عدنان علي الكبسي
قادم علينا شهر ربيع الأول، والذي فيه ذكرى عظيمة ومناسبة مجيدة، فيه أعظم مناسبة، والتي سيتم الاحتفال بها تعظيمًا، وتوقيرًا، وإعزازًا، ومحبةً؛ لأزكى، وأسمى، وأعظم، وأكمل، وأرقى إنسان في كل تاريخ البشرية، ذكرى مناسبة المولد النبوي الشريف.
تأتي هذه الذكرى العظيمة والمهمة، وأمتنا الإسلامية تشهد مخاضًا كبيرًا وعسيرًا في خضم كثيرٍ من الأحداث، والحروب، والفتن، والصراعات، والمشاكل، أمة متفرقة، ولا تزال عملية التفريق والتجزئة والبعثرة مستمرة، وتلقى ساحةً قابلةً ومهيأةً، فينجر، وللأسف، الكثير من المحسوبين على الأمة بكل بساطة إلى تلك العناوين التي تُسوَّق، وتُشغَّل، وتُفعَّل لتفرقة الأمة وتقطيع أوصالها، وإثارة العداوة والبغضاء بين أوساط الأمة.
أُهينت الأمة، واستُبيحت دماؤها، وأُهدرت كرامتها، واقع سيئ ومزرٍ، أمة حكمها سفهاؤها وأشرارها، وهيمن عليها أعداؤها، وحتى علماؤها سعوا إلى توسعة جرح الأمة الغائر والنازف على مدى عقودٍ من الزمن.
أصبحت البشرية تئن وترزح تحت ظلم الظالمين، وتحت وطأة جبروت الاستكبار العالمي، وتعاني من تفاقم مشاكلها يومًا إثر يوم، ومن الواضح أن العالم والواقع البشري، تحت السيطرة الأمريكية والهيمنة الصهيونية، يئن ويصرخ من أزماته ومعاناته.
أطفال غزَّة يموتون جوعًا وقصفًا، وتُباد عائلاتٌ بأكملها، وللأسف يتجه تركيز بعض الأنظمة العربية، والبعض من الأنظمة في العالم الإسلامي، إلى الضغوط واللوم على المقاومة في غزَّة، بهدف أن تقبل بنزع سلاحها، والذي هو في الواقع سلاح خفيف، وأشبه ما يكون بالسلاح الشخصي، ومحدود جدًا، ليتمكَّن العدو الإسرائيلي من السيطرة الكاملة دون أي عائق.
والشيء المؤسف: حينما تتحوَّل اهتمامات الكثير من الأنظمة العربية، والبعض من الأنظمة في العالم الإسلامي، إلى خدمة الأمريكي والإسرائيلي، وممارسة الضغوط، والحملات الإعلامية المنظَّمة والممنهجة، التي تهدف إلى تشويه الإخوة المجاهدين في فلسطين، بل وممارسة كل أشكال الضغوط عليهم.
اثنا عشر عامًا وجار السوء، النظام السعودي، يحرم الشعب اليمني من ثروته السيادية، ويعذبه بشكل كبير بالمعاناة والحصار الشديد الخانق، ويلعب مع الأمريكي والبريطاني والإسرائيلي دورًا في تشديد الحصار على هذا الشعب، ثم هو يسعى إلى التصعيد الشامل في موقفه الباطل والظالم، المعتدي الغشوم، مصرًا على حصار وتجويع الشعب، وحرمانه من ثروته النفطية والغازية، ومن عائداتها المالية، يريد للشعب أن يبقى متضوِّرًا جوعًا، وأن يعيش البؤس والحرمان في كل منزل، وأن تعاني كل أسرة، خدمةً للصهيونية، وخدمةً للأمريكي والإسرائيلي والبريطاني.
أمام هذه المرحلة المظلمة، وهذا الواقع المظلم والمأساوي، وهذه الأحداث الجسام التي ألمَّت بهذه المنطقة وبشعوبها، أين هو الحل؟ وأين هو المخرج؟
إننا اليوم نتطلع إلى هذه الذكرى، ذكرى المولد النبوي الشريف، لنرى فيها كل الدروس، وكل العِبَر التي نحتاج إليها، نحتاج إليها نورًا، وبصيرةً، ووعيًا، ومشروعًا واقعيًا عمليًا يقود أمتنا إلى الخلاص والنجاة، يقود أمتنا إلى الفرج، يقود أمتنا إلى التغيير من الواقع السيئ الرديء إلى الواقع المنشود، الذي يمثل الخير، ويمثل العز لهذه الأمة.
إننا نرى في هذه المناسبة العزيزة نافذةً للضوء، إننا نرى فيها أفقًا للخلاص، إننا نرى فيها نورًا يبعث على الأمل، ويُنير الدرب، ويفسح المجال، ويضيء الطريق للجميع.
نستحضر رسول الله محمدًا، صلوات الله عليه وعلى آله، اليوم وفي هذه المناسبة، أملًا لخلاص البشرية، كل البشرية، من كل ما تعانيه نتيجة هيمنة وطغيان قوى الاستكبار والطاغوت، التي ملأت العالم كله بشرها، وفسادها، وإجرامها، وطغيانها، وسوئها، وقبحها.
ستكون هذه المناسبة، بإذن الله، بالنسبة لنا بداية الانطلاقة المستمرة، وبكل شغف، وعهدنا لمقام رسول الله المعظم بالسير على خطاه، والاقتداء به، والتحرك وفق منهجيته الراقية.
سنحتفل بمولد الرسول الأعظم تعظيمًا، وتمجيدًا، وتقديسًا، وإجلالًا، وإكبارًا لرسول الله محمد، خير خلق الله، سنحتفل بمولد النبي الأكرم تقديرًا وتعظيمًا لفضل الله علينا، وشكرًا لنعمة الرسالة الإلهية، ورعايةً لرحمة الله، وتعبدًا لأنفسنا لله في الامتثال بأوامره.
سيحتفل أهل الإيمان والحكمة، وسيحتشدون إلى ساحات الاحتفال رغم الجراح والآهات، ورغم الحصار الاقتصادي عليهم، سيحتفل الأنصار وإن تضوروا جوعًا نتيجة الحصار الخانق عليهم.
سيحتفل اليمانيون بمولد الرسول الأعظم مضرجين بدمائهم، ضامرةً بطونهم، قائلين: (لبيك يا رسول الله)، فنحن أنصارك، ونحن رجالك في الجاهلية الأخرى، كما كان آباؤنا أنصارك ورجالك في الجاهلية الأولى.
عذرًا يا رسول الله، إن الأعراب سفكوا دماءنا، ودمروا بلادنا، وحاصرونا أشد الحصار، كما حاصروك في شِعب أبي طالب خدمةً للأمريكي والإسرائيلي، ولكننا، يا رسول الله، لن نعتذر عن قتالهم، ولن نكون إلا كما كنت، مجاهدين مقاتلين للكفار وأدواتهم المنافقين، ولن نختار إلا منهجيتك العظمى.






