حسين بن محمد المهدي
في الزمن الممطر بالفتن، تبقى المراكزُ الصيفية ضوءًا لا ينطفئ
{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإنسان مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأكرم، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإنسان ما لَمْ يَعْلَمْ}
في زمن تتسارع فيه اللحظات، وتكثر فيه مصادر التلقي الفاسدة، يبقى الشباب الثروة الحقيقية للأُمَّـة، والرهان الأغلى في معركة البناء والهُوية.
من هنا جاءت المراكز الصيفية كضرورة ملحّة، لا مُجَـرّد استثمار للعطلة، بل كمعاقل تربوية تُصقل فيها الوعي، وتُرسّخ فيها القيم، وتُحمى فيها الفطرة من مدِّ العولمة المتوحشة والانفتاح غير المسؤول.
بين الفراغ المُهلِك والحصن الحصين
بادرت قيادةُ أنصار الله – تحت ظلّ المسيرة القرآنية والعلماء الربّانيين في يمن الإيمان والحكمة – إلى فتح هذه المراكز؛ إدراكًا بأن الفراغ مهلكة، والعطلة -إن لم تُحسن استغلالها- تحوّلت إلى سُمّ زعاف ينهش الأخلاق.
فجاءت المراكز حِصنًا حصينًا للهُوية الإيمانية، تغرس في الناشئة الاعتزاز بالانتماء إلى هذه الأُمَّــة، وتعلّمهم أن الهُوية ليست شعارًا، بل منهاج حياة.
أقامت لك الأيّامُ مَركَزَها *** مراكزَ الصيفِ للشبانِ تيسيرا
تلقِّنُ الفتيةَ العِرفانَ مخلصةً ***وتغرس الخيرَ في الأرواح توقيرا
المزاوجة بين العلم الشرعي والعصرية: جناحان لا ينفصلان
لم تقف المراكز الصيفية عند حدود التلقين الجاف، بل مزجت بين العلوم الدينية والدنيوية، فإلى جانب التبحر في التفسير والحديث والأخلاق، توجد مهارات تقنية، وحاسوب، ولغات، وإسعافات أولية، وفنون حرفية ورياضية.
هذه المزاوجة تجعل من الطالب عنصرًا فاعلًا، لا مستهلكًا سلبيًّا، وتطبّق القاعدة الذهبية: العلم يُهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل.
شمس المعارف فوق الهام تنتشر
والعلم تاج لمن للحق ينتصر
يا وارثَ الأنبياء قُمْ واقتبسْ جواهرَها
فالعلم في صدف الإخلاص يُدخَّر
وهذا النموذج المتكامل هو الذي يخرج شابًّا قويًّا بدنيًّا، واعيًا فكريًّا، متمسكًا دينيًّا، قادرًا على مواجهة تحديات العصر.
صقل المواهب ومواجهة الغزو الفكري
في مراكز صيفية كثيرة – كمركَز الشهيد القائد في العاصمة صنعاء، ومراكز مديريات الحديدة وتعز وصعدة – نشهد برامج نوعية: دورات في البرمجة، وورشًا في الخطابة، وأنشطة رياضية تنافسية، وفصولًا لحفظ القرآن وتدبره.
هذه البرامج تصنع جيلًا يمتلك الثقة، ويقف أمام الغزو الفكري ببصيرة، لا بردود الأفعال.
لقد أدرك القائمون على هذه المراكز أن العلمَ هو عنوان العز، كما قال تعالى: {إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}
فمن خَشِيَ الله كان علمُه نافعًا، ومن عَلِمَ عَمِل، ومن عَمِل أتقن، ومن أتقن قاد.
تحديات وحلول – نظرة واقعية
رغم النجاحات الكبيرة، تواجه المراكز الصيفية تحديات، أبرزها:
- شح الإمْكَانات المادية في بعض المناطق، مما يؤثر على جودة التجهيزات.
- ضعف إشراك أولياء الأمور في المتابعة والتحفيز.
- غياب التغطية الإعلامية الكافية التي توصل رسالة المراكز إلى أكبر شريحة.
ومواجهة هذه التحديات تتطلب شراكة مجتمعية فاعلة: من رجال الأعمال بدعم لوجستي، ومن الأسر بحضور ومتابعة، ومن وسائل الإعلام بتسليط الضوء على القصص الناجحة.
المراكز الصيفية استثمار لا تبذير
إن الاستثمار في هذه المراكز هو استثمار في رجال الغد.
فمن يظن أن إغلاقَها أَو إضعافها يوفر مالًا أَو جهدًا فهو واهم؛ لأن غيابَها يعني عودة الفراغ، وتفكُّك الهُوية، وهدر الطاقات.
أما دعمها والارتقاء بها فهو الطريقُ الأقصرُ لبناء جيل متوازن.
ختامًا، لعل أصدقَ ما نختتم به قول الله تعالى: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى؟ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ}
فلنكُنْ من أولي الألباب الذين يعلمون قيمة هذه المراكز، فيعملون على نشرها، وتجويدها، وحمايتها، فهي – واللهِ – محاريبُ العلم، ومعاقلُ الهُوية، وحصون المستقبل.
* عضو رابطة علماء اليمن







