يحيى صالح الحَمامي
يمتلك محورُ المقاومة سرًّا إلهيًّا وعمليًّا للتعافي؛ فبالرغم من حجم الخسائر التي تلحق به في العتاد والعدة، واستهداف قياداته العليا، إلا أنه سَرعانَ ما ينهض من جديد، أقوى وأشد باسًا، لمواجهة قوى الاستكبار العالمية وأدواتها في الأرض.
في المقابل، رأينا جيوشًا وأنظمةً تمتلك أعتى الترسانات العسكرية والقدرات المالية تنهار وتنكسر عند أول ضربة توجّـهها إليها القوى الغربية.
فما هو السر وراء هذا التباين؟ هل هي مُجَـرّد عزيمة بشرية، أم أنها الثقة المطلقة بالله؟
إن الثقةَ بالله هي العُروة الوثقى التي لا انفصام لها؛ ولو كان اعتماد محور المقاومة على موازين القوى الأرضية والمادية لما انتصر يومًا على قوى الشر، ولكن قوة الله هي الغالبة فوق كُـلّ قوة.
اليمن.. من الانطلاق بالشهيد القائد إلى معجزة الصواريخ والمسيرات
حين وصل الأعداء إلى رأس هرم القيادة في مختلف جبهات المحور، من اليمن إلى غزة ولبنان وإيران، ظنوا واهمين أنهم يكتبون نهاية المقاومة.
لكن العمل الخالص لله والجهاد في سبيله لا يضيع؛ ولو كانت هذه المعركة لأهداف سياسية ضيقة لما تعافت الجبهات بهذه السرعة الخارقة.
ولنا في اليمن عبرة وعظة؛ فحين استشهد السيد القائد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه)، كانت قدرات المجاهدين آنذاك لا تتعدى أسلحة المشاة البسيطة.
من رحم تلك المأساة، نهض قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي (يحفظه الله) ليتحمل مسؤولية مشروع المسيرة القرآنية، قائدًا حيدريًّا بسيطًا وصادقًا، تلقى علومَه في مدرسة محمدية بحتة، واتخذ من القرآن خارطةَ طريق.
وها نحن اليوم نرى صدق مواقفه وحصافة خطاباته التي تخلو من أية هفوة، وكيف ترجمت الصواريخ والمسيرات اليمانية شعار الصرخة موقفًا عمليًّا يدك عمق فلسطين المحتلّة بقوة الله.
غزة ولبنان.. دماء القادة وقودٌ لكسر هيبة كِيان الاحتلال
وفي غزة الصامدة، لم يوهن استشهاد القائد المجاهد البطل يحيى السنوار من عزم المقاتلين في خنادق القتال؛ بل استمر الصمود الأُسطوري حتى أُجبر العدوّ الصهيوني على الخضوع لشروط المقاومة في ملف التبادل، والعودة صاغرًا إلى طاولة المفاوضات بعد عامين من الحرب والحصار دون أن يحقّق هدفًا واحدًا من أهدافه المعلنة.
أما حزب الله في لبنان، فقد تعافى بقوة الله من الجرح العميق الذي خلفه استشهاد أسد الشهداء السيد حسن نصر الله (رضوان الله عليه).
وظهر الحزب ببنية عسكرية برية وجوية وصاروخية قاصمة لظهر جيش الاحتلال؛ وما مشاهد الطائرات المسيرة الانقضاضية والرامية للقنابل وهي تلاحق الضباط في ثكناتهم وتطارد آلياتهم إلا دليل على الرعب والانهيار الأخلاقي والعسكري الذي يعيشه كِيان الاحتلال.
إيران.. صلابةُ الموقفِ وعجزُ التهديدات الأمريكيةِ
وفي الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ورغم الضربات الجوية الاستخباراتية الغادرة لقوى الاستكبار والتي تجرأت على استهداف رموز القيادة العليا والدفاعات الجوية والمنشآت الحيوية، لم تتخلخل الجبهة الداخلية ولم تتراجع القوة الصاروخية.
لقد بدا التعافي الإيراني سريعًا وحاسمًا، وتجلى ذلك في تراجع نبرة "ترامب" وإعلانه وقف العمليات العسكرية ضد إيران؛ وهو تراجع لم يأتِ بطلب أَو وساطة من دول الخليج، بل جاء بناءً على تحذيرات استخباراتية صارمة تلقاها الكونغرس الأمريكي تؤكّـد تعافي الدفاعات الجوية الإيرانية وقدرتها الفائقة على إسقاط أحدث الطائرات الأمريكية والصهيونية.
إنها السنن الإلهية التي لا تتخلف، ووعد الله القائل في كتابه الكريم: ((وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرض وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلُهُمُ الْوَارِثِينَ)) [القصص: 5].
هذا هو سر المحور؛ قادة يستشهدون، ورايات ترتفع، وقوة تولد من قلب المعاناة لتصنع فجر الحرية للأُمَّـة بأكملها.







