وليد فاضل
تعد ذكرى "الصرخة في وجه المستكبرين" محطةً مفصليةً في تاريخ الشعب اليمني والأمة الإسلامية؛ فهي استحضارٌ لميلاد وعيٍ قرآنيٍ أصيل، انطلق من رحم المعاناة ليضعَ الأُمَّــة أمام مسؤولياتها التاريخية في مواجهة قوى الطغيان والاستكبار العالمي.
إن "الصرخةَ" التي أطلقها الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه) تمثّل المشروعَ النهضوي الذي أعاد لليمنيين هُويتهم الإيمانية وكرامتهم الوطنية، ورسم طريق العزة في زمن سادت فيه ثقافة الاستسلام والارتهان.
صرخة الحق في زمن الصمت والهيمنة
انطلقت الصرخة في ظرفٍ تاريخيٍ بالغ التعقيد، حَيثُ كانت قوى الاستكبار العالمي -وعلى رأسها الإدارة الأمريكية- تتوغل في عمق الأُمَّــة، وتفرض هيمنتها السياسية والعسكرية والثقافية تحت غطاء "النظام العالمي الجديد".
كان الصمت العربي والإسلامي مطبقًا، والأنظمة الحاكمة في حالة استلابٍ كامل للقرار السيادي، خاضعة للإملاءات الخارجية؛ مما جعل الأُمَّــة في وضع "المفعول به"، تفتقر للرؤية والموقف.
في هذا الواقع المظلم، قدم الشهيد القائد رؤية قرآنية ثاقبة تشخص مكامن الخلل.
لقد أدرك أن المشكلة لا تكمُنُ في ضعف الإمْكَانات فحسب، إنما تكمن في قلة الوعي.
الصرخة جاءت لتشكّل "حالة استنهاض" للضمير الإنساني والقرآني، فهي إعلان صريحٌ برفض التبعية التي أريد لها أن تصبح قدر الأُمَّــة المحتوم.
لقد كانت الصرخة إعلانًا عن استعادة "القرار"، وتأكيدًا على أن الأُمَّــة تمتلك من مقومات القوة والمنعة ما يمكنها من مواجهة مشاريع الاستكبار، إذَا ما توكلت على الله وتمسكت بنهجه القويم.
إنها الصرخة التي كسرت حاجز الخوف، ونزعت الغطاء عن المشاريع التدميرية التي تستهدف الإسلام دينًا وأرضًا وشعوبًا، موجهةً البوصلة بوضوح نحو العدوّ الحقيقي.
الصرخة كمنهج عمل وموقف مُستمرّ
بالنسبة للمنتمي للمسيرة القرآنية، لا تقتصر الصرخةُ على الترديد اللفظي للشعار، فهي منهجُ عمل متكامل وموقفٌ سياسي يتجلى في ممارسات عملية يومية.
الصرخة تمثل الثبات على المبدأ، والموقف الواضح من قضايا الأُمَّــة الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية التي تعتبر البوصلة المركزية.
يتجلى هذا المنهج في ركائز أَسَاسية:
- التحرّر من الهيمنة:تعني الصرخة استقلال القرار الوطني، ورفض الارتهان لأية قوة خارجية.
هي تعبير عن رفض الوصاية وتأكيد على حق الشعب في تحديد مصيره.
- بناء القوة الذاتية:الوعي الذي أوجدته الصرخةُ دفع الشعب نحو بناء قوته الذاتية، لا سيما في المجال العسكري والتصنيع الحربي، انطلاقًا من المبدأ القرآني "وأعدّوا لهم ما استطعتم من قُوة".
- الارتقاء بالهُوية الإيمانية:الصرخة حِصن ثقافي يحمي المجتمع من الغزو الفكري الناعم.
هي دعوة للعودة إلى الأصالة، وإلى القيم الإسلامية التي تجعل من "الكرامة" أسمى غاية.
- مواجهة الظلم:هي نداءُ المستضعفين في وجه المستكبرين، وإعلان رفض لكل أشكال الظلم والقهر، وتأكيد على أن المنتمي للمسيرة يقف دائمًا في خندق الحق، ناصرًا للمظلوم.
أثر الصرخة في تشكيل الواقع اليمني وتغيير المعادلات
أحدثت الصرخة تحولًا جذريًّا في بنية الوعي اليمني، مما انعكس بشكل مباشر على الواقع العملي للبلاد؛ فاليوم يقف اليمن في موقع الند للند مع دول الاستكبار، بعد أن كان يُنظر إليه كبلدٍ تابع.
وتتجلى ثمار هذا الوعي في:
- صمود أُسطوري:الصرخة هي الوقود الذي يغذّي روح الصمود في وجه العدوان.
- الوَحدة الوطنية:نجحت الصرخة في خلق حالة فريدة من التلاحم الشعبي، متجاوزةً محاولات التمزيق والتفتيت.
- الريادة الإقليمية:بات اليمن قوةً إقليمية فاعلة ومؤثرة تفرضُ شروطَها وتدافعُ عن حقوقها بكل ثقة.
- استشراف المستقبل:الصرخة ليست مُجَـرّد ذكرى للماضي، إنها مشروع للمستقبل؛ تضع الأُمَّــة على طريق التحرّر الكامل، والنهضة الشاملة، وبناء الدولة القوية.
إذن.. الصرخة في وجه المستكبرين -التي أيقظت الأُمَّــةَ من سُباتها، وجعلتها تدركُ حقيقةَ الصراع- ستظل النبراس الذي يضيءُ دروبَ الأحرار.
والمسيرة مُستمرّة نحو تحقيق غاياتها الكبرى في الحرية والاستقلال، ولن يثنيها عن ذلك كيد المستكبرين، فالعاقبة دائمًا للمتقين، والنصر صبر ساعة.



.jpg)
.png)
