رهيب التبعي
لم تعد المسألة ترفًا فكريًّا ولا تحليلًا نظريًّا.
ما يجري اليوم يكشف بوضوح أن مرحلة كاملة من الوهم السياسي والاقتصادي توشك على الانهيار.
تلك المرحلة التي انشغل فيها البعض بمشاريع براقة من نوع “نيوم” وسباق الأبراج، وكأن القوة تُقاس بالزجاج والخرسانة، لا بالموقع والسيطرة.
لكن الواقع لا يُجامل أحدًا.
العالم يعود الآن إلى قاعدته الأولى: من يملك المضائق، يملك القرار.
إن "عقدة المضائق" التي بدأت تتشكل ليست مُجَـرّد تطور عابر، بل تحوّل حاد في طبيعة الصراع.
فالممرات البحرية — باب المندب، هرمز، وقناة السويس — لم تعد خطوطًا للتجارة فقط، بل تحولت إلى أدوات خنق وابتزاز، وإلى ساحات اختبار حقيقية لموازين القوة.
هنا، تسقط كُـلّ الشعارات، ولا يبقى إلا الفعل.
من كان يراهن على الاستقرار الدائم، يكتشف اليوم أنه بنى حساباته على فراغ.
ومن ظن أن العالم تحكمه الاستثمارات، يتعلم الآن أن الاستثمارات نفسها رهينة بندقية تُشرف على مضيق.
المفارقة القاسية أن من أنفق المليارات على مشاريع استعراضية، قد يجد نفسه عاجزًا عن تأمين شريان بحري واحد.
وفي لحظة الحقيقة، لا تنفع المدن الذكية إذَا كانت السفن لا تصل، ولا قيمة للأبراج إذَا كانت التجارة تُخنق عند الممرات.
هذا التحول ليس صدفة، بل نتيجة طبيعية لصراع مؤجل كان ينتظر لحظة الانفجار.
فالمضائق لم تكن يومًا خارج المعادلة، لكنها اليوم أصبحت مركزها.
ومن هنا، يتضح أن ما يُرسم ليس مُجَـرّد تنافس اقتصادي، بل إعادة تشكيل قسرية لخريطة النفوذ.
الأخطر من ذلك أن هذه الممرات لم تعد حكرًا على الدول الكبرى وحدها.
لقد دخلت أطراف جديدة إلى المعادلة، وأصبحت قادرة — ولو جزئيًّا — على فرض كلفة حقيقية على خصومها.
وهذا بحد ذاته كسرٌ لاحتكار القوة، وإعادة تعريف لقواعد الاشتباك.
في هذا المشهد، لا يبدو الحديث عن "مشاريع مستقبلية" إلا نوعًا من الهروب إلى الأمام.
لأن الحاضر يُكتب الآن عند المضائق، لا في مخطّطات المدن.
ومن لا يقرأ هذه الحقيقة، سيدفع ثمن تجاهلها.
أما من ينظر إلى ما يحدث من زاوية أعمق، فسيرى أن المسألة تتجاوز الحسابات المباشرة.
هناك سنن تتحَرّك، وتوازنات تُعاد صياغتها، وأدوار تُهيأ.
هذه الممرات التي كانت مُجَـرّد خطوط على الخريطة، تتحول اليوم إلى مفاتيح ضغط حقيقية، قد تُستخدم في لحظة ما لتغيير مسار صراع بأكمله.
لهذا، فإن السؤال لم يعد: من يبني أعلى برج؟
بل: من يستطيع أن يغلق مضيقًا.. أَو يحميه.
وهنا فقط، تُعرف القيمة الحقيقية للقوة.




.jpg)


