بشار الشعلاني
تُثبِتُ المنعطفاتُ الكبرى للأُمَّـة أنَّ الفجوةَ بينَ الثباتِ الميداني والسقوطِ في مستنقعِ التبعيةِ ليست مُجَـرّد تفاوتٍ في الإمْكَاناتِ المادية، إنما هي نتاجٌ مباشرٌ لخللٍ بنيوي في منظومةِ الوعيِ والعقيدة.
إنَّ ما يشهده الواقعُ المعاصرُ من تهافتِ قوىً وتياراتٍ في مستنقعِ الارتهان للمشروعِ الصهيوني الأمريكي، لا يُمكنُ قراءتُهُ بمعزلٍ عن "الجهلِ بالله" والتقصيرِ في تمجيدِهِ وتنزيهِهِ سبحانه، وهو الجهلُ الذي يُحوّلُ القوةَ الاستكباريةَ في وعيِ البعضِ إلى "قَدَرٍ" لا يُرد.
الربطُ بين الجانبِ الإيماني والموقف السياسي يمثلُ جوهرَ المعركةِ الراهنة؛ فالسقوطُ في "الشَّرَكِ العملي" يبدأُ حينَ يغيبُ استشعار عظمةِ الخالق، ليحلَّ محلَّها تعظيمُ المخلوقِ المستكبر.
وعندما يغدو "الطاغوتُ" في وعيِ البعضِ مصدرَ القوةِ أَو مانحَ الشرعية، تسقطُ المواقفُ في فخِّ الرهبةِ من رموزِ الاستكبار العالمي بدلًا من خشيةِ الله.
هذا الانحراف العقدي هو الذي يفسرُ المسارعةَ المخزيةَ لبعضِ القوى لتقديمِ صكوكِ الولاء تحتَ مسمياتِ "الإدانة" لأحداثٍ تخصُّ أقطابَ الإجرام، في مقابلِ الصمتِ المطبقِ تجاهَ دماءِ قادةِ المقاومةِ وأطفال الأُمَّــة.
إنَّ الحلَّ الجذري لمواجهةِ آفاتِ الخيانةِ والارتهان يكمنُ في إحياءِ ثقافةِ "تمجيدِ الله"؛ ذلك التمجيدُ الذي يملأُ القلبَ بعظمةِ الجبار، فيجعلُ أمريكا وكَيان الاحتلال وكلَّ طواغيتِ الأرض يصغرونَ في الأعينِ حتى يتلاشوا.
فالمعيارُ الحقيقي للإيمانِ ليس بالطقوسِ الظاهرية، إنما بصدقِ الموقفِ العملي، وأداء الأمانة للأُمَّـة، والتحَرّك لمواجهةِ أعدائها.
إنَّ مَن ضيَّعَ تمجيدَ الله، سيُمجِّدْ حتمًا أعداءهُ، ومَن لم يخشَ الله، سيسقطْ خائنًا تحتَ أقدامِ عَبَدَةِ الطاغوت.
إنَّ الأُمَّــة اليومَ بحاجةٍ إلى استعادة بُوصلتِها من خلالِ تعظيمِ القويِّ العزيز، وتحويلِ هذا التعظيمِ إلى فعلٍ مقاوِمٍ يرفضُ التبعيةَ ويكسرُ قيودَ الهيمنة.
فالعزةُ لا تُنالُ بالتوسلِ لقتلَةِ الأطفال أَو استرضاءِ رموزِ الاستكبار، إنما بالثباتِ على مقتضياتِ التوحيدِ الذي يجعلُ المؤمنَ يرى بُطلانَ القوةِ الماديةِ أمامَ الحقِّ الإلهي.
إنَّ مسارَ النهوضِ يبدأُ حينَ تتحرّر النفوسُ من سجنِ الخوفِ المادي، لتنطلقَ في رحابِ العزةِ الإيمانيةِ التي لا تقبلُ المساومةَ أَو الهوان.

.png)
.png)




.png)