوف القائد المسؤول الذي يدرك حساسية اللحظة.

القتل الذي وقع لم يكن حدثًا عابرًا، بل مسّ هيبة الفئة المستكبرة التي صنعت واقعًا من الرعب، حتى غدا المستضعفون فيه عاجزين عن مُجَـرّد الاعتراض، فضلًا عن المقاومة.

كان المستكبرون قد رسخوا معادلة قاسية: لا يُسمح للمستضعف بأي رد فعل، حتى وإن ذُبح أبناؤه أمام عينيه.

حالة من الاستضعاف المصحوب باستسلام تام.

لكن موسى عليه السلام كسر هذه المعادلة، ولهذا أصبحت حركته حساسة جِـدًّا في حسابات الطغاة.

حين يُقتل المستضعف.. خبر عابر

تتبدى المفارقة التي أشار إليها السيد القائد في واقعنا المعاصر.

في فلسطين، وفي غيرها من ساحات الظلم، يتحول قتل المظلومين إلى خبر روتيني.

 

تتناوله وسائل الإعلام ببرودٍ اعتيادي.

لكن إذَا قُتل جندي من معسكر الطغيان، يُقدَّم الحدث بوصفه كارثة تهزّ العالم.

إنها نفس المعادلة الفرعونية، لكن بأدوات إعلامية واستخباراتية أكثر تطورًا.

الطغاة في زمن موسى كان لهم جهازهم الأمني الحاضر بقوة، أما اليوم فترسانة الدعاية أوسع وأخطر، قادرة على إعادة تشكيل وعي الضحية نفسها.

تهور المستضعف.. خطر من الداخل

المشهد التالي يكشف بُعدًا آخر في إدارة الصراع:

﴿ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ ﴾

 

الاستغاثة هذه المرة أشد.

لكن رد موسى كان مختلفًا: ﴿ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ﴾ إنه توبيخ صريح.

لماذا؟ لأن التصرف الفردي المتهور، وإن بدا دفاعًا عن حق، قد يُربك مسار قضية أكبر.

موسى لم يكن يتحَرّك بدافع عاطفي لحظي، بل ضمن رؤية مرحلية ووحيٍ إلهي يراعي الأولويات.

هنا يبرز درس بالغ الأهميّة: ليست كُـلّ حماسة صالحة، ولا كُـلّ اندفاع يخدم القضية.

أحيانًا يتحول التهور إلى عبء، ويصبح تصعيد غير محسوب سببًا في إرباك خطط أكثر حكمة وأعمق أثرًا.

هذا النمط يتكرّر في كُـلّ عصر؛ أفراد يتحَرّكون وفق حسابات شخصية، يجعلون من مشكلاتهم الفردية قضايا كبرى، دون وعي بميزان المرحلة ومتطلبات المشروع العام.

 

الدعاية.. سلاح الطغاة الأخطر

حين همّ موسى أن يبطش بالمستكبر دفاعًا عن المظلوم، بادر المعتدي بالهجوم الإعلامي: ﴿ أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ ﴾

المفارقة أن المتهم هنا هو المجرم ذاته.

لكنه استثمر الحادثة السابقة ليصنع رواية مضادة.

اتهم موسى بالتجبر والتسلط: ﴿ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأرض ﴾

إنها الاستراتيجية القديمة ذاتها: الطاغية يتهم المصلح بما يمارسه هو يوميًّا من قتل واستكبار.

يشوّه صورة المنقذ، ويُلبس الضحية ثوب الجلاد.

قوم فرعون أطلقوا حملة تشويه متزامنة، شككوا في نوايا موسى، وحاولوا تحويل حادثة غير مقصودة إلى دليل إدانة شامل.

واليوم، تتكرّر المشاهد بأدوات أعقد؛ منصات إعلامية، جيوش إلكترونية، سرديات مصممة لإرباك الوعي العام.

 

أخطر ما في المشهد.. استجابة المستضعف

الأخطر من دعاية العدوّ، هو تفاعل بعض المستضعفين معها.

حين ينجح الطغيان في جعل الضحية تبرّر جريمة الجلاد، يكون قد حقّق اختراقا عميقًا في معركة الوعي.

الجرائم تُبرّر، والضحايا يُلامون، والمقاوم يُتهم بالتطرف.

هذه ليست صدفة تاريخية، بل سُنّة صراع تتكرّر ما لم يُبنَ وعيٌ راسخ يميّز بين الانفعال اللحظي والموقف الاستراتيجي.

 

وعي المرحلة قبل رد الفعل

تكشف المحاضرة أن الصراع ليس مُجَـرّد مواجهة قوة بقوة، بل إدارة دقيقة لأولويات، وضبط للتصرفات، وحماية للوعي من التشويه.

موسى عليه السلام لم يكن خائفًا على نفسه بقدر ما كان واعيًا لحجم المواجهة.

وبّخ المتهور، وتجنب الفخ الدعائي، وتحَرّك بميزان الإصلاح لا بردة الفعل.

إنها رسالة واضحة: في زمن الاستضعاف، لا يكفي أن يكون الموقف حقًا؛ بل يجب أن يكون محسوبًا، منضبطًا، منسجمًا مع مشروع أُمَّـة لا مع انفعال فرد.


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر