نبيل الجمل
في السادس والعشرين من مارس عام 2015، استيقظت اليمن على دوي عدوان وتحالف عربي وغربي لم تكن مُجَـرّد غارات جوية عابرة، بل كانت إعلانا عن مرحلة تاريخية ستغير وجه المنطقة لعقود قادمة.
ومع مرور أحد عشر عامًا على انطلاق ما عُرف بعمليات "عاصفة الحزم"، تحول هذا التاريخ في الوجدان اليمني من ذكرى لبدء حرب شاملة شنتها قوى دولية وإقليمية، إلى "يوم وطني للصمود" يجسد ملحمة إنسانية وعسكرية نادرة في التاريخ الحديث.
بدأت الحكاية بتحالف عسكري ضخم، مدعوم بأحدث ترسانات الأسلحة الغربية والغطاء السياسي الدولي، واضعًا نصب عينيه حسم المعركة خلال أسابيع قليلة، إلا أن الحسابات العسكرية اصطدمت بصخرة الهُوية اليمنية والروح القتالية التي لا تلين.
على امتداد هذه السنوات، خاض الجيش اليمني واللجان الشعبيّة معارك تجاوزت في تكتيكاتها كليات العلوم العسكرية، حَيثُ واجه المقاتل اليمني بإمْكَانياته البسيطة في البداية أحدث أسلحة الجيل الخامس.
ومع مرور الوقت، انتقل اليمن من مرحلة الدفاع وامتصاص الصدمة إلى مرحلة الردع الاستراتيجي، فاستحالت الجبال اليمنية حصونًا منيعة، وتحول التصنيع الحربي من الصفر إلى إنتاج صواريخ باليستية وطائرات مسيرة غيرت موازين القوى في البحر والبر.
هذا التحول العسكري لم يكن ليتحقّق لولا العقيدة القتالية التي استمدت قوتها من الالتفاف الشعبي الواسع، حَيثُ قدمت القبائل اليمنية قوافل الرجال والمال في مشهد تكافلي أذهل المراقبين، متجاوزين أوجاع الحصار الخانق والظروف الاقتصادية القاسية التي طالت كُـلّ منزل ومسجد ومدرسة.
وفي قلب هذه الملحمة، برز دور القيادة ممثلة بالسيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي، الذي أدار دفة الصراع بحكمة وهدوء استراتيجي، محولًا التحديات الوجودية إلى فرص للبناء والاعتماد على الذات.
استطاعت القيادة الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية ومنع انهيار الدولة رغم الاستهداف الممنهج للبنية التحتية والمرافق الحيوية.
كانت الخطابات والتوجّـهات القيادية تمثل بوصلة للشعب، ترسم ملامح الصبر الاستراتيجي وتؤكّـد على سيادة القرار اليمني ورفض التبعية، مما خلق حالة من الثقة المتبادلة بين القاعدة الشعبيّة والقيادة السياسية والعسكرية، جعلت من "الصمود" ثقافة حياة لا مُجَـرّد شعار سياسي.
إن مرور أحد عشر عامًا من الثبات اليمني في وجه التحالف العربي والدولي يمثل اليوم درسًا تاريخيًّا في إرادَة الشعوب، فاليمن الذي أريد له أن ينكسر ويخضع، يحيي اليوم ذكرى صموده وهو أكثر قوة وحضورًا في الساحة الإقليمية والدولية.
لم تكن التضحيات الجسيمة والشهداء الذين سقطوا في سبيل كرامة الأرض مُجَـرّد أرقام في سجلات الحرب، بل هم الأَسَاس الذي شُيد عليه استقلال اليمن الجديد.
ومع دخول العام الثاني عشر، يقف العالم اليوم أمام حقيقة واضحة، وهي أن اليمن بقدر ما هو بلد محب للسلام، فإنه يمتلك بأسه الشديد الذي يجعله عصيًّا على الانكسار، محولًا المعاناة إلى قوة، والجراح إلى جسر نحو مستقبل سيادي مستقل.




.jpg)


